العودة   شبكة و منتديات التاريخ العام الأقسام التاريخية ۞ قسم التاريخ الاندلسي ۞
۞ قسم التاريخ الاندلسي ۞ تاريخ الأندلس منذ فتحها و حتى سقوطها .
 

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 10-12-2010, 01:08 AM
الصورة الرمزية مجد الغد
 

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  مجد الغد غير متواجد حالياً
 
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  2
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,146 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough
افتراضي ملامح روحية و فكرية عند الدولة المرينية (2)

ملامح روحية و فكرية عند الدولة المرينية (2)
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
د. علية الأندلسي
باحثة في الفقه المالكي وأصوله


لقد كان اهتمام الدولة المرينية المغربية بالجانب الروحي خصوصا تربية الناس على التصوف السني منقطع النظير، ولم يكن وليد صدفة بل كان جل سلاطينهم عبادا متصوفة عارفين بالله تعالى، ويتجلى ذلك في اعتنائهم بتشييد الزوايا والرباطات المختلفة عبر حدود مملكتهم الشريفة، ونشرهم لأفكار التصوف المعرفية كما سبقت الإشارة إلى ذلك، مما ساعد على تكوين مجتمع سني في عقيدته وسلوكه النبيل ذي المرجعية الإسلامية الهادفة، وفي هذا الصدد أقر المرينيون المذهب المالكي الذي اختاره أجدادهم الأشاوس، واتخذوه مذهبا رسميا وعملوا على نشره وتعليم أصوله و قواعده، فبنوا مدارس العلم في أنحاء المملكة لتكوين الفقهاء المبرزين في مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، وأعدوهم لنشر مذهبه السني في جميع أنحاء البلاد وخارج البلاد؛ كما اعتنوا بإقامة الشعائر الدينية فأسسوا المساجد واهتموا بالحفلات والمواسم الدينية خصوصا عيد المولد النبوي الشريف، فأحدثوا الاحتفال به سنة (691هـ/1292م).
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة أما بالنسبة للجانب الفكري فتذكر المصادر المعتمدة أنه عرف نشاطا غزيرا في عهدهم؛ إذ كانوا يحبون العلوم بمختلف شعبها، والآداب والفنون الراقية التي تعبر عن الحس والذوق الرفيع فبلغت العقلية العلمية في عصرهم الذروة، فبنوا المدارس والمكاتب وشجعوا الطلبة والعلماء بمختلف المدارك والمشارب على الابتكار والعطاء العلمي في مختلف المجالات، وتروي المصادر أنه غرق مع السلطان أبي الحسن المريني في رحلة رجوعه من تونس حوالي ثلاثمائة عالم وأديب رحمهم الله تعالى؛ كما أنه في عهدهم أصبح العلماء يشدون إليهم الرحال من مختلف الأقطار بما فيهم الأندلس الرطيب التي كانت تعج بالعلماء آنذاك، لكي يبدعون في قصورهم ويتنافسون مع قرنائهم العلماء، ولقد لعب التنافس في مدينة فاس العالمة دوره بين العلماء المبرزين في مختلف الميادين العلمية المغاربة منهم والغير مغاربة، مثل ما كان يلعبه في قرطبة واشبيلية بالأندلس، والقاهرة وبغداد ودمشق بالشرق العربي؛ حيث عُرف المغرب المريني من الناحية الفكرية بوجود علماء فحول بلغاء كبار ذوي التخصصات المختلفة العلمية الدقيقة كالرياضيات والطب والفلك، والفقهية المالكية الأصولية، والأدبية الشعرية، والصوفية السنية التي كانت سائدة في المجتمع المريني.
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة ولقد برز في عهد الدولة المرينية كثير من الأدباء والفقهاء والعلماء منهم على سبيل المثال لا الحصر الرحالة المغربي الصوفي الذي يعتبره أغلب المؤرخون أعظم الرُّحل في العصور الوسطى شمس الدين محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة (703-776هـ)، وكتابه "تُحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" من أفيد وأنفس الكتب التي ألفت في عهد بني مرين وصورت المجتمع المريني بكل دقة وتفصيل، بالإضافة إلى إيراده لأوصاف دقيقة لذلك العالم الكبير المتعدد الأمم والشعوب والعادات والتقاليد المختلفة، ولقد تطرقنا إلى ذلك بالتفصيل في العدد السابق؛ وإكراما للرحالة المغربي المتميز أمر السلطان أبو عنان المريني بتدوين كتابه النفيس بمدينة فاس سنة (756هـ)، وكلف بذلك الأديب ابن جزي الكلبي الأندلسي الذي يقول في تصديره للكتاب: "أنه نقل كلام الشيخ أبي عبد الله بن بطوطة بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها، موضحة للمناحي التي اعتمدها وربما أوردت لفظه على وضعه"؛ كما ندب السلطان أبو عنان المريني الرحالة المغربي بعد ذلك ليتولى القضاء في ولاية سوس جنوب المغرب، فلبث في ولايته حتى وافته المنية رحمه الله تعالى سنة (776هـ/1374م).
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة أما العالم الذي تبوأ المكانة الأولى في هذا العصر أيضا هو العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون الإشبيلي (732-808هـ) / (1332-1406م)، من مواليد تونس الخضراء حيث استوطنت أسرته بعد أن هاجرت من الأندلس في بداية القرن الثامن، تعلم ابن خلدون بتونس مسقط رأسه لكنه لم يستقر بها، بل كانت حياته مليئة بالمغامرات والأعمال المثمرة البنائة إذ تقلد مناصب عديدة بمدينة فاس وبجاية وتلمسان وغرناطة الأندلسية، وتونس والقاهرة التي توفي بها رحمة الله عليه؛ ويعرف ابن خلدون بصفة خاصة كمؤرخ بفضل كتابه الذي سماه "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" وهو المشهور بـ"تاريخ ابن خلدون"، وعالم اجتماع بفضل كتابه "المقدمة" الذي يعتبر أول دراسة علمية للتاريخ ولحياة المجتمعات وتطورها تتضمن فلسفة ابن خلدون ونظرياته الاجتماعية، وتتناثر بها إشارات حضارية متنوعة تفيد المؤرخ والسوسيولوجي والباحث بصفة عامة.
صفوة القول، أن هناك عديد من علماء هذه الحقبة التاريخية الذين لا يتسع المجال لذكرهم ويمكن الرجوع إلى الكتب التي ترجمت لهذا العصر من أجل الوقوف على تراجمهم مفصلة، منها كتاب يعتبر من الدرر النفيسة التي اهتمت بهذا الموضوع في ما يخص علماء مدينتنا السليبة سبتة الذين خدموا العلم في العصر المريني، والكتاب هو لمؤلف مجهول عاش خلال أواخر القرن الثامن اسمه: "بلغة الأمنية ومقصد اللبيب في من كان بسبتة في الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب"، وكان تاريخ الفراغ من تأليفه هو 26 صفر عام 820هـ/1417م، وهو من الحجم الصغير يشتمل على 48 ترجمة لمدرسين وأساتذة وأطباء عاشوا بمدينة سبتة السليبة إبان الحكم المريني، ومن بين هاته التراجم توجد ترجمة لامرأة طبيبة كان لها علو كعب في ميدان الطب بمدينة سبتة السليبة في ذلك العهد[1].
ومن المصادر الغميسة التي يمكن للباحث الاعتماد عليها وتتبع علماء وقضاة العصر المريني الذين كرسوا حياتهم لخدمة العلم، والقضاء والفتوى بالمغرب والأندلس كتاب: "المرقبة العليا في من يستحق القضاء والفتيا" لعلي بن عبد الله الجذامي النباهي المالقي نزيل مدينة غرناطة الأندلسية، كان على قيد الحياة عام 793هـ/1391م، يتألف الكتاب من بابين الباب الأول يتحدث فيه المؤلف عن ولاية القضاء وما يتعلق بها، ويتطرق في الباب الثاني إلى سير مجموعة من القضاة الذين تولوا القضاء بالأندلس والمغرب والقيروان خلال العهد المريني وما قبله في 105 ترجمة مفصلة.
وفي نفس السياق نذكر كتاب لسان الدين بن الخطيب الغرناطي (776هـ/1374م) "نُفاضة الجراب في عُلالة الاغتراب" الذي ألفه أثناء إقامته بالمغرب ما بين (760-763هـ)، وفيه يذكر ابن الخطيب ملامحا عن حياته بالمغرب وارتساماته عن الجهات التي زارها، ويترجم لعلمائها وشخصياتها البارزة[2].
أما بالنسبة للشعراء الفصحاء والبلغاء الذين عاصروا الدولة المرينية وكان لهم نصيبا وافرا في تنشيط الحياة الفكرية بالمغرب المريني، فيمكن الرجوع إلى كتاب فريد من نوعه، مميز بين الكتب التي اهتمت بذكر شعراء منطقة الغرب الاسلامي، اسمه "نثير الجُمان في شعر من نظمني وإياهم الزمان" لإسماعيل بن يوسف الأنصاري الغرناطي نزيل مدينة فاس والمتوفى بها عام 808هـ/1405م، ذكر فيه 74 ترجمة للشعراء المعاصرين له بالأندلس وشمال إفريقية، وصنفه في اثني عشر بابا، عنون الباب الثاني بـ: "في شعر ملوك بني مرين وأبنائهم"، والباب الثامن ب: "في شعر قضاة الأندلس وفقهائها"، أما الباب الحادي عشر فعنونه ب: "في شعر قضاة المغرب وفقهائه"، والكتاب يعتبر من أفيد المصادر الدفينة التي يمكن الاعتماد عليها في البحث العلمي[3]؛ ولنفس المؤلف كتاب اسمه: "نثير فرائد الجُمان في نظم فحول الزمان" يقارب اتجاه كتابه السالف الذكر حيث ذكر فيه شعراء من الأندلس والمغرب ومن المشرق العربي، وذيله بنبذة من أشعاره الشخصية، يحتوي الكتاب المذكور على ثلاثين ترجمة يمكن الرجوع إليها لرصد الحركة الشعرية في عهد الدولة المرينية[4].
ويتميز العصر المريني بظهور أكبر موسوعة مغربية في التراجم لا غنى للباحث المتمرس عنها وهي كتاب: "الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة" لمحمد بن عبد الملك المراكشي الأنصاري الأوسي المتوفى بتلمسان عام (703هـ/1303م)، والكتاب يعتبر تكملة لكتاب "الصلة" لابن بشكوال التي وصل بها كتاب "تاريخ علماء الأندلس" لابن الفرضي، وتكمن أهمية كتاب ابن عبد الملك المراكشي الذي يعتبر من المصادر الدفينة لتاريخ المغرب في كونه يضيف إلى تراجم الأندلسيين تراجم الغرباء الذين دخلوا شبه الجزيرة وفيهم مغاربة، كما أن عديدا من التراجم الأندلسية –رجالا ونساء- تحفل بأخبار عن الحياة الفكرية بالمغرب الموحدي والمريني، وبعد أن يذكر المؤلف الغرباء من الرجال -حسب تعبيره- يذيل الكتاب بتراجم النساء الأندلسيات على حدة، ثم النساء الغرائب على حد قوله[5].
أعزائي القراء الأوفياء عرجت في هذا العدد - بعجالة-على بعض الملامح الفكرية عند دولة بني مرين مستشهدة ببعض النماذج من المصادر الدفينة المهمة التي يمكن الرجوع إليها من أجل التوسع والتبحر في هذا الجانب، وهذا غيض من فيض أو قطرة في بحر إذ مهما قيل وكتب عن عظمة الدولة المرينية لا يعطيها حقها التاريخي بالكامل، ويكفيها أن عصرها الذهبي كان يحفل بعلماء فطاحلة مبرزين لهم تخصصات في مختلف المجالات العلمية حتى الدقيقة منها كالرياضيات، والكيمياء والفلك والطب.. ويمكن الوقوف على ذلك في مختلف المصادر المطبوعة محققة التي أرخت لهذه الحقبة التاريخية من منطقة الغرب الإسلامي، ولنا في ذلك دروس وعبر نعتبر بها من أجل بناء حاضر ومستقبل منطقتنا المشرق بحول الله وقوته..
والله من وراء القصد ويهدي السبيل
رد مع اقتباس
قديم 10-12-2010, 01:09 AM   رقم المشاركة : ( 2 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,146 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: ملامح روحية و فكرية عند الدولة المرينية (2)

(يتبع)
------------------------------
1. نشر في مجلة "تطوان" العدد التاسع سنة 1964م.ص:173-193 بتحقيق محمد بن تاويت التطواني. وأعاد طبعه محققا مؤرخ المملكة المرحوم عبد الوهاب بن منصور بالمطبعة الملكية.
2. نشر السفر الثاني من الكتاب بتحقيق الدكتور أحمد مختار العبادي ومراجعة الدكتور عبد العزيز الأهواني، عن دار الكتاب العربي بالقاهرة في 516 صفحة، تفديما ونصا وملاحق وفهارس.
3. نشرته مؤسسة الرسالة ببيروت سنة 1396هـ/1976م بتحقيق الدكتور محمد رضوان الداية في 562 صفحة تقديما ومتنا وفهارس.
4. الكتاب نشرته دار الثقافة ببيروت سنة 1967م، بتحقيق الدكتور محمد رضوان الداية في 420 صفحة تقديما ومتنا وفهارس.
5. الكتاب منشور في أجزاء متفرقة بعناية دار الثقافة ببيروت بتحقيق الدكتور محمد بن شريفة، والدكتور إحسان عباس

  رد مع اقتباس
قديم 10-12-2010, 01:12 AM   رقم المشاركة : ( 3 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,146 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: ملامح روحية و فكرية عند الدولة المرينية (2)

إطلالة على الحضارة المرينية

علية الأندلسيميثاق الرابطة : 22 - 10 - 2010نستأنف معا ملامسة جوانب من الحضارة المغربية التي سادت منطقة الغرب الإسلامي للتعريف والتذكير بها، وأخذ العبر والدروس من أحداث بصمت تاريخ هذه المنطقة الغنية بحضارتها المتميزة، ولقد مر معنا جوانب من حضارة الدولتين العظيمتين المرابطية والموحدية في الأعداد السابقة، وفي هذا العدد وما يليه سنحاول التعريج على بعض الجوانب من الحضارة المرينية المغربية التي أعقبت الحضارتين المرابطية والموحدية وتركت آثارها وبصماتها على المنطقة..
فبعد تجزأ الدولة الموحدية لأسباب عسكرية واقتصادية قامت على أنقاضها دول وإمارات عديدة إذ فقد الموحدون هيبتهم وسيطرتهم على الأندلس بعد موقعة العقاب سنة (609ه/1212م)[1]، واستولى النصارى بالتوالي على مدينة "قرطبة" سنة (636ه/1236م)، ثم مدينة "إشبيلية"، ووصلوا إلى المحيط الأطلسي فاحتلوا ميناء "قادس"، مما دفع إلى هجرة الكثير من المسلمين واستيطانهم بأرض المغرب العربي، ولقد انحصر النفوذ الإسلامي في الأندلس في الجنوب الشرقي للبلاد تحت إمارة بني الأحمر، وبني هود التي لم تدم أكثر من نصف قرن (620-668ه/1223-1269م) بسبب تنازع أمرائها وغارات النصارى وبني الأحمر المتوالية عليها.
أما إمارة بني الأحمر فقد صمدت طويلا واحتفظت بالوجود الإسلامي بالأندلس مدة تزيد عن قرنين ونصف (629-897ه/1232-1492م) ظلت متأرجحة بين الاستعانة بالمسلمين والتحالف مع النصارى، ورغم الظروف العسيرة التي واجهتها فقد أشرقت في عهدها حضارة مزدهرة تتجلى في "قصر الحمراء" الذائع الصيت بمدينة غرناطة الأندلسية.
بالنسبة للمغرب فقد انتشر المرينيون لأسباب اقتصادية بعد ذلك أقاموا دولتهم به، وينتسب المرينيون إلى قبائل "زناتة" البربرية، كانوا بدوا رُحَّل في مطلع القرن السابع الهجري الموافق للثالث عشر ميلادي يرعون الغنم والإبل في قفار المغرب الشرقي بين منطقة "فكيك" و"ملوية"، ينتجعون الكلأ في فصل الربيع والصيف حتى ناحية مدينتي "تازة" و"وجدة" ثم يرجعون إلى الجنوب نهاية الخريف، وتذكر المصادر أنهم لم يخضعوا قط لحكم الموحدين ولكنهم شاركوا إلى جانبهم في معركتي "الأرك" و"العقاب"؛ استفاد المرينيون من ضعف الدولة الموحدية بعد معركة العقاب، كما استفادوا من التدهور الاقتصادي والتناقص الديمغرافي الناتجين عن الوباء الذي حل بالمغرب سنة (610ه)، فلم يتوقفوا في بحثهم عن الكلأ عند عتبة مدينة "تازة" بل تعدوها نحو تلال الريف الشرقي وسهول نهر "سبو".
لم تكن للمرينين في بداية أمرهم خلافا للمرابطين والموحدين غايات سياسية يسعون إلى تحقيقها أو مذهب ديني يدعون إليه، وإنما كان اندفاعهم نحو المغرب لأسباب اقتصادية صرفة تجلت في الانتفاع بخيراته وفق المصادر التاريخية المعتمدة، فقد نزحوا إلى الأراضي المغربية الخصبة للاستفادة من المراعي ثم فرضوا المغارم على قبائلها، وأغاروا على مدنها مثل مدينة "تازة" و"مكناس" و"فاس"، ولم يكفوا غاراتهم عنها إلا بعد أن قبل سكانها أداء ضريبة معينة كل سنة؛ وبعد استيلاء المرينيين على المغرب الشرقي وممر مدينة "تازة" أصبحوا يراقبون جزء من الطريق التجارية الذاهبة نحو "تلمسان"، فكان طبيعيا أن يطمعوا في السيطرة على طرفها الممتد نحو سجلماسة والجنوب؛ أما أهدافهم السياسية فقد ظهرت في عهد قائدهم أبا بكر بن عبد الحق إذ كان أول من رفع راية بني مرين وسما بها إلى مرتبة الملك، وهو أول من جند الجنود وضرب الطبول، ونشر البنود وملك الحصون، وكان أول ما ذهب إليه هو قسم بلاد المغرب وقبائل جبايته بين عشائر بني مرين..[2]؛ وتذكر بعض المصادر أن هذه الأهداف ظلت متسترة تحت قناع الولاء للحفصيين وهم فرع من الموحدين الذين أسسوا دولتهم بتونس ونواحيها، فدعا أهل مدينة فاس ومكناس عند فتحهما إلى مبايعة الحفصيين، ولقد استفاد من هذه الخطة الذكية فهادنه الحفصيون وآزروه وأمدوه بالمال والسلاح، أما الأهداف الدينية عند المرينيين فلم تكن واضحة كما كانت عند المرابطين والموحدين، فالمرينيون لم يسندوا دعوتهم إلى مذهب ديني ولكن هذا لم يمنعهم من التحلي بالصفات الإسلامية الحميدة التي تحلى بها من سبقهم من ملوك المغرب الأشاوس.
دخلت الدولة المرينية في عهد التوطيد والتوسع بعد أن اجتازت عهد التأسيس الذي استغرق مدة نصف قرن تقريبا، وبرز في عهد التوطيد أربعة ملوك هم: أبو يوسف يعقوب، وأبو يعقوب يوسف، ثم أبو الحسن وأبو عنان، ولقد استغرق هذا العهد قرنا من الزمن (668-760ه/1269-1358م) وخلاله واجه المرينيون ثلاث مشاكل وهي: المشاكل الداخلية، ومشاكل المغرب الأوسط وإفريقية، ومشكلة الأندلس[3].
عرف السلاطين المرينيون بالعلم والحلم والشجاعة والسهر على مصالح الرعية كما يصفهم جل مؤرخو الدولة المرينية، وكانت الخلافة في بداية الدولة المرينية تتم عن طريق الاستبداد تارة، وعن طريق اختيار الوزراء والأشياخ وأهل الحل والعقد بعد التفاوض تارة أخرى، وفي هذا الصدد يذكر العلامة ابن خلدون في تاريخه أن أبا يوسف حاول عقد العهد لأكبر أبنائه لما علم من أهليته لذلك، فجمع قومه وأخذ له البيعة عليهم جميعا فأعطوها طواعية، لكن هذه الخطة فشلت بسبب معارضة بعض قرابته وبسبب وفاة ولي العهد قبل أبيه؛ نفس المصير لقيت محاولة أبي سعيد عثمان وأبي الحسن؛ ومن ثم لم يستطع الملوك المرينيون أن يبسطوا سلطتهم على المغرب بصفة قارة ومستمرة[4].
  رد مع اقتباس
قديم 10-12-2010, 01:13 AM   رقم المشاركة : ( 4 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,146 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: ملامح روحية و فكرية عند الدولة المرينية (2)

إطلالة على الحضارة المرينية

علية الأندلسيميثاق الرابطة : 22 - 10 - 2010نستأنف معا ملامسة جوانب من الحضارة المغربية التي سادت منطقة الغرب الإسلامي للتعريف والتذكير بها، وأخذ العبر والدروس من أحداث بصمت تاريخ هذه المنطقة الغنية بحضارتها المتميزة، ولقد مر معنا جوانب من حضارة الدولتين العظيمتين المرابطية والموحدية في الأعداد السابقة، وفي هذا العدد وما يليه سنحاول التعريج على بعض الجوانب من الحضارة المرينية المغربية التي أعقبت الحضارتين المرابطية والموحدية وتركت آثارها وبصماتها على المنطقة..
فبعد تجزأ الدولة الموحدية لأسباب عسكرية واقتصادية قامت على أنقاضها دول وإمارات عديدة إذ فقد الموحدون هيبتهم وسيطرتهم على الأندلس بعد موقعة العقاب سنة (609ه/1212م)[1]، واستولى النصارى بالتوالي على مدينة "قرطبة" سنة (636ه/1236م)، ثم مدينة "إشبيلية"، ووصلوا إلى المحيط الأطلسي فاحتلوا ميناء "قادس"، مما دفع إلى هجرة الكثير من المسلمين واستيطانهم بأرض المغرب العربي، ولقد انحصر النفوذ الإسلامي في الأندلس في الجنوب الشرقي للبلاد تحت إمارة بني الأحمر، وبني هود التي لم تدم أكثر من نصف قرن (620-668ه/1223-1269م) بسبب تنازع أمرائها وغارات النصارى وبني الأحمر المتوالية عليها.
أما إمارة بني الأحمر فقد صمدت طويلا واحتفظت بالوجود الإسلامي بالأندلس مدة تزيد عن قرنين ونصف (629-897ه/1232-1492م) ظلت متأرجحة بين الاستعانة بالمسلمين والتحالف مع النصارى، ورغم الظروف العسيرة التي واجهتها فقد أشرقت في عهدها حضارة مزدهرة تتجلى في "قصر الحمراء" الذائع الصيت بمدينة غرناطة الأندلسية.
بالنسبة للمغرب فقد انتشر المرينيون لأسباب اقتصادية بعد ذلك أقاموا دولتهم به، وينتسب المرينيون إلى قبائل "زناتة" البربرية، كانوا بدوا رُحَّل في مطلع القرن السابع الهجري الموافق للثالث عشر ميلادي يرعون الغنم والإبل في قفار المغرب الشرقي بين منطقة "فكيك" و"ملوية"، ينتجعون الكلأ في فصل الربيع والصيف حتى ناحية مدينتي "تازة" و"وجدة" ثم يرجعون إلى الجنوب نهاية الخريف، وتذكر المصادر أنهم لم يخضعوا قط لحكم الموحدين ولكنهم شاركوا إلى جانبهم في معركتي "الأرك" و"العقاب"؛ استفاد المرينيون من ضعف الدولة الموحدية بعد معركة العقاب، كما استفادوا من التدهور الاقتصادي والتناقص الديمغرافي الناتجين عن الوباء الذي حل بالمغرب سنة (610ه)، فلم يتوقفوا في بحثهم عن الكلأ عند عتبة مدينة "تازة" بل تعدوها نحو تلال الريف الشرقي وسهول نهر "سبو".
لم تكن للمرينين في بداية أمرهم خلافا للمرابطين والموحدين غايات سياسية يسعون إلى تحقيقها أو مذهب ديني يدعون إليه، وإنما كان اندفاعهم نحو المغرب لأسباب اقتصادية صرفة تجلت في الانتفاع بخيراته وفق المصادر التاريخية المعتمدة، فقد نزحوا إلى الأراضي المغربية الخصبة للاستفادة من المراعي ثم فرضوا المغارم على قبائلها، وأغاروا على مدنها مثل مدينة "تازة" و"مكناس" و"فاس"، ولم يكفوا غاراتهم عنها إلا بعد أن قبل سكانها أداء ضريبة معينة كل سنة؛ وبعد استيلاء المرينيين على المغرب الشرقي وممر مدينة "تازة" أصبحوا يراقبون جزء من الطريق التجارية الذاهبة نحو "تلمسان"، فكان طبيعيا أن يطمعوا في السيطرة على طرفها الممتد نحو سجلماسة والجنوب؛ أما أهدافهم السياسية فقد ظهرت في عهد قائدهم أبا بكر بن عبد الحق إذ كان أول من رفع راية بني مرين وسما بها إلى مرتبة الملك، وهو أول من جند الجنود وضرب الطبول، ونشر البنود وملك الحصون، وكان أول ما ذهب إليه هو قسم بلاد المغرب وقبائل جبايته بين عشائر بني مرين..[2]؛ وتذكر بعض المصادر أن هذه الأهداف ظلت متسترة تحت قناع الولاء للحفصيين وهم فرع من الموحدين الذين أسسوا دولتهم بتونس ونواحيها، فدعا أهل مدينة فاس ومكناس عند فتحهما إلى مبايعة الحفصيين، ولقد استفاد من هذه الخطة الذكية فهادنه الحفصيون وآزروه وأمدوه بالمال والسلاح، أما الأهداف الدينية عند المرينيين فلم تكن واضحة كما كانت عند المرابطين والموحدين، فالمرينيون لم يسندوا دعوتهم إلى مذهب ديني ولكن هذا لم يمنعهم من التحلي بالصفات الإسلامية الحميدة التي تحلى بها من سبقهم من ملوك المغرب الأشاوس.
دخلت الدولة المرينية في عهد التوطيد والتوسع بعد أن اجتازت عهد التأسيس الذي استغرق مدة نصف قرن تقريبا، وبرز في عهد التوطيد أربعة ملوك هم: أبو يوسف يعقوب، وأبو يعقوب يوسف، ثم أبو الحسن وأبو عنان، ولقد استغرق هذا العهد قرنا من الزمن (668-760ه/1269-1358م) وخلاله واجه المرينيون ثلاث مشاكل وهي: المشاكل الداخلية، ومشاكل المغرب الأوسط وإفريقية، ومشكلة الأندلس[3].
عرف السلاطين المرينيون بالعلم والحلم والشجاعة والسهر على مصالح الرعية كما يصفهم جل مؤرخو الدولة المرينية، وكانت الخلافة في بداية الدولة المرينية تتم عن طريق الاستبداد تارة، وعن طريق اختيار الوزراء والأشياخ وأهل الحل والعقد بعد التفاوض تارة أخرى، وفي هذا الصدد يذكر العلامة ابن خلدون في تاريخه أن أبا يوسف حاول عقد العهد لأكبر أبنائه لما علم من أهليته لذلك، فجمع قومه وأخذ له البيعة عليهم جميعا فأعطوها طواعية، لكن هذه الخطة فشلت بسبب معارضة بعض قرابته وبسبب وفاة ولي العهد قبل أبيه؛ نفس المصير لقيت محاولة أبي سعيد عثمان وأبي الحسن؛ ومن ثم لم يستطع الملوك المرينيون أن يبسطوا سلطتهم على المغرب بصفة قارة ومستمرة[4].
  رد مع اقتباس
قديم 10-12-2010, 01:13 AM   رقم المشاركة : ( 5 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,146 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: ملامح روحية و فكرية عند الدولة المرينية (2)

وفي ظل هذه الظروف حاول المرينيون إعادة توحيد المغرب والأندلس تحت لوائهم إقتداء بالموحدين، ولقد استأثرت قضية المغرب الأوسط بعهد أبي يعقوب حيث كان بنو عبد واد ينازعون المرنيين على ملك المغرب، ولما يئسوا من السيطرة عليه سلكوا سياسة مناوئة للمرنيين، فكانوا يؤيدون الأمراء الثائرين ويأوونهم "بتلمسان"، لذلك ظلت مشكلة المغرب الأوسط من أخطر مشاكل الدولة المرينية، ولقد واجهها الملوك المرينيون بالقوة والغزو تارة وبالمصالحة والمهادنة تارة أخرى، واستأثرت هذه القضية باهتمام أبي يعقوب فكرس عهده لحلها وحاصر تلمسان أربع مرات، وكان حصارا خانقا استغرق مائة شهر قتل فيه السلطان أبو يعقوب (685-706ه) ولم يتمكن من فتحها؛ لكن السلطان أبا الحسن تمكن من دخولها والاستلاء عليها بعد محاصرتها لمدة ثلاث سنوات (737ه/1337م)، وأعاد بناء "المنصورة".
تمكن أبو الحسن وأبو عنان توحيد المغرب لمدة وجيزة إذ انتهز أبو الحسن تنازع أبناء أبي بكر الحفصي على الملك، فنظم حملة على افريقية ودخل تونس سنة (748ه/1347م)، وبفتحها انقرضت دولة الفحصيين مؤقتا ودخل المغرب كله في طاعة المرنيين، كما أعاد أبو عنان فتح المغربين بعد وفاة أبيه، فاسترجع تلمسان والمغرب الأوسط، ثم فتح "بجاية" و"قسنطينة" و"إفريقية"، ولقد كان لهذه الفتوحات صدى عميق حيث ذاع صيتهم في المشرق مما ساهم في انتظام ركب الحجاج من جديد بعد أن زال الخطر وساد الآمان، وصار المرينيون بفضل هذه الفتوحات أعظم دولة في غرب البحر الأبيض المتوسط.
أما بالنسبة للأندلس فلم يتخل المرينيون عنها رغم استيلاء النصارى على الجزء الأكبر منها عقب انتصارهم في معركة العقاب، وكانوا مقتنعين بأن الجهاد يعزز دولتهم ويكسبها المشروعية الدينية، فحملوا راية الجهاد بالأندلس إقتداء بالمرابطين والموحدين وبمجرد ما استقام الأمر بالمغرب لأبي يوسف يعقوب بعث جنوده إلى الأندلس، وعبر إليها بنفسه أربع مرات ابتداء من سنة (674ه/1276م) إلى أن وافته المنية بها بالجزيرة الخضراء سنة (685ه)، كما أكد ابنه أبو يعقوب يوسف (685-706ه) إصرار المرنيين على المقاومة وإثبات الوجود الإسلامي بالأندلس فعبر إليها بدوره سنة (690ه/1291م)؛ واقتفى أبو الحسن (731-749ه) أثرهما في الدفاع عن الأندلس الرطيب فنظم حملتين إليها الأولى في بداية عهده، والثانية بعد أن شمل نطاق ملكه المغربين[5].
يمكن القول أن سياسة الملوك الثلاثة بالأندلس قد نجحت إلى حد ما فظهرت دولتهم بمظهر القوة، ووطدوا الوجود الإسلامي بالأندلس إلى أجل معلوم، لكن الظروف لم تكن في صالحهم حيث ازداد توسع النصارى بالأندلس، فاحتلوا "طريف" ثم "الجزيرة الخضراء"، ولم يبق في حوزة المرنيين إلا "جبل طارق" وبعض الحصون التي تعد على رؤوس الأصابع...
(يتبع)
---------------------------------------------
1. للمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع على سبيل المثال لا الحصر إلى: ابن عبد المنعم الحميري التونسي، الروض المعطار في خبر الأقطار.
2. للتوسع انظر: عبد الرحمن بن خلدون، العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.
3. انظر: ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب.
4. انظر: ابن أبي زرع. الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب، وتاريخ مدينة فاس.
5. للتوسع انظر: الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية لمؤلف مجهول كان قيد الحياة إلى أيام العاهل المريني أبي سعيد الأول (710-731ه/1310-1331م).
  رد مع اقتباس
قديم 10-12-2010, 01:14 AM   رقم المشاركة : ( 6 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,146 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: ملامح روحية و فكرية عند الدولة المرينية (2)

إطلالة على الحضارة المرينية (3).. فن البناء والزخرفة عند المرينيين

علية الأندلسيميثاق الرابطة : 05 - 11 - 2010في هذا العدد سنعرج معا أيها القراء الأوفياء على بعض الجوانب من الحياة العمرانية عند المرينيين الذين بذلوا جهودا جبارة في هذا الميدان، تشهد على ذلك مآثرهم العمرانية الخلابة التي ما زالت تنطق ببلادنا الأبية، وتتجلى الميزة الأساسية لحضارة المرينيين في أسلوبهم الخاص في فن البناء والزخرفة، حيث أدرك الفن الأندلسي المغربي قمته في عهدهم، وكنا قد تكلمنا –أعزائي القراء الفضلاء- في الأعداد السابقة عن الفضل الكبير للدولتين المرابطية والموحدية في إدخال الفن الأندلسي إلى المغرب، ومزجه بالطابع المغربي الذي كان سائدا آنذاك نظرا لعلاقاتهم الوطيدة مع الأندلس لعدة قرون خلت حيث استوطن هذا الفن البديع بالمغرب ونما وبلغ الذروة على أيدي الحرفيين المغاربة البارعين، ورغم الصعوبات الجديدة التي عرت العلاقات المغربية الأندلسية في القرن الثامن الهجري استطاع الفن المعماري أن يكتسب أسلوبا رائعا خلابا ميز العصر المريني، فساد أسلوب فني رائع مزج بين الغرناطي نسبة إلى مدينة "غرناطة" الأندلسية، ومدينة "تلمسان" ومدينة "فاس" العالمة؛ ولقد أدرك الفن الأندلسي المغربي شكله النهائي الذي عرف به العصر المريني والذي يتجلى واضحا في المآثر المرينية الخلابة التي ما زالت موجودة ببلادنا الأبية.
وتجدر الإشارة إلى أن الفن المعماري المريني اكتسى صبغة حضرية صرفة، وظهرت خواصه في مدينة "المنصورة" بتلمسان، ومدينة "فاس الجديد" حيث تذكر المصادر والمراجع أنه لم يعثر على أي بناية قروية، أو منشأة فلاحية يرجع تاريخها إلى عهد المرينين فكل منشأتهم لها صبغة حضرية؛ ويتجلى أسلوب المرينيين في بناء المدن وتنظيمها من خلال نص أورده العلامة ابن خلدون في كتابه "العبر" السالف الذكر في شأن محاصرة أبي يعقوب المريني (685-706ه) لتلمسان وبناءه مدينة المنصورة بها حيث يقول: ".. نهض من فاس واحتل بساحة تلمسان وأناخ عليها وضرب بمعسكره بفنائها، وأدار الأسوار سياجا على عمرانها كله.. ورتب المسالح على أبوابها.. واختط بمكان فساطيط المعسكر قصرا لسكناه واتخذ فيه مسجدا لمصلاه، وأدار عليهما السور، وأمر الناس بالبناء فابتنوا الدور الواسعة والمنازل الرحيبة والقصور الأنيقة، واتخذوا البساتين وأجروا المياه، ثم أمر بإدارة السور سياجا على ذلك وصيرها مصرا، وأمر باتخاذ الحمامات والخانات والمارستان، وابتنى بها مسجدا جامعا، وشيد لها مئذنة رفيعة، وسماها المنصورة، واستبحرت عمارتها وهالت أسواقها، ورحل إليها التجار بالبضائع من كل الأفاق، فكانت من أعظم الأمصار والمدن وأحفلها" اه.
ويلاحظ أن المرينيين قد انتهجوا نفس الأسلوب والتنظيم بمدينة "فاس الجديد" التي شيدها السلطان أبو يوسف المريني سنة (674ه/1276م)، وحصنها بالأسوار بحيث لا يمكن الولوج إليها إلا من أبواب تفتح في النهار وتغلق في الليل، وتشرف عليها "القصبة" وهي مقر الحكومة والجنود، ويحتل القصر السلطاني وحدائقه الجميلة ومشوره حيزا هاما في فاس الجديد، وبإزائه شيد الحي الخاص بسكنى الطائفة اليهودية المغربية والمعروف "بالملاح"[1]؛ كما شيد أبو يوسف "بِنْيَة الجزيرة الخضراء"، وشيد أبو سعيد الأول "منصورة سبتة"[2].
لقد اعتنى المرينيون بالخصوص بالمباني الدينية كالمساجد والمقابر إذ تتجلى أهم ابتكاراتهم الفنية في المباني الدينية، فعلى سبيل المثال لا الحصر عملوا على تحصين "شالة" واتخذوها مقبرة لملوكهم، ومن أهم السلاطين المدفونين بها أبو الحسن (731-749ه) وأبو عنان (749-760ه)، كما اهتموا بتشييد القصبات، فعلى سبيل المثال اهتم أبو يوسف المريني (656-685ه) ببناء "قصبة مدينة مكناس"الشهيرة حيث تذكر المصادر والمراجع أنه قام ببنائها خارجا عن المدينة في شرقها حيث صارت تغطي براح "ساحة عودة"، وتمتد في الجنوب إلى موقع ضريح المولى إسماعيل العلوي رحمة الله عليه؛ ولقد كان الشروع في بنائها في منتصف شهر شوال من عام أربعة وسبعين وستمائة (674ه)[3] حيث بنى قصرها وجامعها الذي يحمل الآن اسم "جامع عودة".
كما شيدوا عدة مساجد بمدينة "تلمسان" و "سلا" و "تازة" و "فاس" و "مكناس" و غيرها، والملاحظ أن مساجد المرينيين لا تتسم بالضخامة والكبر كمساجد الموحدين، وهي في الغالب صغيرة أو متوسطة الحجم، كما أنهم لم يقلدوا الموحدين في الاعتناء بالمحراب والقبلة، بل كان تركيزهم الأكبر على بلاط المحراب فهو عندهم يتميز باتساعه وكثرة زخارفه الخلابة للُّبِ وبالقُّبَة التي تعلوه بجوار المحراب، والملفت للنظر أيضا أن جُدران المساجد المرينية قد شيدت "بالطوبياء"، وخصص "الآجر" للأبواب والأقواس والأعمدة والصوامع التي تتميز بالرشاقة والجمال الذي يظهر للعين المجردة حيث تزين ضلوعها "الفسيفساء"، وشبكة من الأقواس المتعانقة في ما بينها والمصنوعة من "الآجر"، ويُتوجها طوق من "الزَّلِّيج" الرفيع الصنع المتعدد الألوان؛ ولعل في ملامستنا وعرضنا المقتضب لطريقة بناء المرينيين للمساجد ما يظهر اهتمامهم بالفن المغربي الأندلسي الرائع الذي شكل هذه الحقبة التاريخية من منطقة الغرب الإسلامي الذي ننتمي إليه، والذي حافظوا عليه وأضافوا إليه الكثير من الروائع التي تشرف بلادنا الغالية[4].
  رد مع اقتباس
قديم 10-12-2010, 01:14 AM   رقم المشاركة : ( 7 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,146 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: ملامح روحية و فكرية عند الدولة المرينية (2)

ومن الأشياء الرائعة التي خلدها لنا التاريخ وتحسب في سجل خالدات الدولة المرينية "المدارس المرينية" التي ما زالت تنطق بعظمة المرينيين في ميدان البناء والزخرفة الرائعة، وتفننهم في تشييد مدارس خلابة كثيرة بمدينة فاس ما شاءت لهم أريحيتهم في هذا المجال، ولقد بنيت هذه المدارس على نمط واحد حيث تتضمن صحنا متسعا بوسطه صهريج بداخله نافورة جميلة، أو حوض ماء تحيط به بيوت الطلبة الذين يرتادون هذه المدارس من أجل النهل من ينابيع العلم الوفير بها، وتوجد الغرف أيضا بالطابق الأعلى، كما تشغل أحد الأجنحة قاعة الصلاة، والنموذج المعتمد عليه في الوصف هو مدرسة أبي عنان المريني بمدينة فاس وهي أكبر مدرسة شيدت في العصر المريني الزاهر، إذ تتضمن بالإضافة إلى غرف الطلبة قاعات للتدريس ومسجدا فسيحا وصومعة جميلة، كما تكسو الزخارف الرائعة جدران الصحن والأروقة وقاعات التدريس والصلاة بأكملها، وتتكون في الجزء الأسفل من الزليج المتعدد الألوان، يعلوه طوق من الكتابات ونقوش من الجبس الحُر، ثم الخشب المزخرف الجميل المعروف "بالبرشلة"؛ ورغم تنوع مواد الزخارف وأشكالها وألوانها؛ فإنها تُكوِّن وحدة متناسقة ومنسجمة تنمُّ عن ذوق رفيع وهمة عالية، وقدرة خارقة على الإبداع في ميدان الفن والزخرفة المغربية الأندلسية التي كانت سائدة في هذا العهد..
ويمكن معاينة ذلك على أرض الواقع -أيها الفضلاء- عند زيارة هذه المدارس التي ما زالت موجودة تنطق عن حضارة مغربية أندلسية رائعة تشرف بلادنا الأبية، فعلى سبيل المثال جدار مدرسة "العطارين" المرينية بمدينة فاس يظهر للعين المجردة تدرُّج الزخارف وتنوعها وروعتها التي تبهر الناظر إليها، كما يمكن إمعان النظر في الزخرفة المرينية الجميلة والاستمتاع بها بباب "المدرسة المرينية" الموجودة بمدينة سلا العتيقة.
أما بالنسبة لمدينة مكناسة الزيتون فقد شيد بها المرينيون ثلاث مدارس علمية تشهد على ضلاعتهم المتميزة في فن المعمار المغربي الأندلسي وهي: المدرسة "الفيلالية" التي تعرف بمدرسة "الشهود" حيث كان مقرهم بجوارها، ويذكر ابن غازي المكناسي نزيل مدينة فاس (919ه/1513م)[5] أنها يقال لها مدرسة "القاضي" لأنها كان يدرس بها القاضي أبو الحسن بن عطية الونشريسي، وهي من تأسيس أبي يوسف يعقوب المريني المؤسس الحقيقي للدولة المرينية، المدرسة الثانية من تأسيس أبي الحسن المريني وتسمى "بالمدرسة الجديدة" ولا يزال اسم بانيها يُطوِّق محرابها في قصيدة موضوعة، كما لا تزال بها لوحة الأحباس الموقوفة عليها من طرف مؤسسها سنة (742ه)[6].
أما المدرسة الثالثة فهي الموجودة على مقربة من "العنانية"، وصارت تعرف في بداية العصر العلوي الشريف بمدرسة "الخضَّارين" لوجودها أسفل السوق القديم لبيع الخضر، وتعرف حاليا بمدرسة "العدول"، و لقد وصف الوزير محمد بن الخطيب السلماني الغرناطي المتوفى بمدينة فاس سنة (776ه/1374م) هذه المدارس الثلاث أثناء وصفه لمدينة مكناس التي زارها خلال إقامته بالمغرب في كتابه الذائع الصيت "نُفاضة الجراب في عُلالة الاغتراب" الذي هو في الأصل اسم الرحلة المغربية التي كتبها ابن الخطيب السلماني أثناء إقامته بالمغرب في رحلته الأولى (760-763ه)، فقال: "..وبداخلها مدارس ثلاث لبث العلم كلفت بها الملوك الجلة الهمم، وأخذها التنجيد فجاءت فائقة الحُسن، ما شئت من أبواب نحاسية، وبرك فيَّاضة تقذف فيها صافي الماء أعناق أسدية، وفيها خزان الكتب، والجراية الدارة على العلماء والمتعلمين"[7]؛ وفي هذا الكتاب النفيس يُدوِّن ابن الخطيب السلماني ملامح عن حياته بالمغرب، فيسجل ارتساماته عن المناطق التي زارها بالمغرب ويذكر شخصياتها ويترجم لبعض أعيانها المشهورين، بالإضافة إلى إثباته لبعض النصوص الصادرة عنه نثرا وشعرا، كما لا يفوته وصف بعض الأحداث التاريخية المغربية التي عايشها إلى جانب الأحداث التي كانت تقع بعدوة الأندلس آنذاك وتحديدا بمدينة "غرناطة" التي ينحدر منها.
أعزائي القراء الفضلاء ما يمكن استخلاصه من خلال ما سبق التعريج عليه في عُجالة هو كون الحضارة المرينية المغربية اكتسبت بفضل أسلوبها المتميز في البناء والزخرفة طابعا خاصا ميزها عن غيرها من الحضارات الأخرى[8]، ووضعها في قمة الحضارات المغربية الأندلسية التي سادت منطقة الغرب الإسلامي في القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي...
وللبحث بقية في العدد المقبل بحول الله وقوته. والله من وراء القصد ويهدي السبيل.
------------------------------
1. انظر: سيدي محمد المنوني، فاس الجديد: مقر الحكم المريني، مجلة البحث العلمي، العدد المزدوج: 11-12،السنة: 4.
2. عبد الرحمن بن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، 7/193، و 7/247، طبعة دار الكتب اللبنانية، بيروت: 1956-1959م.
3. للتوسع انظر: كتاب الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية لمؤلف مجهول،ص: 188، طبعة دار المنصور، الرباط: 1972م، وانظر: العبر لابن خلدون، مصدر سابق، ص: 7/195.
4. للتوسع انظر: سيدي محمد المنوني، ورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين، مطابع الأطلس، الرباط: 1980م، وانظر: BORIS MALSOW .Les Mosquées de Fès et du nord du Maroc.édition:1964.
5. انظر: محمد العثماني بن غازي، الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون، ص:34، تعليق المرحوم عبد الوهاب بن منصور، المطبعة الملكية، الرباط:1964م.
6. انظر: ابن غازي، المصدر السابق، نفس الصفحة. وانظر: نص القصيدة الموضوعة في إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس لعبد الرحمن بن زيدان المكناسي، 1/123، المطبعة الوطنية، الرباط:1929 -1933م.
7. انظر: ابن الخطيب السلماني، نفاضة الجراب في علالة الاغتراب، تحقيق أحمد مختار العبادي، ومراجعة عبد العزيز الأهواني، ص:70، دار الكتاب العربي، القاهرة، دت.
8. للتوسع انظر كتاب: حضارة العرب لمؤلفه غوستاف لبون (Gustave Lebon)، ترجمة عادل زعيتر، مطبعة دار الكتب العربية، الطبعة الثانية، بيروت، دت.
  رد مع اقتباس
قديم 10-12-2010, 01:15 AM   رقم المشاركة : ( 8 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,146 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: ملامح روحية و فكرية عند الدولة المرينية (2)

فن الزخرفة والبناء عند المرينيين

علية الأندلسيميثاق الرابطة : 12 - 11 - 2010مهما قيل وكتب عن حضارة الدولة المرينية وتضلعها في فن البناء والزخرفة لا يوفيها حقها في هذا المجال، فبضعة أسطر لا تكفي لوصف مآثرها الخلابة الوصف الدقيق، إذ أن الزائر ميدانيا لهذه المآثر يقف مشدوها أمام ما تركه المرينيون من مساجد ومدارس وقصبات وقلاع شامخة، وزوايا ما زالت تبهر الزائر والمريد إلى عصرنا الحالي.. وبقدر ما اهتموا بالمعمار داخل المغرب اهتموا به بالأندلس رغم الظروف الصعبة التي كانت سائدة هناك في عهدهم..
وفي هذا الصدد نذكر على سبيل المثال اهتمام السلاطين المرينين بالجزيرة الخضراء وبجبل طارق ومدينة سبتة السليبة، فبجبل طارق شيد السلطان أبو الحسن علي بن أبي سعيد المريني (731-749ه) حصنا ضخما يتوفر على أبراج للمراقبة، وديار ومواجل وآبار ومخازن وجامع، وعمد رحمه الله تعالى إلى ربوة الجبل العالية فحاطها بسور يمتد أميالا عديدة، ونصب عليه أبراجا لرصد تحركات المعتدي من طرف المحيط حتى البحر الأبيض المتوسط، وجهز الأبراج بمحارس وبمساكن للعاملين بها، ومن الجدير بالذكر أنه لا يزال بنفس الجبل حصن إسلامي يقوم فوق ربوة عالية تقع على مقربة من الطرف الشمالي الغربي، ويعرف "بالقصر الأندلسي المغربي"، ولا يبعد أن هذه القلعة قد تكون من بقايا الربوة العالية التي شيدها السلطان المريني أبو الحسن رحمة الله عليه؛ ولقد كان تشييد هذه المشيدات المرينية آخر ما بناه المسلمون بجبل طارق بن زياد، وكان بناؤها محكما بحيث يصمد طويلا أمام عوامل الزمان[1].
ولقد دافع السلطان أبو الحسن عن "الجزيرة الخضراء" بكل قوة وشراسة عندما هاجمها الأدفونش الحادي عشر سنة (746ه/1342م) حيث تذكر المصادر والمراجع أنه استعمل أحدث أنواع البارود الذي كان شائعا آنذاك في قذف جنود الأدفونش[2]، مما يظهر تفوق المرينيين في استعمال الآلات النارية القاذفة بحيث كان لهم قصب السبق في ذلك، وفي نفس السياق نشير إلى أنه كان يوجد بمدينة فاس في القرن الثامن الهجري الرابع عشر ميلادي صُناع إختصاصيون في الأسلحة النارية، ذكرهم ذو الوزارتين ابن الخطيب السلماني الغرناطي (ت776ه/1374م) في كتابه النفيس "نُفاضة الجراب في عُلالة الاغتراب"، ووصفهم بعبارة "قادحي شعل الأنفاظ ونافضي ذوايب المجانيق"، وذلك ضمن الصُناع الذين استدعاهم الوزير المريني عمر بن عبد الله الفودودي استعدادا لمساندة جيش عبد الحليم بن أبي علي المريني الذي كان يحاصر مدينة فاس الجديد وسلطانها تاشفين بن أبي الحسن المريني سنة (763/1362م)[3].
ومن منشآت السلطان أبي الحسن المريني بمدينة سبتة السليبة أربعة حصون شاهقة اثنان منها جبليان، وأعظمها ذلك الذي شيده داخل البحر في جنوب المدينة ويعرف "ببرج الماء" ولما كان سيُبنى داخل أمواج البحر فقد وقع التمهيد لبنائه بنقل الصخور الهائلة، والأحجار الكبيرة الحجم، ولقد استخدم في ذلك العمليات الميكانيكية والعجلات الجرارة، ثم ألقي بتلك الصخور والأحجار في البحر وضم إليها أمثالها، حتى صارت شبه جزيرة في وسط الماء، وبعد ذلك أقيم عليها هذا البرج السالف الذكر، ووصل بينه وبين الساحل بجسر مناسب[4]؛ مما يظهر عظمة وكفاءة الدولة المرينية في ميدان البناء والمعمار في ذلك العصر.
ومن خلال تفحص مختلف المصادر والمراجع التي اهتمت بمدينة سبتة السليبة يتضح أن هذه المدينة كانت تتوفر على أسطول مجهز لا يُستهان به يدافع عن حوزة الوطن كل ما دعت الضرورة لذلك، فلسان الدين بن الخطيب السلماني الذي له مشاهدات عديدة بالمغرب والأندلس وصفها بكونها "ذات الأسطول الموهوب المحذور الألهوب"[5]، و"الألهوب" حسب المصادر المعتمدة هو دخان البارود الذي كان يستعمل آنذاك وكانت للمرينيين الأسبقية في استعماله أثناء حروبهم المختلفة. وفي نفس الصدد واهتماما منه بشؤون المدينة السليبة التي تعتبر بوابة منفتحة على العالم الخارجي، بنى السلطان أبو سعيد المريني (710-731ه) "مدينة الجنود" أو "معقل الجنود" سنة (729ه) لا زالت أسواره وأبراجه وجدران حيطانه قائمة تشهد على عظمة الدولة المرينية، وتنطق بكفاءتها وبراعة صناعها في ميدان المعمار والزخرفة التي تسلب لُب الناظر إليها، كما شيد أحد أبواب الربض الستة الموجودة بسبتة السليبة السلطان أبو الحسن المريني وسماه "باب فاس"، وأحد الأبواب الخمسون "الباب الجديد" الضخم الهيكل والذي يصفه بالتفصيل الدقيق أحد سكانها الأصليين الذي يعتبر شاهدا على العصر محمد بن القاسم الأنصاري السبتي الذي لا تعرف سنة وفاته بالضبط، والذي صنف كتابا نفيسا في أخبار ومآثر سبتة السليبة سماه "اختصار الأخبار عما كان بثغر سبتة من سني الآثار" فرغ من كتابته سنة (825ه/1441م) قائلا: "والباب في السعة والارتفاع قد أربى على الغاية وجاوز الحد والنهاية، وقوسه وفياصله قد أحكم بناؤها بالكذَّان بأعجب صنعة وأبدع إتقان"[6]؛ كما حرص الملوك المرينيون على بناء قصرا ملوكيا بديعا من أجل نزولهم فيه عند زيارتهم لمدينة سبتة السليبة، ومصلى ملوكيا واسعة تشرف على البحر، وكان الملك أبو الحسن المريني يصلي بها هو وحاشيته وجيشه، كما كان الأمراء وأهل الأرباض والقصبة يصلون بها[7].
ويمكن للباحث المهتم بمدينة سبتة السليبة الرجوع إلى الترجمة الإسبانية التي وضعها الكاتب الإسباني Joaquin Vallvé Bermejo لهذا الكتاب النفيس؛ لأنه أضاف إليها عدة معلومات في الهوامش والشروح أثناء ترجمته يمكن الاستفادة منها في البحث العلمي.[8]
  رد مع اقتباس
قديم 10-12-2010, 01:16 AM   رقم المشاركة : ( 9 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,146 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: ملامح روحية و فكرية عند الدولة المرينية (2)

كما حرص السلطان أبو الحسن على بناء شبكة من القلاع الدفاعية على طول الشواطئ المغربية ابتداء من رباط أسفي، وسارت مع سواحل المحيط ثم انعرجت مع المتوسط إلى مدينة سبتة السليبة وما يليها حتى مدينة الجزائر، وكانت هذه القلاع يعلوها برج عال للإشارة ويرابط بها جنود يقومون بالدفاع عن السواحل التي كانت مهددة بالخطر القادم من أوروبا، وكان هؤلاء المرابطين يوقدون أعلى المعقل عند الضرورة القصوى حتى يعم الإشعار بالخطر مجموع المراكز من مدينة أسفي إلى مدينة الجزائر في مسافة تزيد على الآلاف من الكيلومترات؛ وفي حالة حدوث خطر يهدد شاطئ من الشواطئ ينبه الجندي المرابط بالبرج إلى ظهور المعتدين عبر بوق حاد يعرف بمنطقة الغرب الإسلامي باسم "النفير"[9].
والملفت للنظر أيها القراء الفضلاء أنه في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر ميلادي) انتشرت الزوايا بالمغرب، وأنشأت بها كتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم الدين ومبادئ العلوم الدينية، والزاوية كما هو معلوم تطلق على مسجد خاص بطائفة صوفية أو ضريح لأحد الأولياء، وتلحق بالزاوية حُجرات ينزل بها الضيوف والمنقطعون للعلم والعبادة، وهي بهذا تعتبر مدرسة دينية ودارا لضيافة الوافدين عليها، ولقد اعتنى الملوك المرينيون بالزوايا في مختلف الربوع حيث حرصوا على تشييد عدد كبير منها، وطوروا كتاتيبها إلى مدارس فأسهموا في تنشيط الحركة العلمية إلى جانب الدور الذي كانت تقوم به جامعة القرويين آنذاك؛ ويمكن الوقوف على ذلك بالتفصيل في كتاب ابن مرزوق التلمساني (ت781ه/1379م) "المسند الصحيح الحسن" في الفصل الثاني والأربعين الذي خصصه للكلام عن الزوايا المختلفة التي شيدها السلطان أبو الحسن المريني رحمه الله تعالى.
ويمتاز عصر السلطان العظيم أبي الحسن المريني بكثرة الآثار التي خلفها في ربوع مملكته الشريفة منها الزوايا التي كان يحرص على بنائها والقيام بحاجة مريديها سواء القاطنين بالمغرب أو خارجه، وفي هذا الصدد يذكر ابن غازي عن مدينة مكناسة الزيتون عن السلطان المذكور ما يلي: ".. ثم نوَّه بها أبو الحسن المريني.. فبنى فيها مرافق كثيرة كزاوية الفرجة، وزاوية باب المشاورين وغير ذلك من السقايات والقناطر في طرقاتها ونحوها.."[10]، وكان بناء هذه الزوايا على شكل مدارس وبجانبه خانا أو فندقا للمبيت للوافدين عليها من الغرباء؛ ويصف ذلك لسان الدين بن الخطيب بقوله: ".. ومثلت بإزائها الزاوية القدمى المعدة للوارد وهي التي بالفرجة، ذات البركة النامية والمأذنة السامية، والمرافق المتيسرة، يصاقبها الخان البديع المنصب الحصين الغلق، الغاص بالسابلة والجوابة في الأرض يبتغون من فضل الله، تقابلها غربا الزاوية الحديثة وهي التي بباب المشاورين المربية برونق الشبيبة، ومزية الجدة والانفتاح وتفنن الاحتفال"[11].
ومن الجدير بالذكر اهتمام السلاطين المرينيين ببناء روابط وزوايا بمدينة سبتة السليبة بنفس الطريقة المعتمدة لديهم في بناء الزوايا حيث تذكر المصادر والمراجع المعتمدة أن عدد هذه الزوايا والروابط سبع وأربعون، أعظمها هيكل الرابطة المشهورة باسم "رابطة الصيد"، و "الزاوية الكبرى" التي أسسها السلطان المريني أبو عنان بن أبي الحسن (749-760ه) خارج "باب فاس" الذي هو من تشييده أيضا رحمه الله، وجعل هذه الزاوية للغرباء ولمن اضطر إلى المبيت بها من التجار[12].
والملاحظ كذلك أن هذه الزوايا المرينية كانت جلها مؤسسات اجتماعية إحسانية بالدرجة الأولى حيث تعتبر بمثابة دورا للضيافة تُشيَّد بأطراف المدن لاستقبال الوافدين من الغرباء والمنقطعين مع القيام بحق الضيافة للنازلين بها[13].
أعزائي القراء الأوفياء هذه إطلالة جد موجزة على جانب من حضارة الدولة المرينية في ما يخص البناء والمعمار، كان الهدف منها الإشارة المقتضبة لجانب جد مهم ومشرف لهذه الدولة العظيمة التي تركت بصماتها الخاصة والمتميزة على منطقة الغرب الإسلامي التي نتشرف بالانتماء إليها، وسنحاول بعون الله وقوته التطرق في العدد المقبل إلى جانب آخر من جوانب الحضارة المرينية التي مهما حاولنا التعريف والتذكير بها فلن يكون ذلك كافيا في دقائق وسطور معدودة، وحسبنا التذكير بها وأخذ عبر منها من أجل بناء تاريخ حضري مشرف تذكره الأجيال القادمة، ويكون جسر تواصل بيننا وبينهم؛ ولقد حرصت - تلبية رغبة عديد من القراء الباحثين - أن أذكر أكبر قدر ممكن من المصادر والمراجع التي يمكن للباحث الرجوع إليها، والاعتماد عليها من أجل أن تعم الفائدة.. وللبحث بقية إن شاء المولى سبحانه وتعالى..
والله من وراء القصد ويهدي السبيل
--------------------------
1. للمزيد من المعلومات انظر: محمد عبد الله عنان، الآثار الأندلسية الباقية، ص: 225، مطبعة مصر، دت.
2. Gustave Lebon .حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، ص:579، ط: 2، دار إحياء الكتب العربية، دت.
3. انظر: ابن الخطيب السلماني، نفاضة الجراب في علالة الاغتراب، تحقيق أحمد المختار العبادي، ص: 85، دار الكتاب العربي، القاهرة: دت. وانظر: ابن الحاج النميري، فيض العباب وإفاضة قداح الآداب في الحركة السعيدة إلى قسنطينة والزاب، مخطوط الخزانة الملكية رقم: 3267، ص: 130.
4. انظر: المسند الصحيح الحسن لابن مرزوق التلمساني، مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم:، الباب 39، الفصل 3.
5. ابن الخطيب السلماني، معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار، ص:38، مطبعة أحمد يمني، فاس: 1325ه، ونشر الكتاب محققا الدكتور أحمد مختار العبادي ضمن مجموعة "مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب والأندلس"، مطبعة جامعة الإسكندرية، 1958م.
6. محمد الأنصاري السبتي، اختصار الأخبار عما كان بثغر سبتة من سني الآثار، ص: 44-45، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، ط:2، المطبعة الملكية، الرباط: 1983م.وانظر: كتاب خلاصة تاريخ سبتة بالأثر والمأثور وما جاورها حتى كدية الطيفور لقاضي سبتة ومليلية الحاج محمد السراج، مطبعة ديسبريس، تطوان: 1976م.
7. انظر: محمد الأنصاري السبتي، المصدر السابق، ص: 46-47.
8. JOAQUIN BERMEJO:"Descripcion de Ceuta Musulmana en el siglo15 Revision AL andalus.vol:27.fasc:2.pp:397-442.Madrid-Granada:1962..
9. للمزيد من التوسع انظر: ابن مرزوق، المسند الصحيح الحسن، الباب39، الفصل2.
10. ابن غازي.الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون.تحقيق عبد الوهاب بن منصور.ص:70.المطبعة الملكية.الرباط:1964م.
11. لسان الدين بن الخطيب.نفاضة الجراب.مصدر سابق.ص:69 .
12. انظر: محمد الأنصاري السبتي.المصدر السابق.ص:30-32.
13. للمزيد من التوسع انظر:ابن مرزوق.المسند الصحيح الحسن.مصدر سابق.الفصل:4.الباب:42. و انظر: محمد عبد الحي الكتاني. الملاجىء الخيرية الإسلامية في الدولة الموحدية و المرينية بالديار المغربية.المجلد:3.الجزء:6.ص:278.دت.
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
ملامح, المرينية, الدولة, روحية, فكرية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

 
تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

 


Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. Designed & TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
المواضيع المطروحة في المنتدي تعبر عن راي اصحابها والمنتدي غير مسئول عنها

a.d - i.s.s.w

   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32