العودة   شبكة و منتديات التاريخ العام ۞ قسم الدراسات والأبحاث ۞ ۞ دراسات تاريخية ۞
۞ دراسات تاريخية ۞ قسم طلبة العلم والباحثين المعنيين بدراسة التاريخ و الأبحاث التاريخيه ورسائل الماجستير والدكتوراة وطرح الاسئلة التاريخية.
 

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 30-01-2010, 12:57 PM
 
عضو شرف

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  ابو اسحاق الاجدابي غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 599
تـاريخ التسجيـل : Nov 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 250 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو اسحاق الاجدابي is on a distinguished road
افتراضي الشورى في الإسلام

هذا كتاب جديد للشيخ علي الصلابي بعنوان ( الشورى في الاسلام ) وقد قام الشيخ بتنزيله على احد المواقع وسوف انقله لكم على حلقات حتى تعم به الفائدة


الشورى في الإسلام (1)

الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي


بسم الله الرحمن الرحيم


المقـــدمة


إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.



قال تعالى: ' يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ' (آل عمران ، آية : 102).

وقال تعالى: ' يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا' (النساء ، آية : 1).

وقال تعالى: 'يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا' (الأحزاب ، الآية : 70 ـ 71).

يا رب، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذغ رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.





أما بعد:



طلب مني الأخ الدكتور سيف الإسلام معمر القذافي تقديم دراسة للآيات القرآنية الكريمة التي تحدثت عن الشورى، ومع الحوار تطورت فكرة البحث حتى شملت الممارسة التاريخية لقيمة الشورى في تاريخ الأمة، وأبعادها الفكرية، فكان هذا الكتاب.



إن الشورى قيمة إنسانية مارستها الجماعات والقبائل والشعوب والأمم على مر تاريخها الطويل، كل بطريقته وثقافته وعقيدته وأعرافه وتقاليده، سواء في سهول سيبيريا، أو أدغال أفريقيا، أو صحراء الجزيرة العربية، أو هضاب آسيا، أو مروج أوربا، أو غيرها من بلاد الله الواسعة، إلا إن الإسلام أضاف لها بعداً تعبدياً وجعلها من القيم الإنسانية الرفيعة، ومن المقاصد الكبرى لهذا الدين، ورتب على العمل بها ثواباً، وعلى تركها عقاباً.



والشورى كانت مع بداية خلق الإنسان، قال تعالى: 'وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ' (البقرة، الآية : 30 ـ 32).



وهذه المحاورة تنطوي على نوع من المشاورة، اريد بها أن تكون في بدء الخليقة لتكون هدياً ملازماً لبني آدم منذ الخلق الأول، وليكون كالاستشارة للملائكة وتكريماً لهم فيكون تعليماً في قالب تكريم وليسن الاستشارة في الأمور[1]، فالشورى هي أول سنة اجتماعية سنها الله لخلقه ولعباده ليقتدوا بها ويهتدوا بُهداها.



في هذا الكتاب يجد القارئ الكريم دراسة موضوعية للآيات المتعلقة بالشورى كالشورى عند إبراهيم عليه السلام، والشورى العائلية والشورى التي لها علاقة بالحياة العامة كقوله تعالى:'وأمرهم شورى بينهم' (الشورى ، آية : 36)، فالآية الكريمة وردت في سورة تحمل اسم الشورى وهي سورة الشورى وتسمية إحدى سور القرآن الكريم باسم الشورى هو في حد ذاته تشريف لأمر الشورى وتنويه بأهميتها ومنزلتها وجاءت الشورى في هذه الآية وصفاً تقريرياً، ضمن صفات أساسية لجماعة المؤمنين المسلمين فهم بعد إيمانهم متوكلون على ربهم، مجتنبون لكبائر الآثام والفواحش، مستجيبون لأمر ربهم، مقيمون لصلاتهم، وأمرهم شورى بينهم ويزكون أموالهم وينفقون منها في سبيل الله.



ـ وهي آية مكية مما يدل على أن الشورى في الإسلام ممارسة اجتماعية قبل أن تكون من الاحكام السلطانية.



ـ وهي تصف حال المسلمين في كل زمان ومكان فهي ليست طارئة ولا مرحلية، ولقد جعل الله سبحانه احترام الشورى من أثمن خصال المؤمنين وصفاتهم[2].



قال تعالى:' فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ' ( الشورى ، آية : 36 ـ 38).



هذا وقد تمّ تقسيم الكتاب إلى مباحث، ففي المبحث الأول كان الحديث عن الشورى في عهد النبوة والخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ونور الدين محمود زنكي وفي المبحث الثاني، أشرت إلى فوائد الشورى وأحكامها ومجالاتها ولخصت أهم فوائدها؛ من إصابة الحق، وكونها طاعة الله وقربة، وتلاقح للأفكار وتبادل للخبرة والاطلاع على ما عند الآخرين، وإعطاء قوة للمجتمع في أكثر من مجال إنساني، وإشعار المشاركين بالمسؤولية، وتولد الثقة بين الحاكم والمحكوم، ومن فوائدها، الوقاية من الاستبداد وتزويد الدولة بالكفاءات والقدرات المتميزة، وبها تنحصر عيوب التفرد بالقرار وبها يضيق هوة الخلاف بين الراعي ورعيته، والشورى تفجر الطاقات الكامنة في أفراد الشعب وتشجع ذوي الخبرات، وتكافح نزعات التطرف والعنف، وتسدد النظر إلى المشكلة من زوايا متباينة، وبها تتجاوز الخطوب التي تشل التفكير الفردي.

وأما حكم الشورى فقد بينت بأنها واجبة بالنظر إلى طبيعة الحكم في الإسلام، وأن قواعد السياسة الشرعية تستلزم عدم الانفراد بالرأي، لا سيما في أمور المسلمين العامة.

وبحثت مسألة مهمة في هل الشورى معلمة أم ملزمة؟، وانتصرت لكونها ملزمة، واستدليت على ذلك بأقوال كوكبة من علماء الأمة، فالقول بإلزامية الشورى هو ما ندين الله به، ونرى ضرورته وجدواه، وبدونه لا يمكن تفعيل الشورى على المستوى الدستورى للشعب، فالدولة الإسلامية دولة مدنية، تؤمن بالمؤسسات، وترى فصل السلطات، وأن تكون مرجعيتها الإسلام، فهي ليست دولة أسرار ثيوقراطية مغلقة يديرها رجال الدين، وإنما دولة لشعب يسعى بذمته أدناه من مواطنيه، ولذا لا بد أن يتاح للكل أن يسهم في أمر النصح والشورى، وأن يلتزم ولاة الأمور بحكم الأغلبية، كشورى ملزمة، فهذا، الأمر من الأهمية بمكان، ولا بد من أن يستبين تماماً قبل الشروع في أي محاولة جدية لتطبيق الشورى في النظام السياسي الإسلامي، وأما مجالات الشورى فهي متعددة، فالمجال السياسي الدنيوي، وفي القضاء وفي تنزيل الأحكام القطعية، وفي الأحكام الإجتهادية والخلافية وفي تنظيم الشورى، وتحدثت عن جواز مشاركة المرأة في الشأن العام، وبينت ما قصه علينا القرآن الكريم، من حالة المرأة وهي تستشير غيرها، وحالة المرأة وهي تشير على غيرها، وكل ذلك في سياق التنويه والاقرار والرضى، فأما الحالة الأولى. قوله تعالى عن ملكة سبأ: 'قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ' (النمل ، آية : 29 ـ 35).

وأما الحالة الثانية فقول إحدى المرأتين الأختين لأبيها عن موسى عليه السلام: ' قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ' (القصص ، آية 26).

وقد نتج عن هذه المشورة المباركة استقرار وأمن وراحة كبيرة لموسى عليه السلام.

ووضحت أن قيمة الشورى تتسع لسائر المواطنين في كل شأن يمس المصلحة العامة، فلا يتدخل المواطنون المسلمون فيما يجريه المواطنون غير المسلمين من شورى في شئون عقيدتهم ولا المواطنون غير المسلمين فيما يمارسه المسلمون من شورى في شؤون عقيدتهم إلا ما كان أدخل في القواعد المشتركة بينهما من قيم إنسانية، وقواعد أخلاقية وشؤون فنية وإدارية.

وتحدثت عن أهل الشورى وصفاتهم وطريقة اختيارهم وذكرت أهم صفاتهم كالعلم، الأمانة، والخبرة، ولخصت أهم صلاحيات مجلس الشورى ووظائفه وتكلمت عن الأصول والقواعد الشرعية التي تؤيد تطوير المؤسسة الشورية، كقاعدة سد الذرائع، والمصالح المرسلة والاقتباس لما فيه مصلحة وخير .

وسألت هل يمكننا الاستفادة من الديمقراطية؟ وما هي آفاتها وما هي الفروق بينها وبين الشورى وأوجه الاتفاق معها؟.

وركزت على العلاقة بين الإصلاح والشورى، فمشاريع الإصلاح التي تدندن حولها الأحزاب والدول والمنظمات والمؤسسات ودعاة الإصلاح في عالمنا العربي والإسلامي الكبير مرتبطة جذرياً بالشورى.

فالإصلاح الداخلي، هو النابع من الأمة ذاتها من عقيدتها وثقافتها، ومن شخصيتها الحضارية واستعداداتها النهضوية، وهو الإصلاح التي تكون الأمة مؤمنة به متفاعلة معه، متشجعة له، داخلة فيه، أو على الأقل لا ترفضه، بل تتجاوب معه ولو نسبياً.

وأشرت إلى أهمية الحرية للشورى وكونها لا تنجح ولا تستمر إلا في ظل الحرية، وأجواء الحرية، وحرية الضمير، وحرية التفكير، وحرية التعبير، فالشورى بدون حرية حقيقية لا يمكن أن تتم، وإذا تمت فلن تستمر، وإذا استمرت فليست هي هي، وإنما هي أسماء وأشكال ورسوم[3].

تعرضت لأهمية تفعيل حقيقة الشوى في الشعوب الإسلامية وأهم الوسائل والرؤى التي تساعد على عودة الشورى إلى حياتهم، كتفعيل المجتمع المدني والمؤسسات الشعبية، ورفض الهالات والقداسة عن الرؤساء والحكام، والإصرار على أن الحكم الإسلامي مدني لا عسكري، ومواجهات التحديات الحضارية، والحرص على حرية البحث العلمي وإستقلاليته والإستجابة لمتطلبات الشعوب والتغيرات التي تحدث في المجتمعات وفق مقاصد الشريعة، وإشاعة ثقافة الشورى في الأُسر والمدارس، والنوادي والجامعات، والروابط والنقابات، ومحاربة الإستبداد والتصدي له، فالإستبداد لا ينتمي إلى الإسلام البتة، بل أنه نقيض الشورى حتماً وفيه من الصفات والأوصاف ما يعكس خلاف الشورى في كل صغيرة وكبيرة وعلى حد توصيف الكواكبي له، حيث يقول: إذا أراد الإستبداد أن يحتسب وينتسب، لقال: أنا الشر، وأبي الظلم وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضرر، وخالي الذل، وابني الفقر، وبنتي البطالة، ووطني الخراب، وعشيرتي الجهالة[4].

قلت ولو احتسبت الشورى وانتسبت لقالت: أنا الخير، وأبي العدل، وأمي الإحسان، وأخي الوفاء، وأختي العزة، وعمي النفع، وخالي الرفعة، وابني الغنى، وبنتي العمل، ووطني العمار، وعشيرتي العلم.

إن تقدم الشعوب وقدرتها على مواجهة التحديات الحضارية يعتمد على نشر العدل وإعطاء الحقوق السياسية لأفرادها وجماعاتها، بكافة أنواعها، ولقد عاشت أمتنا الإسلامية في أوج حضارتها وتقدمها، عندما كانت تحافظ على هذه الحقوق وتعطي كل ذي حق حقه وهوت وسقطت لما تجاوزت تلك الحقوق.

إن فلسفة الحكم في الدولة المدنية الحديثة التي مرجعيتها الإسلام ترتكز على الشورى، التي ذكرت في القرآن الكريم ومارسها الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، فقد عرفت طريقها إلى الحياة السياسية وأصبحت من ركائز الدولة في عصر صدر الإسلام.

وهناك أصول شرعية تلازم الشورى كمبدأ إسلامي أصيل من أهمها:

ـ إن الإسلام اعتبر الشورى منهج حياة إنساني، فضلاً عن كونها ضرورية في نظام الحكم.

ـ إن طبيعة الحكم الإسلامي على مدار العهد النبوي ومروراً بخير القرون كان حكماً شورياً على الرغم من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، ومكانة الخلفاء الراشدين بين عموم الصحابة رضي الله عنهم.

ـ إن تشريع الشورى بذاته قائم على المصلحة ودرء المفسدة، وهذا لا ينحصر في الشورى، فالتشريعات الإسلامية كلها قائمة على ذلك من جلب مصلحة ودرء مفسدة، كما يقول العز بن عبد السلام: الشريعة كلها نصائح، إما بدرء مفاسد أو بجلب مصالح[5].

ـ إن الشورى تتلاحم وتنصبغ بفكرة مقاصد الشريعة الكلية، ولها علاقة وثيقة الصلة بالضروريات الخمس التي تناولها الأصوليون بالتحليل والدراسة والبيان، إذ من الطبيعي في أي نظام شوري، أن تتحقق الضروريات الخمس، وأن تحفظ بعمومها، وهذا ليس خاصاً بالمسلمين على التحديد، بل يشمل غيرهم وعلى توصيف ابن عبد السلام.

وكذلك اتفقت الشرائع على تحريم الدماء والابضاع والأموال والأعراض، وعلى تحصيل الافضل، فالأفضل من الأقوال والأعمال[6].

ولا شك أن أي نظام ديكتاتوري أو تسلطي أو إستبدادي يقضي على هذه الضروريات، وتضيع في ظل إجراءاته المستبدة، والتاريخ يصدق هذا.

ومن المؤكد أن تحفظ الضروريات في ظل وجود حالة من النزاهة والعدالة، وفصل السلطات، ومحاكمة الحاكم وخضوعه عند رأي الشعب، فتنوع الحريات لتطال أفعال الحاكم وتصرفاته، وتحصيل المساواة بين الجميع، فلا سلطة إلا للشريعة وقانونها النافذ على الجميع، ونشر العدل في انحاء الدولة.

في ظل الحكم الديكتاتوري تغيب الشورى، ولا يسمح بالتعبير عن حرية الرأي، ويكون الحاكم مستبداً في تصرفاته ويعاقب بالقتل والسجن لمن أبدى رأيه في أعماله أو أخطاء ابنائه أو حاشيته، وتضيع الحرية والمساواة والعدالة بين عامة الشعب، ولقد سفكت دماء وهتكت اعراض، وصُودرت أموال، وقتل علماء وسجن مفكرون ومثقفون في ظل هذه الدول الظالمة، فلا دين، ولا نفس ولا مال، ولا عقل، ولا نسل، يمكن أن يستقيم أو يحفظ في ظل الأنظمة الاستبدادية والقمعية.

وقد إنتهيت من هذا الكتاب (الشورى في الإسلام) يوم الثلاثاء الساعة الحادية عشر إلا ربع صباحاً 24شوال 1430هـ 13/ 10/ 2009م.

والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل ويشرح صدور العباد للانتفاع به ويبارك فيه بمنه وكرمه وجوده، قال تعالى:' مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ' (فاطر ، آية : 2).

ولا يسعني في نهاية هذا الكتاب إلا أن اقف بقلب خاشع منيب أمام خالقي العظيم وإلهي الكريم معترفاً بفضله وكرمه وجوده متبرئاً من حولي وقوتي ملتجئاً إليه في كل حركاتي وسكناتي وحياتي ومماتي، فالله خالقي هو المتفضل، وربي الكريم هو المعين، وإلهي العظيم هو الموفق، فلو تخلى ووكلني إلى عقلي ونفسي، لتبلد مني العقل، ولغابت الذاكرة، وليبست الأصابع، ولجفت العواطف، ولتحجرت المشاعر، ولعجز القلم عن البيان، اللهم بصرني بما يرضيك واشرح له صدري وجنبني اللهم ما لا يرضيك وأصرفه عن قلبي وتفكيري، وأسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تجعل عملي لوجهك خالصاً ولعبادك نافعاً وأن تثيبني على كل حرف كتبته وتجعله في ميزان حسناتي، وأن تثيب إخواني الذين أعانوني على اتمام هذا الجهد الذي لولاك ما كان له وجود ولا انتشار بين الناس ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير، إلى عفو ربه، ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه، قال تعالى:'رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ' (النمل ، آية : 19).

وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى:' رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ' (الحشر ، آية : 10).

'سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك'.

الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه.



علي محمد محمد الصّلّابيِّ



غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين





-------------------------

[1] الشورى في معركة البناء صـ19.

[2] الشورى، أحمد الإمام صـ15.

[3] الشورى للريسوني صـ175.

[4] طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد صـ71.

[5] قواعد الأحكام في إصلاح الأنام صـ1.

[6] قواعد الأحكام في إصلاح الأنام (1 / 8).
رد مع اقتباس
قديم 30-01-2010, 01:05 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
عضو شرف


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 599
تـاريخ التسجيـل : Nov 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 250 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو اسحاق الاجدابي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ابو اسحاق الاجدابي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الشورى في الإسلام

الشورى في الإسلام (2)


الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي

بسم الله الرحمن الرحيم


المبحث الأول: الشورى في القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي:

إن الشورى قيمة إنسانية مارستها الشعوب والقبائل والأمم والجماعات البشرية على مر تاريخها الطويل كل بطريقته الخاصة سواء في سهول سيبريا، أو أدغال إفريقيا، أو صحراء الجزيرة العربية أو هضاب آسيا، أو مروج أوروبا أو غيرها إلا أن الإسلام أضاف لها بعداً تعبدياً وجعلها من القيم الإنسانية الإسلامية الرفيعة ورتب على العمل بها ثواباً وعلى تركها عقاباً.


أولاً: الشورى في القرآن الكريم:
1
- في البدء كانت الشورى:

اعتاد العلماء والكتاب حين يتحدثون عن الشورى وأدلتها الشرعية أن يركزوا على الآيتين الكريمتين من سورتي الشورى وآل عمران وهما فعلاً آيتـان مركـزيتان في الموضـوع سـآتي – بعون الله تعالى – على ذكرهما وبيانهما إلا أنني أجعلهما المنتهى وليسس المبتدى ([1]).

وأبدا من قوله سبحانه : 'وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ' (البقرة, آية: ٣٠ – ٣٢).

وهذه المحاورة تنطوي على نوع من المشاورة، مشاورة أريد لها أن تكون في بدء الخليقة لتكون هديا ملازماً لبني آدم منذ الخلق الأول، ([2])، وليكون كالاستشارة للملائكة وتكريماً لهم فيكون تعليماً في قالب تكريم وليسن الاستشارة في الأمور ولتنبيه الملائكة على مادق وما خفي من حكمة خلق ادم كذا ذكر المفسرون ([3]) فالشورى هي أول سنه اجتماعيه سنها الله لخلقه ولعباده ليقتدوا بها ويهتدوا بهداها كما يستفاد من هذا النازلة أن الشورى مسنونة حتى في القضايا المحسوسة والمعروفة، على أساس أن هذا النوع من أنواع الشورى له مقاصده وفوائده المذكورة أو المذكور بعضها، كالتعليم والتكريم ثم الحث على التأسي والتأدب ([4]).

2- الشورى عند إبراهيم عليه السلام:

قال تعالى:' فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ

يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ'( الصافات: ١٠٢).

فالمسألة محسومة معزومة ومع ذلك يقول إبراهيم لولده :'فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِن الصَّابِرِينَ '، فيجيب الولد' يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ'}الصافات: ١٠٢).

وهذه الآيات تبين لنا بأنه لا يمنع العزم عن إنفاذ الرأي وظهور جوابه عن الاستشارة، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام أمر بذبح ابنه عزمة لا مشورة فيها فحمله حسن الأدب وعلمه بموقعه في النفوس على الاستشارة فيه فقال لابنه قال:' يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ...'([5]).

إن من يعتاد المشاورة حتى فيما هو واضح جلي لا يمكن أن يتنكبها فيما هو غامض وخفي، فكون الشورى مسنونة ومحمودة ومفيدة في قضايا قطعية ومحسوسة، إنما هو إيذان بمدى ضرورتها ولزومها وأولويتها فيما تتعدد فيه الوجوده والإشكالات وتتضارب فيه الأنظار والاحتمالات([6]).

3- الشورى العائلية:

قال تعالى: 'وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا'(البقرة، آية : 232-223).

في الآية الأولى، إذا وقع التفاهم والتراضي بين الزوجين المطلقين من أجل التراجع والمراجعة، واستئناف علاقتهما الزوجية، فلا يجوز للولي أن يمنع ذلك.

وفي الآية الثانية، أن الرضاع المحدد في حولين كاملين يمكن تخفيض مدته، لكن على أن يتم الفطام بتشاور وتراضي لا أن يستبد به أحد الأبوين. وهذا يعني أن تدبير أمر الأولاد هو حق وواجب مشترك بين الوالدين، وأنه يجب أن يتم بالتراضي والتشاور، لاختيار أفضل ما يصلح للولد وينفعه مما هو ممكن.

فكون المرأة هي التي تمارس الإرضاع، لا يخولها التفرد بقرار توقيفه أو تمديده، وكذلك الزوج، باعتباره صاحب القوامة والنفقة، لا يحق له الاستبداد بأمر أولاده، فالأم شريكة له في تدبير شؤونهم، فلابد أن يكون ذلك كله ناشئاً 'عن تراض منهما وتشاور ([7])'.

وعلى هذا، فالقرارات المتعلقة بتعليم الأبناء الصغار، من حيث مكانه ونوعه ومدته، واستمراره وانقطاعه أو المتعلقة بصحتهم وبإقامتهم وسفرهم، وسائر انشطتهم، ما يقبل منها ومالا يقبل، وما يشجع منهما ومالا يشجع وكذلك المتعلقة بتوجيهم المهني أو بتزويجهم إذا كانوا متوقفين على التوجيه والمساعدة من آبائهم وأمهاتهم ..، كل هذا وغيره يحتاج إلى تدبير شورى مشترك بين الوالدين، أو بينهما وبين الولد نفسه إذا أصبح له تميز ونظر وتستحسن مشاورة الصغار أنفسهم لأجل تعليمهم وتدريبهم وتأديبهم بأدب المشاورة ([8]).

وقد جاءت الأحاديث النبوية حاثة على استئمار البنات في شأن زواجهن والأحاديث في ذلك كثيرة، منها عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا ؟ قال : نعم تستأمر ([9]).

4- حال التنازع والخصام:

قال تعالى :'وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ '(النساء ، آية : ٣٥).

فها هنا أمر ضمني بالشورى، فما دام هناك حكمان فلا يمكن أن يكون تقدير الحالة واعتماد الحل الممكن إلا شورى وائتماراً بينهما، ثم اتفاقاً وتراضيا على الحل والمخرج ([10]).

5- رسول الله يحث زوجاته على مشاورة آبائهن وأمهاتهن، حين وقعت بينه وبينهن جفوة لكثرة ما كان يحرجنه به من طلبات النفقة فأنزل الله في ذلك قوله تعالى: 'يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كنتن تردن الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنّ سَرَاحًا جَمِيلًا *وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا' (الأحزاب , آية: ٢٨ – ٢9).

فقد عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر على نسائه، وخيرهن بما نصت عليه الآيتان وبدأ بعائشة رضي الله عنهما وقال لها. فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري ([11]) وفي رواية أحب أن لا تعجلي حتى تستشيري أبويك ... فقالت : أفيك يا رسول الله استشير أبوي، بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ([12]).

--------------------------------------------------------------------------------

([1])الشورى في معركة البناء د. أحمد الريسوني ص 15.

([2])المصدر نفسه ص 15.

([3])التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور ص 16.

([4])الشورى في معركة البناء د. أحمد الريسوني ص 16.

([5])سراج الملوك للطرطوشي ص 132.

([6])الشورى في معركة البناء ص 17.

([7])الشورى في معركة البناء ص 17 ، 18.

([8])الشورى في معركة البناء ص 19.

([9])الشورى في معركة البناء ص 19.

([10])الشورى في معركة البناء ص 19.

([11])البخاري، كتاب التفسير، سورة الأحزاب.

([12])صحيح مسلم، كتاب الطلاق.
  رد مع اقتباس
قديم 30-01-2010, 01:30 PM   رقم المشاركة : ( 3 )
عضو شرف


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 599
تـاريخ التسجيـل : Nov 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 250 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو اسحاق الاجدابي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ابو اسحاق الاجدابي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الشورى في الإسلام

الشورى في الإسلام (3)


الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي


ثانياً: الشورى في المجال العام في القرآن الكريم:

إذا ثبتت الشورى ولزمت القضايا الخاصة والحياة الخاصة للفرد مع نفسه، وللفرد مع مثله من الأفراد وثبتت ولزمت للزوج مع زوجه والأب مع أبنائه، فكيف تكون ضرورتها وأولويتها في الشؤون العامة والقضايا الكبرى؟

جواب ذلك وبيانه في آيتي الباب وعمدته ([1]).


1- الآية الأولى 'وأمرهم شورى بينهم':

وهي في سياق قوله تعالى: 'فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ َتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهم شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ' (الشورى, آية: ٣٦ – ٣٨).

وهناك دلالات لطيفه لقيمه الشورى في الإسلام، في ضوء تفسير هذه الآية منها ما يلي:

- فالآية وردت في سورة تحمل اسم الشورى وهي سورة الشورى وتسمية إحدى سور القرآن الكريم باسم الشورى هو في حد ذاته تشريف لأمر الشورى وتنويه بأهميتها ومنزلتها.

*- جاءت الشورى في هذه الآية وصفاً تقريرياً، ضمن صفات أساسية لجماعة المؤمنين المسلمين، فهم بعد إيمانهم متوكلون على ربهم، مجتنبون لكبائر الآثام والفواحش، مستجيبون لأمر ربهم، مقيمون لصلاتهم، وأمرهم شورى بينهم ويزكون أموالهم وينفقون منها في سبيل الله ([2]).

*- وهي آية مكية مما يدل على أن الشورى في الإسلام ممارسة اجتماعية قبل أن تكون من الأحكام السلطانية.

- وهي نصف حال المسلمين في كل زمان ومكان، فهي ليست طارئة ولا مرحلية، ولقد جعل الله سبحانه احترام الشورى من أثمن خصال المؤمنين وصفاتهم.

- وهي تجعل جميع أمر المسلمين، فيما لم ينزل فيه وحي، شورى بينهم، فهي حق لهم جميعاً، إلا ما كان من شأن أهل العلم والتخصص فإن المؤمنين يحملهم إيمانهم أن يردوا ما أشكل عليهم إلى من يعلم كيف يستنبط الأحكام من النصوص ([3]).

- وقد انتبه عدد من العلماء إلى وقوع هذه الآية الكريمة 'وأمرهم شورى بينهم'، كصفة من ضمن صفات تعدُّ من المقومات والأركان الأساسية في الدين وهو ما يعني أنها واحدة من تلك الفرائض والأركان وقال تعالى 'والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصَّلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون' يدل على جلالة موقع المشورة لذكره، لها مع الإيمان وإقامة الصلاة ويدل على أنهم مأمورون بها ([4]).


2- الآية الثانية : 'وشاورهم في الأمر':

وقد وقعت خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سياق قوله تعالى: 'فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ' (آل عمران ، آية : ١٥٩).

وهذه الآية جاءت خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته داعياً وهادياً، ومرشداً مربياً وأميراً قائداً، وهذا ما يقتضيه أن يكون رفيقاً بالناس متلطفاً معهم رحيما لهم عفواً، عنهم متسامحاً معهم، بل مستغفراً لهم في أخطائهم وذنوبهم ومستشيراً لهم مراعياً لآرائهم. وهذا الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم الله بمشاورة أصحابه هو أمر لكل من يقوم مقامة من الدعاة والقادة والأمراء، بل إن العلماء والمفسرين يعتبرون أن هؤلاء مأمورون من باب أولى وأحرى، فهم الأحوج إلى هذا الأمر وبفارق كبير جداً عن رسول الله.

ومن هنا عُدّت هذه الآية قاعدة كبرى في الحكم والإمارة وعلاقة الحاكم بالمحكومين، فالشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين – وأهل التخصص في فنون العلوم – فعزله واجب وهذا ما لا خلاف فيه ([5]).

--------------------------------------------------------------------------------

([1])الشورى في معركة البناء ص 20.

([2])المصدر نفسه ص 21.

([3])الشورى مراجعات في الفقه والسياسية د. أحمد الإمام ص 15.

([4])أحكام القرآن للجصاص ص 21.

([5])المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (3/397).
  رد مع اقتباس
قديم 30-01-2010, 01:40 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
عضو شرف


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 599
تـاريخ التسجيـل : Nov 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 250 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو اسحاق الاجدابي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ابو اسحاق الاجدابي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الشورى في الإسلام

الشورى في الإسلام (4)

الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي


بسم الله الرحمن الرحيم


ثالثاً: الشورى في عهد النبوة:

إن السنة والسيرة النبوية مستفيضة بأمر الشورى، فقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أمور كثيرة منها ما يتعلق بشأن الدولة ومنها ما يتعلق ببعض الأمور الاجتماعية؛ كحادثة الأفك التي شاور فيها علياً وأسامة مشاورة خاصة ثم استثار الأمة بشكل عام ([1]).

وقد أسس النبي صلى الله عليه وسلم للشورى نظاماً يحتذى، وسنة عملية تُتبع وعرف ذلك عنه أصحابه ومن ذلك:

*- قال أبو هريرة: ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ([2]).
- وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أبو بكر وعمر: إن الناس ليزيدهم حرصاً على الإسلام أن يروا عليك زيّا حسناً من الدنيا فقال: وأيم الله لو أنكما تتفقان على أمر واحد، ما عصيتكما في مشورة أبداً ([3]).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير حتى المرأة فتشير عليه بالشيء فيأخذ به ([4]).

وقد ثبتت مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابهّ في عدة أمور متباينة، منها:

1- الشورى في يوم بدر:

أ- مشاورته في الخروج للقتال:

لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم نجاة القافلة، وإصرار زعماء مكة على قتال النبّي صلى الله عليه وسلم، استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر ([5])، وأبدى بعض الصحابة عدم ارتياحهم لمسألة المواجهة الحربية مع قريش، حيث إنهم لم يتوقعوا المواجهة، ولم يستعدُّوا لها، وحاولوا إقناع الرسول صلى الله عليه وسلم بوجهة نظرهم، وقد صّور القرآن الكريم موقفهم وأحوال الفئة المؤمنة عموماً، في قوله تعالى: 'كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * ُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِوَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ' (الأنفال ، آية : ٥ – ٨).

وقد أجمع قادة المهاجرين على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو ([6])، فقام أبوبكر الصديق، فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امضي لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى 'أذهب أنت وربك فقاتلا' 'المائدة، آية: 24'. ولكن نقاتل عن يمينك، وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسّره يعني : قوله ([7]) وفي رواية : قال المقداد: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: 'قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ '( المائدة ، آية : ٢٤) ولكن: أمض ونحن معك، فكأنه سُـَّري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ([8]).

وبعد ذلك عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أشيروا عليّ أيها الناس وكان إنّما يقصد الأنصار، لأنهم غالبية جنده، ولأن بيعة العقبة الثانية، لم تكن ظاهرها ملزمة لهم بحماية الرسول صلى الله عليه وسلم خارج المدينة، وقد أدرك الصحابي سعد بن معاذ – وهو حامل لواء الأنصار – مقصد النبيَّ صلى الله عليه وسلم من ذلك، فنهض قائلاً : والله لكانَّك تريدنا يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : 'أجل' فقال: لقد آمنَّا بك، وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله؛ لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق؛ لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما تخلَّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غداً، إنا لصُبُرُّ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، ولعلّ الله يريك منا ما تقرُّ به عينك فسِر على بركة الله ([9]).

وسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم من مقالة سعد بن معاذ، ونشَّطه ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم : سيرُوا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن انظر إلى مصارع القوم ([10]).

كانت كلمات سعد مشجعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وملهبة لمشاعر الصحابة، فقد رفعت معنوياتهم وشجعتهم على القتال، إن حرص النبيّ صلى الله عليه وسلم على استشارة أصحابه في الغزوات، يدل على تأكيد أهميّة الشورى في الحروب بالذات ذلك لأّن الحروب تقَّرر مصير الأمم، فإمَّا إلى العلياء، وإمّا تحت الغبراء ([11]).

ب- مشورة الحُباب بن المنذر في بدر:

بعد أن جمع صلى الله عليه وسلم معلومات دقيقة عن قّوات قريش، سار مسرعاً ومعه أصحابه إلى بدر؛ ليسبقوا المشركين إلى ماء بدر، وليحولوا بينهم وبين الاستيلاء عليه فنزل عند أدنى ماءٍ من مياه بدر، وهنا قام الحُباب بن المنذر، وقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنز لكه الله، ليس لنا أن نتقدَّمه، ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرَّأي، والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرّأي، والحرب، والمكيدة قال: يا رسول الله؛ فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماءٍ من القوم – أي : جيش المشركين – فنزله، ونغوَّر – نخرَّب – ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثمّ نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيه، ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدوَّ، فنزل عليه، ثمّ ضعوا الحِيَاض، وغوَّروا ما عداها من الآبار ([12]).

وهذا يصَّور مثلاً من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه حيث كان أيُّ فرد من أفراد ذلك المجتمع يُدْلي برأيه حتى في أخطر القضايا، ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم، ثم حصول ما يترتبَّ على ذلك من غضب من تدَّني سمعة ذلك المشير بخلاف رأي القائد، وتأخره في الرتبة، وتضرره في نفسه أو ماله إن هذه الحرية، التي ربَّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه مكنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أهل الرأي السديد، والمنطق الرشيد، فالقائد فيهم ينجح نجاحاً باهراً، وإن كان حديث السَّنَّ، لأنه لم يكن يفكر برأيه المجرَّد، أو آراء عصبةٍ مهيمنة عليه، قد تنظر لمصالحها الخاصَّة، قبل أن تنظر لمصلحة المسلمين العامةَّ، وإنما يفكرَّ بآراء جميع أفراد جنده وفد يحصل له الرأي السديد من أقلهَّم سمعة وأبعدهم منزلة من ذلك القائد؛ لأنه ليس هناك ما يحول بين أي فردٍ منهم والوصول برأيه إلى قائد جيشه([13]).

ونلحظ عظمة التربية النبوية التي سرت في شخص الحُباب بن المنذر فجعلته يتأدب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم دون أن يُطلب رأيه، ليعرض الخطة التي لديه، لكن هذا تَّم بعد السُّؤُال العظيم، الذي قدَّمه بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرّأي، والحرب، والمكيدة؟

إن هذا السُّؤال يوضح عظمة هذا الجوهر القياديَّ الفذَّ، الذي يعرف أين يتكلم ومتى يتكلمَّ بين يدي قائده، فإن كان الوحي هو الذي اختار هذا المنزل، فلأن يقدم، فتقطع عنقه أحبُّ إليه من أن يلفظ بكلمة واحدة وإن كان الرأي البشريُّ فلديه خطة جديدة كاملة بإستراتيجية جديدة.

إن هذه النفسية الرّفيعة، عرفت أصول المشورة، وأصول إبداء الرّأي، وأدركت مفهوم السمَّع والطاعة، ومفهوم المناقشة، ومفهوم عرض الرّأي المعارض لرأي سيَّد ولد آدم صلى الله عليه وسلم.

وتبدو عظمة القيادة النبوية من استماعها للخطة الجديدة، وتبني الخطة المطروحة من جندي من جنودها، أو قائد من قّوادها ([14]).

ج- مشاورته صلى الله عليه وسلم في أسرى بدر:

قال ابن عباس رضي الله عنه: فلمّا أسروا الأسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا نبيَّ الله؛ هم بنو العَّم، والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قّوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا بن الخطاب؟ قال : لا والله يا رسول الله ما أرى الذي يراه أبو بكر ولكنيَّ أرى أن تُمَكِنَّا منهم، فنضرب أعناقهم، فتمكَّنٍ عليَّاً من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكنيَ من فلان 'نسيباً لعمر' فأضرب عنقه، فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر، وصناديدها، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلت فلمَّا كان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أيَّ شيء تبكي أنت وصاحبُك، فإن وجدت بكاءً، بكيت، وإن لم أجد بكاء، تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة. شجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عز وجلّ: 'مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ '(الأنفال ، آية: ٦٧-٦٨ )([15]).

وهذه الآية تضع قاعدة هامَّة في بناء الدَّولة حينما تكون في مرحلة التكوين والإعداد، وكيف ينبغي ألا تظهر بمظهر اللَّين، حتى تُرْهب من قِتَلِ أعـدائها وفي سـبيل هـذه الكليـة يُطرح الاهتمام بالجزئيَّات – حتى ولو كانت الحاجة ملحة إليها([16]).

وقد أفادت الرواية أن القول الذي أخذ به رسول الله صلى الله عليه وسلم – هو الفدية – وكان رأي أبي بكر رضي الله عنه، وأوضحت الرواية أن أكثر الصحابة كانوا عليه ولذلك قال: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة.

فالرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذ في هذه النازلة برأي الأغلبية من أصحابه، ولذلك جاء اللوم عاماً من الله تعالى: 'لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ' ( الأنفال ، آية : ٦٧- ٦٩).

في قوله ' تريدون' للفريق الذين أشاروا بأخذ الفداء وفيه إشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير معاتب، لأنه أخذ برأي الجمهور ([17])، وروي أن ذلك كان رغبة أكثرهم ([18])واللوم الذي وجهه الله تعالى للصحابة لم يكن بسبب الرأي الذي أشاروا به في حد ذاته ولكن بسبب الدافع الذي وراءه وهو الكسب الدنيوي الذاتي 'تريدون عرض الدنيا' ولذلك لا يدخل فيه منهم إلا من تحكمت هذه الرغبة في الرأي الذي أشار به ([19]).

2- الشورى في غزوة أحد:

بعد أن جمع صلى الله عليه وسلم المعلومات الكاملة عن جيش كفّار قريش، جمع أصحابه رضي الله عنهم، وشاورهم في البقاء في المدينة والتحصُّن فيها، أو الخروج لملاقاة المشركين وكان رأي النبي صلى الله عليه وسلم البقاء في المدينة، وقال: إنَّا في جُنَّة حصينة، فإن رأيتهم أن تقيموا، وتَدَعوُهم حيث نزلوا فإن أقاموا، أقاموا بشَّر مُقام، وإن دخلوا علينا، قاتلناهم فيها ([20]). وكان رأي عبدالله بن أبيَّ بن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ([21]). إلا أنّ رجالاً من المسلمين ممَّن فاتتهم بدر قالوا : يا رسول الله؛ أخرج بنا إلى أعدائنا وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدوَّ، ولم يتناهو إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيه، ولو رضُو بالذي أمرهم كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر، وعامّة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدراً، قد علموا الذي سبق لأهل بدر من الفضيلة ([22]).

ولم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حُبُّ لقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته، فلبس ([23]) لامَتَهُ، فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتهم بغيره، فأذهب يا حمزة فقل لنبي صلى الله عليه وسلم : أمرنا لأمرك تَبَعُ، فأتى حمزة، فقال له : يا نبي الله : إن القوم تلاوموا فقالوا: أمرنا لأمرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّه ليس لنبيَّ إذا لبس لأمته أن يصنعها، حتى يقاتل ([24]).

كان رأي من يرى الخروج إلى خارج المدينة مبنيَّاً على أمور منها:

- أنَّ الأنصار قد تعاهدوا في بيعة العقبة الثانية، على نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان أغلبهم يرى : أن المكوث داخل المدينة، تقاعس عن الوفاء بهذا العهد.

- أن الأقلية من المهاجرين، كانت ترى : أنها أحق من الأنصار بالدّفاع عن المدينة، ومهاجمة قريش، وصدَّها عن زروع الأنصار.

- أنّ الذين فاتتهم غزوة بدر كانوا يتحَّرقون شوقاً من أجل ملاقاة الأعداء؛ طمعاً في الحصول على الشهادة في سبيل الله.

- أن الأكثرين كانوا يرون : أنَّ في محاصرة قريش للمدينة، ظفراً يجب ألا تحلم به، كما توقعوا: أنَّ وقت الحصار سيطول أمده، فيصبح المسلمون مهَّددين بقطع المؤن عنهم ([25]).

أما رأي من يرى البقاء في المدينة فهو مبني على التخطيط الحربيَّ الآتي:

- إنّ جيش مكة لم يكن موحَّدَ العناصر، وبذلك يستحيل على هذا الجيش البقاء زمناً طويلاً، إذ لابَّد من ظهور الخلاف بينهم، إن عاجلاً أو آجلاً.

- إن مهاجمة المدن المصمَّمة على الدَّفاع عن حياضها، وقلاعها، وبيضتها أمر يعيد المنال، وخصوصاً إذا تشابه السَّلاح عند كِلا الجيشين، وقد كان يوم أحد متشابهاً.

- إن المدافعين إذا كانوا بين أهليهم، فإنَّهم يستبسلوا في الدفاع عن أبنائهم وحماية نسائهم، وبناتهم، وأعراضهم.

- مشاركة النساء والأبناء في القتال، وبذلك يتضاعف عدد المقاتلين استخدام المدافعين أسلحة لها أثر في صفوف الأعداء، مثل الأحجار وغيرها، وتكون إصابة المهاجمين في متناولهم ([26]) ومن الواضح: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، عوَّد أصحابه على التصريح بآرائهم عند مشاورته لهم؛ حتىَّ ولو خالفت رأيه، فهو إنّما يشاورهم فيما لا نصَّ فيه، تعويداً لهم على التفكير في الأمور العامّة، ومعالجة مشكلات الأمّة، فلا فائدة من المشورة إذا لم تقترن بحرية إبداء الرّأي، ولم يحدث أن لام الرّسول صلى الله عليه وسلم أحداً، لأنه أخطأ في اجتهاده، ولم يوفَّق في رأيه، وكذلك فإن الأخذ بالشورى ملزم للإمام، فلابَّد أن يُطبَّق الرسول صلى الله عليه وسلم التوجيه القرآني 'فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ' (آل عمران ، آية : ١٥٩) لتعتاد الأمة على ممارسة الشورى، وهنا يظهر الوعي السياسي عند الصحابة رضي الله عنهم فزعم أن لهم إبداء الرّأي، إلا أن ليس لهم فرضه على القائد فحسبهم أن يبينوا رأيهم ويتركوا للقائد حرية اختيار ما يترجَّح لديه من الآراء، فلمّا رأوا أنهم ألحوا في الخروج وأن الرسول صلى الله عليه وسلم عزم على الخروج بسبب إلحاحهم، عادوا فاعتذروا إليه، لكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علمّهم درساً آخر هو من صفات القيادة الناجحة، وهو عدم الترد بعد العزيمة والشروع في التنفيذ، فإن ذلك يزعزع الثقة بها ويغرس الفوضى بين الأتباع ([27]).

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عزم على الخروج، وقد أعلن حالة الطوارئ العامّة، وتجهزَّ الجميع للقتال، وأمضوا ليلتهم في حذر، كلُّ يصحب سلاحه، ولا يفارقه حتى عند نومه، وأمر صلى الله عليه وسلم بحراسة المدينة، واختار خمسين من أشّداء المسلمين ومحاربيهم بقيادة محمد بن مسلمة رضي الله عنه واهتم الصحابة بحراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبات سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة، في عدة من الصحابة رضي الله عنهم ليلة الجمعة، مُدَجّجين بالسَّلاح على باب المسجد يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم ([28]).

ونستطيع أن نقول – إن قرار الخروج قد أدى إلى نصر مبين وسريع وهذا مفصل في كتب السيرة والحديث ثم دارت الدائرة بعد ذلك بسبب الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه فرقة الرماة الذين كانوا على موقع كبير من الأهمية والخطورة، فلما أخلوه انقلبت الأمور، وكل ذلك مفصل في كتابي عن غزوة أحد ([29]) فلا أطيل بسرده.

3- الشورى في غزوة الأحزاب:

أ- في حفر الخندق:

تشاور الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في كيفية المواجهة للأحزاب وكان رأي سلمان الفارسي رضي الله عنه بأن يحفر خندقاً حول المدينة لمواجهة الأحزاب، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيه وأمر بحفره واختار مكاناً مناسباً لذلك وهي السهول الواقعة شمال المدينة، إذ كانت هي الجهة الوحيدة المكشوفة أمام الأعداء، واقترن حفر الخندق بصعوبات جمّة، فقد كان الجو بارداً والريح شديدة، والحالة المعيشية صعبة بالإضافة إلى الخوف من قدوم العدو الذي يتوقعونه في كل لحظة ويضاف إلى ذلك العمل المضني حيث كان الصحابة يحفرون بأيديهم وينقلون التراب على ظهورهم، ولاشك في هذا أن هذا الظرف – بطبيعة الحال – يحتاج إلى قدر كبير من الحزم والجد ولكن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الظرف: يعلم أن هؤلاء الجند إنما هم بشر كغيرهم، لهم نفوسٌ بحاجة إلى الرّاحة من عناء العمل، كما أنها بحاجة إلى من يدخل السُّرور عليها حتى تنسى تلك الآلآم التي تعانيها فوق معاناة العمل الرئيسي ولهذا نجد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدقنا وصَلَّينا

فأنزل سكينة علينا

وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأُلى قد بغوا علينا

وإن أرادوا فتنة أَبينا


ثم يمد صوته بآخرها ([30]).

وعن أنس رضي الله عنه: أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون يوم الخندق:

نحن الذين بايعوا محمداً

على الإسلام ما بقينا أبداً


لقد كان لهذا التبسط، والمرح في ذلك الوقت أثره في التخفيف عن الصحابة ممّا يعانونه نتيجة للظروف الصعبة التي يعيشونها، وكما كان له أثره في بعث الهمّة والنشاط بإنجاز العمل الذي كُلفَّوا بإتمامه، قبل وصول عدوَّهم([31]) ولقد نال صحاب فكرة الخندق وساماً عظيماً بقي خالد على مّر الدهور لم يفصلها عنا حواجز الزمن ولا أسوار القرون، فقد قال المهاجرون يوم الخندق سلمان منّا، وقالت الأنصار: سلمان منَّا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمان منا أهل البيت ([32]). وهذا الوسام النبوي الخالد لسلمان يشعر بأن سلمان من المهاجرين؛ لأنَّ أهل البيت من المهاجرين ([33]).

ب- الشورى في محاولة الصلح مع غطفان:

حاول النبي صلى الله عليه وسلم تخفيف حدّة حصار الأحزاب للمدينة بعقد صلح مع غطفان بالذات لمصالحتها على مال يدفعه إليها على أن تترك محاربته، وترجع إلى بلادها فهو يعلم صلى الله عليه وسلم: أن غطفان وقادتها ليس لهم من وراء الاشتراك من هذا الغزو أيَّ هدف سياسي يريدون تحقيقه أو باعث عقائدي يقاتلون تحت رايته، وإنما كان هدفهم الأوّل والأخير من الاشتراك في هذا الغزو الكبير هو الحصول على المال بالاستيلاء عليه من خيرات المدينة عند احتلالها، ولهذا لم يحاول الرّسول صلى الله عليه وسلم الاتصال بقيادة الأحزاب من اليهود، كحيي بن أخطب وكنانه بن الربيع أو قادة قريش كأبي سفيان بن حرب، لأن هدف أولئك الرّئيسي لم يكن المال، وإنما كان هدفهم هدفاً سياسيّاً، وعقائديا يتوقف تحقيقه والوصول إليه على هدم الكيان الإسلامي من الأساس، لذا فقد كان اتصاله 'فقط' بقادة عطفان الذين 'فعلاً' لم يتردَّدوا في قبول العرض الذي عرضه عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ([34]). فقد استجاب القائدان الغطفانيان 'عيينه بن حصن، والحارث بن عوف' لطلب النبي صلى الله عليه وسلم، وحضرا مع بعض أعوانهما إلى مقرَّ قيادة النبي صلى الله عليه وسلم، واجتمعا به وراء الخندق مستخفين دون أن يعلم بهما أحد، وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مفاوضتهم وكانت تدور حول عرض تقدم به رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيه إلى عقد صلح منفرد بينه، وبين غطفان، وأهمُّ البنود التي جاءت في هذه الاتفاقية المقترحة.

*- عقد صلح منفرد بين المسلمين وغطفان الموجودين ضمن جيوش الأحزاب.

- توادع غطفان المسلمين، وتتوقف عن القيام بأيَّ عمل حربيَّ ضدهم.

- يدفع المسلمون لغطفان 'مقابل ذلك' ثلث ثمار المدينة كلَّها من مختلف الأنواع.

وقبل عقد الصلح مع غطفان شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة في هذا الأمر، فكان رأيهم عدم إعطاء غطفان شيئاً من ثمار المدينة، وقال السَّعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة؛ يا رسول الله؛ أمراً تحبه، فتضعه أم شيئاً أمرك الله به لابدَّ لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ فقال : بل شيءٌ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنَّي رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم – أي: اشتدوا عليكم – من كلَّ جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله، قد كنَّا وهؤلاء على الشرك بالله، وعبادة الأوثان، لا نعبد الله، ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرىً – أي : الطَّعام الذي يُضع للضيف – أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك، وبه، نعطيهم أموالنا؟ مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السَّيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك.
فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليَجْهدوا ([35]) علينا كان رد زعيمي الأنصار: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في غاية الاستسلام لله تعالى، والأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، فقد جعلوا أمر المفاوضة مع غطفان ثلاثة أقسام.

الأول: أن يكون هذا الأمر من عند الله تعالى، فلا مجال لإبداء الرّأي بل، لابدَّ من التسليم، والرَّضا.

الثاني: أن يكون شيئاً يحبُّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتباره رأيه الخاص، فرأيه مقدَّمُ وله الطاعة في ذلك.

الثالث: أن يكون شيئاً عمله الرّسول صلى الله عليه وسلم لمصلحة المسلمين من باب الإرفاق بهم، فهذا هو الذي يكون مجالاً للرّأي.

ولما تبين للسعدين من جواب الرسول صلى الله عليه وسلم : أنه أراد

القسم الثالث: أجاب سعد بن معاذ بجواب قويَّ، كبت به زعيمي غطفان، حيث بيَّن أن الأنصار لم يذلُّوا لأولئك المعتدين في الجاهلية، فكيف وقد أعزَّهم الله تعالى بالإسلام؟ وقد أعُجب النبيُّ صلى الله عليه وسلم بجواب سعد، وتبَّين له منه، إرتفاع معنويّة الأنصار، واحتفاظهم بالرّوح المعنويّة العالية فألغى بذلك ما بدأ من الصُّلح مع غطفان ([36]).

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: إني قد علمت : أنّ العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ([37]).

دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستهدف من عمله ألا يجتمع الأعداء عليه صفاً واحداً، وهذا يرشد المسلمين إلى عدّة أمور منها:

- أن يحاول المسلمون التفتيش عن ثغرات القوى المعادية.

- أن يكون الهدف الاستراتيجي للقيادة المسلمة تحييد من تستطيع تحييده، ولا تنسى القيادة الفتوى، والشورى والمصلحة الآنية والمستقبلية للإسلام ([38]).

وفي استشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصَّحابة يتبين لنا أسلوبه في القيادة، وحرصه على فرض الشورى في كلَّ أمر عسكري يتصل بالجماعة، فالأمر شورى، ولا ينفرد به فرد حتىّ ولو كان هذا الفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام الأمر في دائرة الاجتهاد، ولم ينزل به وحي ([39]) إن قبول الرسول صلى الله عليه وسلم رأي الصحابة في رفض هذا الصلح يدل على أن القائد الناجح هو الذي يربط بينه وبين جنده رباط الثقة، حيث يعرف قدرهم ويدركون قدره، ويحترم رأيهم ويحترمون رأيه، ومصالحة النبي صلى الله عليه وسلم مع قائدي غطفان تعد من باب السياسة الشرعية التي تراعي فيها المصالح والمفاسد حسب ما تراه القيادة الرشيدة ([40]) للشعوب.

ففي هذه النازلة نجد النبي صلى الله عليه وسلم قد فكر ودبر، وهيأ حلاً يخفف به محنة المسلمين، وفاوض وانتهى إلى اتفاق أولي مع زعماء غطفان لكنه، قبل إمضائه وتنفيذه، عرضه للشورى، وانتهى به الأمر إلى التخلي عن رأيه وتدبيره، والأخذ برأي مستشاريه الذين يمثلون جمهور المسلمين من أهل المدينة ([41]).

4- الشورى في صلح الحديبية:

استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج إلى البيت معتمرين، فإن صدتهم قريش قاتلوهم فأشاروا بالخروج وفرحوا بمقدمهم على البيت، ولكن الله تعالى أراد ما هو خير لهم فجرت مفاوضات طويلة حتى كتب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يمثلهم سهيل بن عمرو وكان ذلك في صالح المسلمين وجعل الله لهم من دونه فتحاً قريباً، ولعل الصحابة رضوان الله عليهم تأثروا بصد قريش لهم ثم الصلح معهم على أن يرجعوا هذا العام ويأتوا العام القادم في عمرة القضاء ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضية كتابة الصَّلح قال لأصحابه : قوموا، فانحروا ثمّ احلقوا.. حتى قال ذلك ثلاث مرّات، فلمَّا لم يقم منهم أحد؛ دخل على أمَّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحبُّ ذلك؟

أخرج، ثم لا تكلَّم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بدُنك، وتدعو حالقك فيحلقك فخرج، فلم يكلَّم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنه، ودعا حالقه، فلمَّا رأوا ذلك؛ قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غما وقد حلق رجال يوم الحديبية، وقصَّر آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحم الله المحلقين. قالوا : والمقصَّرين يا رسول الله ؟ قال: يرحم الله المحلقين قالوا: والمقصَّرين يا رسول الله؟ قال : يرحم الله المحلقين. قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال والمقصرين ([42]).

فقد كان رأي أمّ سلمة سديداً، ومباركاً؛ حيث فهمت رضي الله عنها عن الصحابة: أنه وقع في أنفسهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتَّحلل أخذاً بالرُّخصة في حقهم، وأنه يستمُّر على الإحرام أخذاً بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحللَّ لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبيُّ صلى الله عليه وسلم صواب ما أشارت به، ففعله، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به، فلم يبق بعد ذلك غاية تُنتظر، فكان ذلك رأيا سديداً، ومشورة مبـاركة وفي ذلك دليل على استحسان مشاورة المرأة الفاضلة ما دامت ذات فكرة صائبة، ورأي سديد ([43])، كما أنه لا فرق في الإسلام بين أن تأتي المشورة من رجل، أو امرأة ما دامت مشورة صائبة، وهذا عين التكرين للمرأة التي يزعم أعداء الإسلام : أنه غمطها حقَّها وتجاهل وجودها، وهل هناك اعتراف واحترام لرأي المرأة أكثر من أن تشير على نبي مرسل، ويعمل النبي صلى الله عليه وسلم بمشورتها لحل مشكلة اصطدم بها، وأغضبته ([44])؟

5- الشورى في غزوة تبوك:

مارس رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة الشورى، وقبل مشورة الصديق، والفاروق في بعض النَّوازل التي حدثت في هذه الغزوة ومن هذه النوازل .

أ- قبول مشورة أبي بكر الصديق في الدّعاء:

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً، وأصابنا فيه عطشٌ، حتى ظننَّا: أن رقابنا ستنقطع؛ حتى إنّ الرَّجل لينحر بعيره، فيعتصر فرْثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله عوّدك في الدعاء خيراً، فادع الله، قال : أتحبُّ ذلك؟ قال: نعم، فرفع يديه، فلم يردّهما حتى حالت السماء، فأظلتَّ ثم سكبت فملؤ ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر ([45]).

ب- قبول مشورة عمر بن الخطاب في ترك نحر الإبل:

أصابت جيش العسرة مجاعة أثناء سيرهم إلى تبوك، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم حتى يسدُّوا جَوْعتهم، فلمَّا أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، جاءه عمر رضي الله عنه، فأبدى مشورته في هذه المسألة وهي: أن الجند إن فعلوا ذلك نفذت رواحلهم وهم أحوج ما يكونون إليها في هذا الطريق الطّويل ثم ذكر رضي الله عنه حلاً لهذه المعضلة، وهو: جمع أزواد القوم، ثم الدعاء لهم بالبركة فيها، فعمل صلى الله عليه وسلم بهذه المشورة حتى صدر القوم عن بقيّة من هذا الطعام، بعد أن ملؤوا أوعيتهم منه، وأكلوا حتى شبعوا ([46]).

ج- قبول مشورة عمر رضي الله عنه في ترك اجتياز حدود الشَّام والعودة إلى المدينة :

عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى منطقة تبوك، وجد أنَّ الروم فرُّوا خوفاً من جيش المسلمين، فاستشار أصحابه في اجتياز حدود الشام، فأشار عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن يرجع بالجيش إلى المدينة، وعللَّ رأيه بقوله: إن للروم جموعاً كثيرة، وليس بها أحد من أهل الإسلام ولقد كانت مشورة مباركة، فإنَّ القتال داخل بلاد الرومان يُعد أمراً صعباً؛ إذ إنَّه يتطلبَّ تكتيكاً خاصّاً، لأن الحرب في الصحراء تختلف في طبيعتها عن الحرب في المدن، بالإضافة إلى أن عدد الرُّومان في الشام يقرب من مئتين وخمسين ألفاً، ولاشك في أنَّ تجمع هذا العدد الكبير في تحصُّنه داخل المدن يعرَّض جيش المسلمين للخطر ([47]) إن ممارسة الشورى في حياة الأمة في جميع شؤونها السياسية والعسكرية والاجتماعية، منهج تربوي كريم، سار عليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته ([48]).

وتتضح قواعد الشورى النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في أمور جليلة أظهرها:

- إتباع الصواب من الرأي الفني، كما حدث في بدر بغض النظر عن الأكثرية حيث نزل على رأي الحباب ابن المنذر؛ بل هو الرأي والحرب والمكيدة' والحباب يمثل أهل الخبرة والاختصاص وأهل الذكر([49]).

الأخذ برأي الأكثرية عند ترجيح المواقف:

كما في يوم أحد ،وان خالف رأيهم القيادة وعليه إذا كانت الشورى في الأمور التشريعية فالحجة لقوة الدليل، وإذا كانت الشورى في الأمور الفنية فالحجة لأهل الخبرة والاختصاص، أما في طلب الرأي الذي يرشد إلى القيام بعمل من الأعمال الكبيرة، كانتخاب رئيس، أو والٍ، أو إقرار مشروع فيرجح رأي الأكثرية لأن الكثرة يحصل بها الترجيح وهكذا تقدم لنا السيرة النبوية معالم أساسيه لفقه الشورى كأمر رباني ،وسنة نبوية،وقيمة أخلاقيه، وحكمه بالغة في سياسة الأمة وإدارة أمور الدولة وهى ملزمة للحاكم ومفتوحة للمشاركة ولأهل الخبرة الفنية وأهل الاختصاص مكانة خاصة في الشورى وتمتد قيمه الشورى إلى سائر ضروب النشاط الإنساني وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزم الشورى ابتداءً وانتهاءً ([50]).

وما ذكرناه من السيرة النبوية غيض من فيض، وقليل من كثير.


--------------------------------------------------------------------------------

([1])فقه الشورى للغامدي ص 121.

([2])الشورى د. أحمد الإمام ص 21 سنن الترمذي رقم 1636.

([3])فتح الباري شرح صحيح البخاري (13/341).

([4])الشورى د. أحمد الإمام ص 201.

([5])البخاري، ك المغازي رقم 3952.
  رد مع اقتباس
قديم 04-02-2010, 01:35 PM   رقم المشاركة : ( 5 )
عضو شرف


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 599
تـاريخ التسجيـل : Nov 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 250 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو اسحاق الاجدابي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ابو اسحاق الاجدابي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الشورى في الإسلام

الشورى في الإسلام(5)


الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي


بسم الله الرحمن الرحيم


رابعاً: الشورى في عهد الصديق:

كانت الشورى مكثفة في هذه المرحلة، وكانت تشمل عظائم الأمور وصغارها، من قضايا الأمة في السلم والحرب، والخلافة والتشريعات العامة، إلى نوازل الأفراد في زواجهم وطلاقهم وميراثهم، ومنازعتهم حول البئر والنخلة، والناقة، وأهم شيء في هذه المشاورات المكثفة هو أنها كانت تحقق جوهرها ومقصودها على أكمل الوجوه، ثم لا يُلتْفتُ كثيراً لما سوى ذلك، ويمكن أن نلخص طبيعة مشاوراتهم بعبارة : الشورى بمقاصدها لا بشكلياتها، فلم يكن عندهم كبير التفات إلى من استشير ومن لم يُستشر، وإلى من حضر ومن غاب، إذا كان الذين استشيروا أهلاً لتلك المشورة، وكان من غاب عنها لا يضر غيابه، ولم يُقصد تغييبه ولم يكن عندهم كبير التفات إلى عدد المستشارين في القضية، وهل هم آحاد، أو عشرات أو مئات، إذا كان من استشيروا يقومون مقام غيرهم ويعبرون بصدق عن آرائهم ومصالحهم.



ولم يكن عندهم كبير التفات وتدقيق في عدد الذين أيدوا والذين عارضوا، إذا ظهر بوضوح التوجه العام الغالب في المسألة أو حصل فيها نوع من التراضي والتطاوع والتسامح وإذا خالفهم أحد منهم ثم رأوا في لهجته صدقاً وفي حجته قوة ووثوقاً، لم يلبسوا أن يضعوا ثقتهم في صدقة وعلمه وما يعرفونه من خبرته وحسن تقديره، فينقلب رأي الواحد المنفرد إلى إجماع أو شبه إجماع.

وكانت المشاورات تتم في جو من الحرية والأمن والجرأة؛ فلا أحد يحابي أحداً ولا أحد يخادع أحداً ولا أحد يخاف من أحد، ولا أحد يطمع في أحد.



في هذه الأجواء، وبهذه السمات لم تكن شوراهم بحاجة إلى قوانين معضلة وإلى ضوابط مدققة، ولا إلى ضمانات واحتياطات، فالتعقيد التنظيمي حين لا يكون ضرورياً يصبح عبثاً وعائقاً، أو على الأقل، قد تكون كلفته أكثر من فائدته لقد كانت الشورى في التجربة الإسلامية الأولى خفيفة في تنظيمها وطرق إجرائها، ولكنها كانت ثقيلة بجديتها وأخلاقيتها ([1]) وإليك بعض ملامح وسمات التجربة الشورية في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:



1- بيعة الصديق:

لما علم الصَّحابة – رضي الله عنهم – بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه، وهو يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنَّة الحادية عشر للهجرة، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده ([2])، والتفَّ الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عباده – رضي الله عنه – ولما بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين، وهم مجتمعون مع أبي بكر الصَّدَّيق – رضي الله عنه – لترشيح من يتولى الخلافة ([3])، قال المهاجرون لبعضهم : انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإنَّ لهم في هذا الحقَّ نصيباً، قال عمر رضي الله عنه - : فانطلقنا نريدهم، فلمّا دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكر ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم ألا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينّهم ([4])، فانطلقنا حتَّى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمَّلُ بين ظهرانيهم فقلت: من هذا ؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ماله ؟ قالوا: يُوعك. فلّما جلسنا قليلاً تشهَّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم – معشر المهاجرين – رهط، وقد دفَّت دافة من قومكم ([5])، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا ([6])من الأمر فلما سكت أردت أن أتكَّلم – وكنت قد زوَّرت ([7])مقالة أعجبتني أريد أن أقدَّمها بين يدي أبي بكر – وكنت أداري منه بعض الحدَّه، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر : على رسلك فكرهت أن أغضبه، فتكلَّم أبو بكر، فكان هو أحلم منَّي وأوقر، والله ما ترك كلمةٍ أعجبتني في تزويري إلاَّ قال في بديهته مثلها؛ أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتكم فيكم من خير فأنتم له أهل ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحيَّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً، وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرّجلين فبايعوا أيَّهما شئتم، فأخذ بيدي، ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره ممّا قال غيرها، والله أن أقدَّم فتضرب عنقي لا يُقربني ذلك من إثم أحبُّ إليَّ من أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر؛ اللهَّم إلا أن تُسَوَّل إلى نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن.

فقال قائل من الأنصار: أنا جُذيلها المحكَّك وعُذيقُها المرجَّب ([8])، منا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللَّغط وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف فقلت : ابسط يدك يا أبو بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرين، ثمَّ بايعته الأنصار([9]).

وفي رواية ... فتكلم أبو بكر – رضي الله عنه – فلم يترك شيئاً أنزل في الأنصار، ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا وذكره، وقال: ولقد علمتم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو سلك الناس وادياً، وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار، ولقد علمت يا سعد ([10]) أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فَبَرُّ الناس تبع لِبَرَّهم وفاجرهم الناس تبعٌ لفاجرهم، قال: فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء، وأنتم الأمراء ([11]).



ونلاحظ مجموعة من الدروس والفوائد والعبر منها:

أ- الصديق وتعامله مع النفوس وقدرته على الإقناع:

استطاع أبوبكر الصديق أن يدخل إلى نفوس الأنصار، فأثنى على الأنصار ببيان ما جاء في فضلهم من الكتاب والسنة والثناء على المخالف منهج إسلامي يقصد منه : إنصاف المخالف وامتصاص غضبه، وانتزاع بواعث الأثرة والأنانيةّ في نفسه، ليكون مهيَّأ لقبول الحق إذا تبيَّن له، وقد كان في هدي النبيَّ صلى الله عليه وسلم الكثير من الأمثلة التي تدل على ذلك، ثم توصَّل أبوبكر من ذلك إلى أنّ فضلهم وإنه كان كبيراً لا يعني أحقيتهم في الخلافة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على أنَّ المهاجرين من قريش هم المقَدَّمون في هذا الأمر([12]).



واستدل أبوبكر على أنَّ أمر الخلافة في قريش بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم : بالأنصار خيراً، وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم، واحتجَّ أبوبكر على الأنصار بقوله: إن الله سمَّاكم 'المفلحين' إشارة إلى قوله تعالى :' لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ' (الحشر, آية: ٨ - ٩ (وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا، فقال :' يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ' (التوبة, آية: ١١٩).



إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة، والأدلة القوية، فتذكرت الأنصار ذلك، وانقادت إليه ([13])وبين الصديق في خطابه أنّ مؤهَّلات القوم الذين يرشحَّون للخلافة أن يكونوا ممّن يدين لهم العرب بالسَّيادة، وتستقرُّ بهم الأمور حتى لا تحدث الفتن فيما إذا تولَّى غيرهم، وأبان: أن العرب لا يعترفون بالسَّيادة إلا للمسلمين من قريش؛ لكونه النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ولما استقر في أذهان العرب في تعظيمهم واحترامهم وبهذه الكلمات النيَّرة التي قالها الصديق اقتنع الأنصار بأن يكونوا وزراء مُعينين وجنوداً مخلصين، كما كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك توحَّد صفُّ المسلمين ([14]).



ب- حرص الجميع على وحدة الأمة:

إن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة يؤكد حرص الأنصار على مستقبل الدعوة الإسلامية، واستعدادهم المستمر للتَّضحية في سبيلها، فما أطمأنُّوا على ذلك حتى استجابوا سراعاً لبيعة أبي بكر، الذي قبل البيعة لهذه الأسباب، وإلا فإن نظرة الصحابة مخالفة لرؤية الكثير ممن جاء بعدهم ممَّن خالفوا المنهج العلمي والدراسة الموضوعية، بل كانت دراستهم متناقضة مع روح ذلك العصر، وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار، وغيرهم، وإذا كان اجتماع السقيفة أدّى إلى انشقاق بين المهاجرين والأنصار كما زعم البعض ([15])، فكيف قبل الأنصار بتلك النتيجة، وهم أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ وكيف انقادوا لخلافة أبي بكر، ونفروا في جيوش الخلافة شرقاً وغرباً مجاهدين لتثبيت أركانها؟ لو لم يكونوا متحمسين لنصرتها ([16]).

فالصواب اتضح من حرص الأنصار على تنفيذ سياسة الخلافة والاندفاع لمواجهة المرتدَّين، وأنَّه لم يتخلَّف أحد من الأنصار عن بيعة أبي بكر فضلاً عن غيرهم من المسلمين، وأن أخّوة المهاجرين والأنصار أكبر من تخيُّلات الذين سطَّروا الخلاف بينهم في رواياتهم المغرضة ([17]).

ولقد بايع سعد بن عبادة سيد الأنصار في حينه أبا بكر الصديق بالخلافة في أعقاب النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة ونزل عن مقامه الأوّل في دعوى الإمارة، وأذعن للصديق بالخلافة وكان ابن عمه بشير بن سعد الأنصاري أوّل من بايع الصديق في اجتماع السقيفة ([18]).

ولقد جرت المشاورة بشأن اختيار خليفة للمسلمين بين الأفراد والمجموعات الصغيرة، وجرت فيما بين الأنصار وجرت فيما بين المهاجرين، ثم التأم الجميع في سقيفة بني ساعدة وجرت المشاروة الكبرى والنقاش العام بين المهاجرين والأنصار – في مسجد الرسول الكريم بعد ذلك – وأسفر ذلك كله عن مبايعة أبي بكر الصديق ([19]).

وإن الباحث ليلمس عظمة تربية رسول الله لأصحابه ونضجهم السياسي الكبير فمّما لاشك فيه أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان حدث جلل، وترك فراغاً عظيماً في الأمة ومع هذا استطاع أهل الحل والعقد أن يتجاوز تلك المحنة الكبرى بوعي وفقه، وتقدير للأمور على أسس رشيدة انعدم نظيرها في تاريخ البشرية.

لقد كان على الأمة الإسلامية أن تواجه الموقف الصَّعب الذي نشأ عن انتقال الرّسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وأن تحسم أمورها بسرعة، وحكمة وألا تدع مجالاً لانقسام قد يتسرب منه الشك إلى نفوس أفرادها، أو للضعف أن يتسللّ إلى أركان البناء الذي شيدَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم.



ج- منصب الخلافة والخليفة:

اختارت الأمة منصب الخلافة الإسلامية وأجمعت عليه طريقة وأسلوباً للحكم، تنظم من خلاله أمورها وترعى مصالحها، وقد ارتبطت نشأة الخلافة بحاجة الأمّة لها واقتناعها بها، ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ([20]).

ولما كانت الخلافة نظام حكم المسلمين، فقد استمَّدت أصولها من دستور المسلمين، من القرآن الكريم، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ([21])، وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلافة الإسلامية فقالوا بالشورى والبيعة وهما – أصلاً – قد أشير إليهما في القرآن الكريم ([22])، ومنصب الخلافة أحياناً يطلق عليه لفظ الإمامة أو الإمارة وقد أجمع المسلمون على وجوب الخلافة وأن تعيين الخليفة فرض على المسلمين يرعى شؤون الأمّة، ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدّعوة الإسلامية، وعلى حماية الدين، والأمة بالجهاد، وعلى تطبيق الشريعة وحماية حقوق الناس، ورفع المظالم، وتوفير الحاجات الضرورية لكل فرد.



وقد أطلق المسلمون هذه الألقاب: الخليفة، الإمام، أمير المؤمنين في تاريخهم السياسي وهذه ليست من الأمور التعبدية، وإنما هي مصطلحات وجدت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واصطلح الناس عليها، وقد أطلق المسلمون غير هذه الألقاب في وقت لاحق، كلقب الأمير، كما كان الحال في الأندلس، وكذلك لقب السلطان، كما تسمى بذلك الحكام في التاريخ الإسلامي، لقباً من هذه الألقاب، إذ المهم في هذا المجال أن يكون المسلمون ورئيسهم خاضعين للتشريع الإسلامي عقيدة وشريعة، بغض النظر عن الألقاب التي يمكن أن تطلق على هذا الرئيس سواء كان لقبه الخليفة أم أمير المؤمنين أم رئيس الدولة أم رئيس الجمهورية، فيمكن إطلاق أحد هذه الألقاب أو غيرها وهذا يرجع إلى ما يتعارف عليه الناس ([23]).



س- مجموعة من المبادئ السياسية من سقيفة بني ساعدة:

أفرز ما دار في سقيفه بني ساعدة مجموعة من المبادئ : منها أن قيادة الأمّة لا تقام إلا بالاختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب دينا، والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة تّم وفق مقومات إسلامية وشخصية، وأخلاقية، وأن الخلافة لا تدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبيَّة، أو القبلية وأن إثارة 'قريش' في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقعاً يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيءٍ مشابه مالم يكن متعارضاً مع أصول الإسلام، وأنَّ الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين حيث لا هرج ولا مرج، ولا تكذيب، ولا مؤامرات ولا نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنُّصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية ([24]) ومن الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية من حادثة السقيفة.

- أوَّل ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن نظام الحكم ودستور الدولة يقَّرر بالشورى الحرّة، تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا المبدأ محلَّ إجماع وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى أي أن هذا الإجماع كشف وأكّد أوّل أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام، وهو الشورى الملزمة، وهذا أول مبدأ دستورئَّ تقرَّر بالإجماع بعد وفاة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ثمَّ إن هذا الإجماع لم يكن إلا تأييداً، وتطبيقاً لنصوص الكتاب، والسُّنَّة التي أوجبت الشورى.

- تقرر يوم السقيفة أيضاً: أن اختيار رئيس الدولة، أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطاته يجب أن يتمَّ بالشورى أي البيعة الحّرة التي تمنحه تفويضاً ليتولى الولاية بالشروط والقيود التي يتضمَّنها عقد البيعة الاختيارية الحّرة – الدستور في النظم المعاصرة – وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقّرها الإجماع، وكان قراراً إجماعياً كالقرار السابق.

- تطبيقاً للمبدأين السابقين، قرّر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر، ليكون الخليفة الأوَّل للدولـة الإسـلامية ([25]).

ثم إن هذا الترشيح لم يصحَّ نهائياً إلا بعد أن تَّمت له البيعة العامة، أي : موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه الذي ألقاه ([26]).



ع- البيعة العامة:

بعد أن تمَّت بيعة أبي بكر – رضي الله عنه – البيعة الخاصَّة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر رضي الله عنه – في اليوم التالي موقف في تأييد أبي بكر، وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون للبيعة العامة، ومما قاله عمر في حق أبي بكر : ... وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن اعتصمتم به، هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبابكر بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبو بكر فحمد الله، وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال : أما بعد أيُّها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت؛ فأعينوني، وإن أسأت فقوَّموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويُّ عندي حتى أرُجع عليه حقه إن شاء الله، والقويُّ فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحقَّ منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهَّم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله، ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله ([27]).

وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الإسلامية على إيجازها، وقد قرَّر الصديق فيها قواعد، العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، وركَّز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمّة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد ([28]).



2- الشورى في قتال مانعي الزكاة والمرتدين:

لما كانت الرّدة؛ قام أبو بكر – رضي الله عنه في الناس خطيباً فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال : الحمد الله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى، إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم والعلم شريد والإسلام غريب طريد، قد رثَّ حبله، وخِلق ثوبه وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب، فلا يعطيهم خيراً لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شراً لشَّر عندهم، وقد غيرَّوا كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه، والعرب الآمنون يحسبون : أنهّم في منعة من الله، لا يعبدونه، ولا يدعونه فأجهدهم عيشاً وأظلهم ديناً، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السَّحاب، فختمهم الله بمحمد، وجعلهم الأمة الوسطى ونصرهم بمن اتَّبعهم ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيَّه، فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزل عليه وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم: 'وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ

انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ' ( عمران, آية: ١٤٤).

إنَّ من حولكم من العرب قد منعوا شاتهم، وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم – وإن رجعوا إليه – أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما تقدم من بركة نبيَّكم وقد وكَّلكم إلى المولى الكافي الذي وجده ضالاً فهداه، وعائلا فأغناه : 'وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ' ( آل عمران, آية: ١٠٣).

والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده، ويوفي لنا عهده ويُقتل من قتل منا شهيداً من أهل الجنة، ويبقى من بقي منا خليفته، وذريته في أرضه، قضاء الله الحق وقوله الذي لا خلف له:

' وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ

الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ '( النور, آية: ٥٥). ([29]) وقد أشار بعض الصحابة، ومنهم عمر على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، ثم هم بعد ذلك يزكّون، فامتنع الصَّديَّق عن ذلك وأباه ([30]).

فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر – قد تولى الخلافة – وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه – كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا إلا إله إلا الله، فمن قالها، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقَّه، وحسابه على الله، فقال: والله؛ لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصَّلاة والزَّكاة حقُّ المال، والله لو منعني عَناقاً ([31]) كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله؛ لقاتلتهم على منعها. وفي رواية : والله لو منعوني عِقالا ([32])، كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعه، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت : أنه الحق ([33])، ثمَّ قال عمر بعد ذلك: والله لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمَّة جميعاً في قتال أهل الردَّة ([34])، وبذلك يكون أبوبكر قد كشف لعمر – وهو يناقشه – عن ناحية فقهية مهمة أجلاها له، وكانت قد غابت عنه، وهي أن جمّلة جاءت في الحديث النبوي الشريف الذي احتج به عمر هي الدّليل على وجوب محاربة من منع الزكاة حتى وإن نطق بالشهادتين، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قالوها؛ عصموا منيَّ دماءهم، وأموالهم إلا بحقَّها ([35]). وفعلاً كان رأي أبي بكر في حرب المرتدين راياً مسدداً، وهو الرأي الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة الإسلام والمسلمين، وأي موقف غيره سيكون فيه الفشل، والضيَّاع والهزيمة والرجوع إلى الجاهلية، ولولا الله، ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ، وتحّولت مسيرته، ورجعت عقارب الساعة إلى الوراء، ولعادت الجاهليَّة تعيث في الأرض فساداً ([36]).

لقد تجلى فهمه الدقيق للإسلام وشدّة غيرته على هذا الدين، وبقاؤه على ما كان عليه في عهد نبيَّه في الكلمة التي فاض بها لسانه ونطق بها جنانه، وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة، وكتاباً حافلاً، وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا الزكاة إلى بيت المال أو منعوها مطلقاً، وأنكروا فرضيتَّها : قد انقطع الوحي، وتمَّ الدين أينقص وأنا حيُّ؟ ([37]).

وفي رواية : قال عمر: فقلت: يا خليفة رسول الله تألَّف الناس فأرفق بهم. فقال لي: أجبار في الجاهلية خّوار في الإسلام قد انقطع الوحي، وتَّم الدَّين أينقص وأنا ([38]) حيُّ ؟ لقد سمع أبو بكر وجهات نظر الصَّحابة في حرب المرتدَّين، وما عزم على خوض الحرب إلا بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح إلا أنَّه كان سريع القرار، حاسم الرأي، فلم يتردَّد لحظة بعد ظهور الصَّواب له، وعدم التردُّد كان سمة بارزة من سمات أبي بكر هذا الخليفة العظيم – في حياته كلَّها، ولقد اقتنع المسلمون بصحَّة رأيه، ورجعوا إلى قوله، واستصوبوه لقد كان أبو بكر – رضي الله عنه – أبعد الصحابة نظراً، وأحقهم فهماً، وأربطهم جناناً في هذه الطامة العظيمة ([39])، والمفاجأة المذهلة.



3- الشورى في جمع القرآن:

كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفظه القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبوبكر – رضي الله عنه بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله – بجمع القرآن حيث جمع من الرَّقاع، والعظام، والسَّعف، ومن صدور الرَّجال ([40])، وأسند الصديق هذا العمل العظيم إلى الصَّحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري – رضي الله عنه – يروي زيد بن ثابت فيقول: بعث إليَّ أبو بكر – لمقتل أهل اليمامة ([41])، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه - : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد ([42])استحَّر يوم القيامة بقرَّاء القرآن وإنيَّ أخشى أن يستحَّر القتل بالقرَّاء في المواطن ([43])، كلهَّا فيذهب كثير من القرآن وإنيَّ أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقال لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ([44]) فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتَّى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبوبكر : وإنك رجل شاب عاقل لا نتهَّمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبَّع القرآن، فاجمعه. قال زيد فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليَّ ممَّا كلفني به من جمع القرآن؛ فتتبعت القرآن من العَسَب ([45]) واللَّخاف ([46]) وصدور الرَّجال، والرَّقاع، والأكتاف ([47]) قال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجده مع أحد غيره قال تعالى :

' لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ 'التوبة، آية: 128' حتى خاتمة براءة وكانت الصحف عند أبي بكر في حياته، حتى توفَّاه لله، ثم عند عمر في حياته، حتى توفَّاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم ([48]).

وهكذا فجمع القرآن الكريم فيه دليل عملي على ممارسة الشورى الجماعية، فقد اتسع نطاق الشورى، وتبادل الرأي، والمراجعة العلمية وذلك مما كان سبباً في الإقناع وإجتماع الرأي ([49])على إنجاز هذا المشروع الحضاري العظيم.


4- الشورى في القضاء:

كان أبو بكر – رضي الله عنه، إذا ورد عليه حكم، نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به؛ قضى فإن لم يجد في كتاب الله، نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجد فيها ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء، فربَّما قام إليه القوم فيقولون : قضى فيه بكذا أو بكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول عندئذ: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبيَّنا، وإن أعياه ذلك، دعا رؤوس المسلمين، وعلماءهم، استشارهم فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به([50]).

ويظهر : أن الصديق يرى الشورى ملزمة إذا اجتمع رأي أهل الشورى على أمر، إذ لا يجوز للإمام مخالفتهم ([51]).



5- الشورى في الجهاد:

دعا عمر، وعثمان، وعليا وطلحة، والزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبا عبيدة بن الجرَّاح ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر، وغيرهم، فدخلوا عليه فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لا تحصى نعمه ولا تبلغ الأعمال جزاءها، فله الحمد كثيراً على ما اصطنع عندكم من جمع كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا بالله، ولا أن تتخَّذ إلهاً غيرها، فالعرب أمة واحدة، بنو أب وأمَّ وقد أردت أن ستفزكم إلى الرَّوم بالشَّام، فمن هلك؛ هلك شهيد، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش، عاش مدافعاً عن الدين، مستوجباً على الله عز وجل ثواب المجاهدين، هذا رأيي الذي رأيت، فليشر عليَّ كلُّ امرىءِ بمبلغ رأيه ([52])وقد أجمع الصحابة على موافقة الصديق في غزو الروم وإنما تنوعت وجهات نظر بعضهم في كيفية هذا الغزو، فكان رأي عمر إرسال الجيوش تلو الجيوش حتى تتجمع في الشَّام فتكون قّوة كبيرة تستطيع أن تعمد للأعداء وكان رأي عبدالرحمن بن عوف أن يبدأ الغزو بقّوات صغيرة، تغير على أطراف الشام ثم تعود إلى المدينة، حتى إذا تّم إرهاب العدوَّ وإضعافه؛ تبعث الجيوش الكبيرة وقد أخذ أبوبكر برأي عمر في هذا الأمر، واستفاد من رأي عبدالرحمن بن عوف فيما يتعلقَّ بطلب المدد بالجيوش من قبائل العرب وخاصَّة أهل اليمن ([53]).

وفي وصيته ليزيد بن أبي سفيان قائد أول جيش أرسل إلى بلاد الشام لفتح دمشق، أشار الصديق إلى أمور مهمة في الجهاد، وأسباب النصر على الأعداء

لما أراد أبوبكر – رضي الله عنه – أن يجهَّز الجنود إلى الشام وقد أوصاه بأهمية الشورى فقال له: وإذا استشرت فاصدق الحديث، تُصدق المشورة، ولا تحزن عن المشير؛ خبرك، فتُوْتي من قبل نفسك ([54]).

فبين الصديق ليزيد بن أبي سفيان، بأن إتقان المشورة أهمُّ من النظر في نتائجها، فإن المستشار وإن كان حصيف الرأي، ثاقب الفكر، فإنَّه لا يستطيع أن يفيد من استشاره حتى ينكشف له أمره بغاية الوضوح، فإذا أخفى المستشير بعض تفاصيل القضيَّة، فإنَّه يكون قد جنى على نفسه، حيث قد يتضرر بهذه المشورة ([55]).

وقال الصديق لعمرو بن العاص في وصيته له لما أرسله على رأس جيش لفتح فلسطين ببلاد الشام: .. ولا تدخر عنهم صالح مشورةِ، فربَّ رأي محمود في الحرب، مبارك في عواقب الأمور ([56]).

--------------------------------------------------------------------------------

([1])الشورى في معركة البناء ص 107.

([2])التاريخ الإسلامي (9/21).

([3])عصر الخلافة الراشدة للعمري ص 40.

([4])الرَّجلان هما : عويم بن ساعدة ومعن بن عدي.

([5])أي: عدد قليل.

([6])أي : يخرجوننا من أمر الخلافة.

([7])أعددت في نفسي.

([8])الجُذيل: عود ينصب للإبل الجربي لتحتكَّ به.

([9])المحكك : الذي يحتك به كثيراً، أراد أنه يستشفي برابة، والعذيق: النخَّلة، أي: الذي يعتمد عليه.

([10])البخاري، : ك الحدود رقم 6830.

([11])مسند أحمد (1/5) الخلافة والخلفاء البهنساوي ص 50.

([12])التاريخ الإسلامي (9/24).

([13])العواصم من القواصم لأبن العربي المالكي ص 10.

([14])التاريخ الإسلامي (9/24).

([15])الإسلام وأصول الحكم محمد عمارة ص 71 - 74.

([16])الأنصار في العصر الراشدي، د. حامد الخليفة ص 109.

([17])أبوبكر الصديق للصَّلاَّبي ص 128.

([18])المصدر نفسه ص 128.

([19])الشورى في معركة البناء ص 109.

([20])أبو بكر الصديق للصَّلاَّبي ص 141.

([21])عصر الخلفاء الراشدين فتحية النبراوي ص 23.

([22])المصدر نفسه ص 23.

([23])علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 193.

([24])دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة د. عبدالرحمان الشجاع ص 256.

([25])فقه الشورى والاستشارة د. توفيق الشاوي ص 140.

([26])المصدر نفسه ص 142.

([27])البداية والنهاية لابن كثير (6/305 ، 306) إسناده صحيح.

([28])التاريخ الإسلامي (9/28).

([29])البداية والنهاية (6/316).

([30])البداية والنهاية (6/315).

([31])عناقاً : الأنثى من ولد الماعر.

([32])عِقالاً: هو الحبل الذي يعقل به البعير.

([33])البخاري رقم 1400 مسلم رقم 20.

([34])حروب الردة، محمد أحمد باشميل ص 24.

([35])مسلم رقم 21.

([36])الشورى بين الأصالة والمعاصرة للتميمي ص 86.

([37])المرتضى لأبي الحسن النَّدوي ص 70.

([38])أبو بكر الصديق للصَّلاَّبي.

([39])حركة الردة د. علي الغنوم ص 165.

([40])حروب الردة وبناء الدولة الإسلامية، أحمد سعيد ص 145.

([41])يعني واقعة يوم اليمامة ضدَّ مسيلمة الكذّاب وأعوانه.

([42])استحرَّ : كثر واشتد.

([43])أي في الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار.

([44])أبوبكر الصديق للصَّلاَّبي.

([45])العسب جريد النخل.

([46])اللّخاف : جمع لخفة وهي صفائح الحجارة.

([47])الأكتاف : جمع كتف وهو العظم الذي للبعير.

([48])البخاري رقم 4986.

([49])الشوري د. أحمد الإمام ص 40.

([50])موسوعة فقه أبي بكر الصديق قلعجي ص 155.

([51])أبوبكر الصديق للصَّلاَّبي ص 173.

([52])أبو بكر الصديق ص 370 للصَّلاَّبي.

([53])المصدر نفسه ص 372 التاريخ الإسلامي للحميدي (9/188).

([54])الكامل في التاريخ لابن الأثير (2/64، 65).

([55])التاريخ الإسلامي (9/192 – 197).

([56])أبوبكر الصديق للصَّلاَّبي ص 382.
  رد مع اقتباس
قديم 04-02-2010, 01:43 PM   رقم المشاركة : ( 6 )
عضو شرف


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 599
تـاريخ التسجيـل : Nov 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 250 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو اسحاق الاجدابي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ابو اسحاق الاجدابي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الشورى في الإسلام

الشورى في الإسلام(6)


الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي

بسم الله الرحمن الرحيم



خامساً: الشورى في عهد الفاروق:

بيعة عمر بن الحطاب

لما اشتد المرض بأبي بكر جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتاً لما بي، وقد أطلق الله إيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم فأمروا عليكم من أحببتم؛ فإنكم إن أمرتم في حياتي كان أجدر ألا تختلفوا بعدي ([1])، وتشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه إذ يرى فيه الصلاح والأهلية؛ لذا رجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبوبكر عبدالرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبوبكر: وإن فقال عبدالرحمن : هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم، على ذلك يا أبا عبدالله، فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبوبكر : يرحمك الله، والله لو تركته ما عَدَوْتُك ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وكذلك استشار سعيد بن زيد وعدداً من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر إلا طلحة بن عبيد الله خاف من شدته، فقال لأبي بكر: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبوبكر :أجلسوني أبالله تخوفونني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول اللهم استخلف عليهم خير أهلك ([2])، وبين لهم سبب غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما عليه ([3])، ثم كتب عهداً مكتوباً يقرأ على الناس في المدينة وفي الأمصار عن طريق أمراء الأجناد، فكان نص العهد: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبوبكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه وإن بدل فلكل امرى. ما اكتسب والخير أردت ولا أعلم الغيب :' إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ' (الشعراء, آية: 227).

وأراد الصديق أن يبلغ الناس بلسانه واعياً مدركاً، حتى لا يحصل أي لبس، فأشرف أبوبكر على الناس وقال لهم: أترضون بمن استخلف عليكم، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا سمعنا وأطعنا ([4]).

وتوجه الصديق رضي الله عنه بالدعاء إلى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه، وهو يقول: اللهم وليته بغير أمر نبيك ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي، فوَّليت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ([5]).

وكلف أبوبكر عثمان رضي الله عنهما: بأن يتولى قراءة العهد على الناس وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر، بعد أن ختمه لمزيد من التوثيق والحرص على إمضاء الأمر، دون أي آثار سلبية وقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم فأقروا بذلك جميعاً ورضوا به ([6])، فبعد أن قرأ العهد على الناس ورضوا به أقبلوا عليه وبايعوه ([7])، واختلى الصديق بالفاروق وأوصاه بمجموعة من التوصيات لإخلاء ذمته من أي شي؛ حتى يمضي إلى ربه خالياً من أي تبعة بعد أن بذل قصارى جهده واجتهاده ([8]).

وقد جاء في الوصية: اتق الله يا عمر، وأعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي فريضة وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل غداً أن يكون خفيفاً، وأن الله تعالى، ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف ألا ألحق بهم، وإن الله – تعالى – ذكر أهل النار، فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وردّ عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم، قلت : إني لأرجوا ألا أكون مع هؤلاء ليكون العبد راغباً راهباً، لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت ولست تُعجزه ([9]).

وباشر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر ([10])، كما أن ترشيح أبي بكر الصديق رضي الله عنه لعمر بن الخطاب، لم يأخذ قوته الشرعية إلا بعدما وافق المسلمون على ذلك، وهذا ما تحقق حين طلب أبوبكر من الناس أن يبحثوا لأنفسهم عن خليفة من بعده، فوضعوا الأمر بين يديه، وقالوا له: رأينا إنما هو رأيك([11])،ولم يقّرر أبو بكر الترشيح إلا بعد أن استشار أعيان الصحابة فسأل كل واحد على انفراد، ولما ترجح لديه اتفاقهم أعلن ترشيحه لعمر، فكان ترشيح أبي بكر صادراً عن استقراء لآراء الأمة من خلال أعيانها، على أن هذا الترشيح لا يأخذ قوته الشرعية إلا بقبول الأمة به؛ ذلك أن اختيار الحاكم حق للأمة، والخليفة يتصرف بالوكالة عن الأمة، ولابد من رضا الأصيل؛ ولهذا توجه أبوبكر إلى الأمة: أترضون بمن استخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهدي الرأي ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا ([12])، وفي وقول أبي بكر : أترضون بمن استخلف عليكم إشعار بأن الأمر للأمة وأنها هي صاحبة العلاقة والاختصاص ([13]).

إن عمر رضي الله عنه ولي الخلافة باتفاق أهل الحل والعقد وإرادتهم؛ فهم الذين وضعوا لأبي بكر انتخاب الخليفة وجعلوه نائباً عنهم في ذلك، فشاور ثم عين الخليفة ثم عرض هذا التعيين على الناس فأقروه، وأمضوه ووافقوا عليه، وأصحاب الحل والعقد في الأمة هم النواب 'الطبيعيون' عن هذه الأمة، وإذن فلم يكن استخلاف عمر رضي الله عنه إلا على أصح الأساليب الشورية وأعدلها ([14]).

إن الخطوات التي سار عليها أبوبكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لا تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه، وهكذا تم عقد الخلافة لعمر رضي الله عنه بالشورى والاتفاق، ولم يورد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحداً نهض طول عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة ([15]).



2- الشورى في أراضي الخراج:

الخراج له معنيان : عام وهو كل إيراد وصل إلى بيت مال المسلمين من غير الصدقات، فهو يدخل في المعنى العام للفيء ويدخل فيه إيراد الجزية وإيراد العشور وغير ذلك وله معنى خاص: وهو إيراد الأرض التي افتتحها المسلمون عنوة وأوقفها الإمام لمصالح المسلمين على الدوام كما فعل عمر بأرض السواد من العراق والشام والخراج، لا يقاس بإجارة ولا ثمن، بل هو أصل ثابت بنفسه لا يقاس بغيره([16]).

عندما قويت شوكة الإسلام بالفتوحات العظيمة وبالذات بعد القضاء على القوتين العظيمتين الفرس والروم، تعددت موارد المال في الدولة الإسلامية وكثرة مصارفه وللمحافظة على كيان هذه الدولة المترامية الأطراف وصون عزها وسلطانها وضمان مصالح العامة، والخاصة كان لابد من سياسة مالية حكيمة رشيدة، فكر لها عمر رضي الله عنه، ألا وهي إيجاد مورد مالي ثابت ودائم للقيام بهذه المهام، وهذا المورد هو: الخراج فقد أراد الفاتحون أن تقسم عليهم الغنائم من أموال وأراض وفقاً لما جاء في القرآن الكريم خاصَّا بالغنائم: ' وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ َلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ' ) الأنفال, آية: ٤١).

وقد أراد عمر رضي الله عنه في بداية الأمر تقسيم الأرض بين الفاتحين، ولكن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رأى عدم التقسيم، وشاركه الرأي معاذ بن جبل وحُذَّر عمر من ذلك ([17]). وقد روى أبو عبيدة قائلاً: قدم عمر الجابيه فأراد قسم الأراضي بين المسلمين فقال معاذ: والله إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يـأتي مـن بعدهم قوم يُسدون من الإسلام مسدّاً، وهم لا يجدون شيئاً فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم ([18]) لقد نبه معاذ بن جبل رضي الله عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى أمر عظيم، جعل يتتبع آيات القرآن الكريم، ويتأملها مفكراً في معنى كل كلمة يقرؤها حتى توقف عند آيات تقسيم الفيء في سورة الحشر، فتبين له أنها تشير إلى الفيء للمسلمين في الوقت الحاضر، ولمن يأتي بعدهم، فعزم على تنفيذ رأي معاذ رضي الله عنه، فانتشر خبر ذلك بين الناس ووقع خلاف بينه وبين بعض الصحابة ومنهم بلال بن رباح والزبير بن العوام يرون تقسيمها، كما تقسم غنيمة العسكر، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، فأبى عمر رضي الله عنه التقسيم وتلا عليهم الآيات الخمسة من سورة الحشر من قوله تعالى : 'وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ' (الحشر, آية:٦ ) حتى فرغ من شأن بني النضير ثم قال: 'مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ' (الحشر, آية: ٧ ( فهذه عامة في القرى كلها ثم قال: ' لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ' (الحشر, آية: ٨ ( ثم لم يرضى حتى خلط بهم غيرهم فقال: ' يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ' (الحشر, آية: ٩). فهذا في الأنصار خاصة ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال:' وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ' (الحشر, آية: ١٠).


فكانت هذه عامة لمن جاء بعدهم، فما من أحد من المسلمين إلا له في هذا الفيء حتى قال عمر لئن بقيت ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه ([19]).

وفي رواية أخرى جاء فيها قال عمر: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت ما هذا برأي فقال عمر : ما هو إلا كما تقول ولست أرى ذلك والله لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل بل عسى أن يكون كَلاَّ على المسلمين، فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها، فما يسد به الثغور؟ وما يكون للذرية والأرامل لهذا البلد وبغيره من أراضي الشام والعراق؟ فأكثروا على عمر وقالوا: تقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا، ولأبناء القوم وأبناء أبنائهم ولم يحضروا، فكان عمر رضي الله عنه لا يزيد على أن يقول: هذا رأيي، قالوا: فاستشر، فأرسل إلى عشرة من الأنصار من كبراء الأوس والخزرج وأشرفهم فخطبهم وكان مما قال لهم: إني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي، ثم قال: قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها واضعاً عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرية، ولمن يأتي من بعدهم، أرايتم هذه الثغور لابد لها من رجال يلزمونها أرايتم هذه المدن العظام لا بدلها من أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم فمن أين يُعطي هؤلاء إذا قسمت الأرض والعلوج؟ فقالوا جميعاً: الرأي رأيك فنعم ما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقوّون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم ([20])، وقد قال عمر فيما قاله: لو قسمتها بينهم لصارت دولة بين الأغنياء منكم، ولم يكن لما جاء بعدهم من المسلمين شيء، وقد جعل الله لهم فيها الحق بقوله تعالى : 'فاستوعبت الآية الناس إلى يوم القيامة، وبعد ذلك استقر رأي عمر وكبار الصحابة رضي الله عنهم على عدم قسمة الأرض ([21]) وفي حواره مع الصحابة يظهر أسلوب الفاروق في الجدل وكيف جمع فيه قوة الدليل وروعة الصسورة واستمالة الخصم في مقالته التي قال للأنصار، عند المناقشة في أمر أرض السواد، ولو أن رئيساً ناشئاً في السياسة، متمرساً بأساليب الخطب البرلمانية أراد أن يخطب النواب 'لينال موافقتهم' على مشروع من المشروعات لم يجئ بأرقّ من هذا المدخل أو أعجب من هذا الأسلوب، وامتاز عمر فوق ذلك بأنه كان صادقاً فما يقول، ولم يكن فيه سياسياً مخادعاً وأنه جاء به في نمط من البيان يسمو على الأشباه والأمثال ([22]) لم يكن الفاروق مخالفاً للهدي النبوي في عدم تقسيمه للأراضي المفتوحة، وقد كان سنده، فيما فعل – أموراً منها:

- آية الفيء في سورة الحشر.

- عمل النبي صلى الله عليه وسلم حينما فتح مكة عنوة فتركها لأهلها ولم يضع عليها خراجاً.

- قرار مجلس الشورى الذي عقده عمر بهذه المسألة بعد الحوار والمجادلة وقد أصبح سنة متبعة في أرض يظهر عليها المسلمون ويقرون أهلها عليها، وبهذا يظهر أن عمر حينما ميز بين الغنائم المنقولة وبين الأراضي كان متمسكاً بدلائل النصوص، وجمع بينها وأنزل كلاً منها منزلته التي يرشد إليها النظر الجامع السديد، يضاف إلى ذلك أن عمر كان يقصد أن تبقي لأهل البلاد ثرواتهم وأن يعصم الجند الإسلامي من فتن النزاع على الأرض والعقار، ومن فتن الدعة والإنشغال بالثراء والحطام ([23]).

إن الفاروق رضي الله عنه كان يلجأ إلى القرآن الكريم يتلمس منه الحلول ويطوف بين مختلف آياته، ويتعمق في فهم منطوقها ومفهومها، ويجمع بينها ويخصص بعضها ببعض حتى يصل إلى نتائج تحقق المصالح المرجوة منها، مستلهماً روح الشريعة غير واقف مع ظواهر النصوص وقد أسعفه في قطع هذه المراحل إدراكه الدقيق لمقاصد الشريعة بتلكم النصوص، وهي عملية مركبة ومعقدة لا يحسن الخوض فيها إلا من تمرس على الاجتهاد وأعطي فيها فهماً سديداً وجرأة على الإقدام حيث يحسن الإقدام، حتى خيل للبعض أن عمر كان يضرب بالنصوص عُرْض الحائط في بعض الأحيان، وحاشا أن يفعل عمر رضي الله عنه ذلك لكنه كان مجتهداً ممتازاً اكتسب حاسة تشريعية لا تضاهي حتى كان يرى الرأي فينزل القرآن على وفقه، والنتيجة التي نخرج بها من هذه القضية هي أن القرآن يفسر بعضه بعضا، ومثله في السنة ([24]).

ما هي القيم والمصالح في عدم تقسيم أراضي الخراج؟

هناك جملة من المصالح التي استند إليها عمر بن الخطاب – والذين وافقوه على رأيه – في اتخاذ هذا القرار يمكنني تصنيفها إلى صنفين : أولهما : المصالح الداخلية وأهمها سد الطريق على الخلاف والقتال بين المسلمين، وضمان توافر مصادر ثابته لمعايش البلاد والعباد، وتوفير الحاجات المادية اللازمة للأجيال اللاحقة من المسلمين.

وثانيهما: المصالح الخارجية والتي يتمثل أهمها في توفير ما يسد ثغور المسلمين ويسّد حاجتها من الرجال والمؤن، والقدرة على تجهيز الجيوش، بما يستلزمه ذلك من كفالة الرواتب وإدرار العطاء وتمويل الإنفاق على العتاد والسلاح وترك بعض الأطراف لتتولى مهام الدفاع عن حدود الدولة وأراضيها اعتماداً على ما لديها من خراج، والذي يجب ملاحظته في هذه المصالح أن الخليفة أراد أن يضع بقراره دعائم ثابتة لأمن المجتمع السياسي ليس في عصره فقط، بل وفيما يليه من عصور بعده وعباراته من مثل 'فكيف بمن يأتي من المسلمين' 'وكرهت أن يترك المسلمون' التي توخي بنظرته المستقبلية لهذا الأمن الشامل تشهد على ذلك، وقد أثبت تطور الأحداث السياسية في عصر عمر بن الخطاب صواب وصدق ما قرره.

أ- إن تعدد أطوار اتخاذ القرار بعدم تقسيم الأراضي قد أكد أمرين: أولهما: أن بعض القرارات المهمة التي تمس المصالح الجوهرية للمسلمين قد تأخذ من الجهد والوقت الكثير، كما أنها قد تتطلب قدراً من الأناة في تبادل الحجج والبراهين دون أن يتيح ذلك مجالاً للخلاف وتعميق هوة الانقسام أحياناً أو يفوت بابا من أبواب تحقيق بعض المصالح الخاصة بأمن الأمة في حاضرها ومستقبلها، والأمر الثاني: أن بعض القرارات المهمة التي قد تخرج بعد عسر النقاش والحوار، والبداية المتعثرة لها، يفرض على الحاكم الشرعي أن يكون أول المسلمين وآخرهم جهداً في السعي إلى تضييق هوة الخلاف، والتقريب بين وجهات النظر المتعارضة لكي يصل بالمسلمين إلى الحكم الشرعي فيما هو متنازع بشأنه ([25]).
ب- إن تبادل الرأي والاجتهاد بين الخليفة والصحابة الذين لم يوافقوه على رأيه واستناد الكل في ذلك إلى النصوص المنزلة في الاجتهاد يثبت أن الفيصل في إبداء الآراء في القرارات السياسية عامة والتي تمس مصالح المسلمين بصفة مباشرة خاصة، هو أن تجيء هذه الآراء مستندة إلى النصوص المنزلة، أو ما ينبغي أن يتفرع عنها من مصادر أخرى لا تخرج عن أحكامها في محتواها ومبرراتها.

ج- إن لجوء الخليفة إلى استشارة أهل السابقة من كبار الصحابة العلماء في فقه الأحكام ومصادر الشرع، واستجابتهم بإخلاص النصح له، يؤكد أن أهل الشورى لهم مواصفات خاصة تميزهم فالذين يستشارون هم أهل الفقه والفهم والورع والدراية الواعون لدورهم، إنهم بعبارة أدق الذين لا إمعية في آرائهم، ومن دأبهم توطين أنفسهم على قول الحق وفعله غير خائفين في ذلك لومة لائم من حاكم أو غيره.

س- ثم يبقى القول: إن ما حدث بصدور قرار عدم تقسيم الأراضي يظل نموذجاً عالياً سار عليه الصحابة في كيفية التعامل وفق آداب الحوار وأخلاقيات مناقشة القضايا، وتقليب أوجهها المختلفة ابتداءً بمرحلة التفكير في اتخاذ القرار بعدم تقسيم الأراضي – بصفة مباشرة، أو غيـر مباشرة – وعلى رأسهم الخليفة الذي لم يخرج عن هذه الآداب رغم اختلاف اجتهاداتهم بشأنه ([26]).

بل إن الفاروق بين أن الحاكم مجرد فرد في هيئة الشورى، وأعلن الثقة في مجلس شورى الأمة، خالفته أو وافقته، والرد إلى كتاب الله، فقد قال رضي الله عنه: إني واحد منكم، كأحدكم، وأنتم اليوم تفرون بالحق، خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ومعكم من الله كتاب ينطق بالحق ([27]).


3- الشورى في بدء التاريخ الهجري:

يعد التاريخ بالهجرة تطوراً له خطره في النواحي الحضارية، وكان أول من وضع التاريخ بالهجرة عمر، ويحكى في سبب ذلك عدة روايات، فقد جاء عن ميمون بن مهران أنه قال: دُفع إلى عمر رضي الله عنه صَكُّ محله في شعبان، فقال عمر: شعبان هذا الذي مضى أو الذي هو آتٍ أو الذي نحن فيه، ثم جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ضعوا للناس شيئاً يعرفونه فقال قائل : اكتبوا على تاريخ الروم، فقيل: إنه يطول وإنهم يكتبون من عند ذي القرنين، فقال قائل: اكتبوا تاريخ الفرس قالوا: كلما قام ملك طرح ما كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فوجدوه أقام عشر سنين، فكتب أو كتبوا التاريخ على هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ([28])وعن عثمان بن عبيدالله قال سمعت سعيد بن المسيب يقول : جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم فقال: متى نكتب التاريخ؟ فقال له علي بن أبي طالب: منذ خرج النبي صلى الله عليه وسلم من أرض الشرك، من يوم هاجر قال، فكتب ذلك عمر بن الخطاب، وعن ابن المسيب قال: أول من كتب التاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من المحرم بمشورة على بن أبي طالب رضي الله عنه ([29])، وقال أبو الزناد ([30]): واستشار عمر في التاريخ، فأجمعوا على الهجرة ([31])، وروى ابن حجر في سبب جعلهم بداية التاريخ في شهر محرم وليس في ربيع الأول الشهر الذي تمت فيه هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أن الصحابة الذين أشاروا على عمر وجدوا أن الأمور التي يمكن أن يؤرخ بها أربعة، هي مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، ووجدوا أن المولد والمبعث لا يخلون من النزاع في تعيين سنة حدوثهما وأعرضوا عن التاريخ بوفاته لما يثيره من الحزن والأسى عند المسلمين، فلم يبق إلا الهجرة وإنما أخروه في ربيع الأول إلى المحرم، لأن ابتداء العزم على الهجرة كان من المحرم؛ إذ وقعت بيعة العقبة الثانية في ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هو هلال محرم، فناسب أن يجُعل مبتدأ .. ثم قال ابن حجر: وهذا أنسب ما وقعت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم ([32]).

وبهذا الحدث الإداري المتميز أسهم الفاروق في إحداث وحدة شاملة بكل ما تحمله من معنى في شبه الجزيرة، حيث ظهرت وحدة العقيدة بوجود دين واحد ووحدة الأمة، بإزالة الفوارق، ووحدة الاتجاه باتخاذ تاريخ واحد، فاستطاع أن يواجه عدوه وهو واثق من النصر([33]).



4- لقب أمير المؤمنين:

لما مات أبوبكر رضي الله عنه وكان يدعى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المسلمون: من جاء بعد عمر قيل له: خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطول هذا، ولكن أجمعوا على اسم تدعون به الخليفة، يُدعى به من بعده من الخلفاء فقال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن المؤمنون وعمر أميرنا، فدعي عمر أمير المؤمنين، فهو أول من سمي بذلك ([34]).



5- المشورة في اختيار الولاة:

كان اختيار الولاة يتم بعد مشاورة الخليفة لكبار الصحابة ([35])، فقد قال رضي الله عنه لأصحابه يوماً: دلوني على رجل إذا كان في القوم أميراً فكأنه ليس بأمير، وإذا لم يكن بأمير فكأنه أمير، فأشاروا إلى الربيع بن زياد ([36])، وقد استشار عمر رضي الله عنه الصحابة في من يولي على أهل الكوفة فقال لهم: من يعذرني من أهل الكوفة ومن تجنيهم على أمرائهم، إن استعملت عليهم عفيفاً استضعفوه، وإن استعملت عليه قوياً فجّروه ([37])، ثم قال: أيها الناس ما تقولون في رجل ضعيف غير أنه مسلم تقي وآخر قوي مشددّ أيهما الأصلح للإمارة ؟ فتكلم المغيرة بن شعبة فقال: يا أمير المؤمنين إن الضعيف المسلم إسلامه لنفسه وضعفه عليك وعلى المسلمين والقوي المشّدد فشداده على نفسه وقوته لك وللمسلمين فاعمل في ذلك رأيك. فقال عمر: صدقت يا مغيرة، ثم ولاه الكوفة وقال له: انظر أن تكون ممن يأمنه الأبرار ويخافه الفجار فقال المغيرة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين ([38]).

وشدد عمر على الولاة في استشارة أهل الرأي في بلادهم، وكان الولاة يطبقون ذلك ويعقدون مجالس للناس لأخذ آرائهم وكان يأمر ولاته باستمرار بمشاورة أهل الرأي ([39])، وطلب من ولاته إنزال الناس منازلهم، فقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري : بلغني أنك تأذن للناس جمَّا غفيراً، فإذا جاءك كتابي هذا فأذن لأهل الشرف وأهل القرآن والتقوى والدين فإذا أخذوا مجالسهم فأذن للعامة، وكتب إليه أيضاً: لم يزال للناس وجوه يرفعون حوائج الناس فأكرموا وجوه الناس، فإنه بحسب المسلم الضعيف أن ينتصف في الحكم والقسمة ([40]).



6- تدوين الدواوين:

استشار عمر المسلمين في تدوين الدواوين، فأشار بعضهم بما يراه إلا أن الوليد، بن هشام بن المغيرة، قال: جئت الشام فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديواناً وجندوا جنداً، فدوَّن ديواناً، وجند جنداً، وفي بعض الروايات أن الذي قال ذلك هو خالد بن الوليد ([41])، وذكر بعض المؤرخين أنه كان بالمدينة بعض مرازبة الفرس، فلما رأى حيرة عمر قال له : يا أمير المؤمين : إن للأكاسرة شيئاً يسمونه ديواناً جميع دخلهم وخرجهم مضبوطة فيه لا يشذ منه شيء، وأهل العطاء مرتبون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل، فتنبه عمر وقال: صفه لي، فوصفه المرزبان، فدون الدواوين وفرض العطاء ([42]) وقد حبذ عثمان التدوين فأشار برأيه : أرى مالاً كثيراً يسع الناس وإن لم يحصلوا حتى يُعرف من أخذ ممن لم يأخذ، خشية أن ينتشر الأمر ([43])، هذه بعض الروايات التي حدثت بناءً على استشارة عمر رضي الله عنه في مرات متعددة لمن يحضرون عنده ([44]).



7- الحجر الصحي:

خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد : أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال عمر: أدع لي المهاجرين فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر ولا نرى أن نرجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني، ثم قال : أدع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: أدع لي من كان هنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا : نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس : إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة : أفراراً من قدر الله ؟ فقال عمر رضي الله عنه : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك: إبل هبطت وادياً له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال : فجاء عبدالرحمن بن عوف وكان متغيباً في بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه. قال: فحمد الله عمر ثم انصرف ([45]).

وفي مشورة عمر رضي الله عنه أصحابه في هذه الحادثة فوائد منها:

- حرص ولي الأمر على مصالح المسلمين العامة وعدم إقدامه على إتخاذ قرار لم يتبين له فيه وجه الصواب لما في ذلك من المخاطرة بالمسلمين.

- مشاورة كل من أمكن حضوره من أهل الحل والعقد لما في ذلك من تمحيص الآراء والوصول إلى رأي مفيد عن طريق قدح عقول كثيرة – وهذا موضع الشاهد من القصة.

- جواز اجتماع ولي الأمر برعيته على فئات متجانسة كما فعل عمر رضي الله عنه هنا حيث قسمهم إلى ثلاث فئات : فئة الأنصار، وفئة المهاجرين، وفئة مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح، لأنه كلما كان العدد المشاور أقل كان النقاش أوسع لسعة الوقت.

- الاستئناس برأي كبار السن ذوي الرأي والتجربة.

- الاستئناس بالرأي الموحد، كما استأنس عمر برأي مشيخة الفتح لعدم اختلافهم.

- فتح الباب لمن أراد أن يستفسر لإزالة شبهة عنده ولو كان ولي الأمر قد انتهى إلى الأخذ بأحد الآراء، لأن إزالة الشبه من نفوس الرعية تأليفاً لقلوبهم واطمئناناً يجعلهم يشاركون إخوانهم في الرأي وتنفيذه، كما أنه ينبغي أن يكون عند ولي الأمر القدرة على إيراد الحجج المقنعة ولكن ذلك لا يبيح للرعية أو بعضهم أن يقفوا موقف المعارضين، لما تم التوصل إليه من الشورى وبعد عزم ولي الأمر على انفاذه ' فإذا عزمت فتوكل على الله'.

- أن الله تعالى يوفق ولي الأمر ورعيته للصواب إذا أخلصوا في مشاورتهم وقصدوا المصلحة العامة.

- أن أهل الشورى مهما كثروا قد يغيب عنهم الدليل على المسألة من الكتاب أو السنة، ولو كانوا علماء مجتهدين مع وجوده عند من غاب من مجلسهم كما دلت على ذلك تلك المناقشة الطويلة ولو كان عند أحدهم دليل لذكره ولما كان هناك حاجة للمناقشة، حتى جاء عبدالرحمن بن عوف فذكر الدليل فحمد الله عمر على موافقته ([46]).

ويؤخذ من هذا أنه يجب على ولي الأمر أن يحرص على الإكثار من العلماء في مجلس شوراه، لما في ذلك من إمكان استحضار بعضهم الدليل الذي يغني عن الشورى ويقطع الطريق من أول الطريق ([47]).



8- توسع نطاق الشورى في عهد عمر بن الخطاب:

توسع نطاق الشورى في خلافة عمر رضي الله عنه لكثرة المستجدات والأحداث، وامتداد رقعة الإسلام إلى بلاد ذات حضارات وتقاليد ونظم متباينة، فولدت مشكلات جديدة احتاجت إلى الاجتهاد الواسع مثل معاملة الأرض المفتوحة، وتنظيم العطاء وفق قواعد جديدة لتنفق أموال الفتوح على الدولة، فكان عمر يجمع للشورى أكبر عدد من الصحابة الكبار ([48])، وكان لأشياخ بدر مكانتهم الخاصة في الشورى، لفضلهم وعلمهم وسابقتهم، إلا أن عمر رضي الله عنه أخذ يشوبهم بشباب، فإنهم على دربهم ماضون والدولة لابد لها من تجديد رجالاتها، وكان عمر العبقري الفذ قد فطن إلى هذه الحقيقة، فأخذ يختار من شباب الأمة من علم منهم علماً وورعاً وتقى، فكان عبدالله بن عباس من أولهم، وما زال عمر يجتهد متخيراً من شباب الأمة مستشارين له متخذاً القرآن فيصلاً من التخير حتى قال عبد الله بن عباس: وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً ([49])، وقد قال الزهري لغلمان أحداث: لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يبتغي حدة عقولهم ([50]). وقال محمد بن سيرين: إن كان عمر رضي الله عنه يستشير في الأمر، حتى إن كان ليستشير المرأة فربما أبصر في قولها الشيء يستحسنه فيأخذه، وقد ثبت أنه استشار مرة أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ([51])، وقد كان لعمر رضي الله عنه خاصة من علية الصحابة وذوي الرأي، منهم العباس بن عبدالمطلب وابنه عبدالله وكان لا يكاد يفارقه في سفر ولا حضر، وعثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب([52])، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، ونظراؤهم، فكان يستشيرهم ويرجع ([53]) إليهم.

وكان المستشارون يبدون آراءهم بحرية تامة وصراحة كاملة، ولم يتهم عمر رضي الله عنه أحداً منهم في عدالته وأمانته وكان عمر رضي الله عنه يستشير في الأمور التي لا نص فيها من كتاب أو سنة، وهو يهدف إلى معرفة إن كان بعض الصحابة يحفظ فيها نصَّا من السنة، فقد كان بعض الصحابة يحفظ منها مالاً يحفظه الآخرون، وكذلك كان يستشير في فهم النصوص المحتملة لأكثر من معنى، لمعرفة المعاني والأوجه المختلفة، وفي هذين الأمرين قد يكتفي باستشارة الواحد أو العدد القليل، وأما في النوازل العامة فيجمع الصحابة، ويوسع النطاق ما استطاع كما فعل عند وقوع الطاعون بأرض الشام متوجها إليها ([54]).

وكانت مجالات الشورى في عهد عمر متعددة، منها في المجال الإداري والسياسي، كاختيار العمال والأمراء، والأمور العسكرية، ومنها في المسائل الشرعية المحضة، كالكشف في الحكم الشرعي من حيث الحل والحرمة والمسائل القضائية والذي نحب أن نؤكد عليه أن الخلافة الراشدة كانت قائمة على مبدأ الشورى المستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن في عهد عمر فلتة استنبطها ولا بدعة أتى بها، ولكنها قاعدة من قواعد المنهج الرباني ([55]).

ولقد اعتمد عمر رضي الله عنه مبدأ الشورى في دولته، فكان رضي الله عنه لا يستأثر بالأمر دون المسلمين ولا يستبد عليهم في شأن من الشؤون العامة، فإذا نزل به أمر لا يبرمه حتى يجمع المسلمين ويناقش الرأي معه فيه ويستشيرهم ([56]) ومن أقوال عمر بن الخطاب في الشورى : لا خير في أمر أبرم من غير شورى ([57]). وقوله: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين والمبرمين والثلاثة مرار لا يكاد ينتقض ([58]) قوله : شاور في أمرك من يخاف الله ([59]).

وكان يحث قادة حربه على الشورى، فعندما بعث أبا عبيد الثقفي لمحاربة الفرس بالعراق قاله له: أسمع وأطع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشركهم في الأمر وخاصة من كان منهم من أهل بدر ([60]) وكان يكتب إلى قادته بالعراق بأمرهم أن يشاوروا في أمورهم العسكرية عمرو بن معد يكرب وطلحة الأسدي قائلاً: استشيروا واستعينوا في حربكم بطلحة الأسدي وعمرو بن معد يكرب ولا تولهما من الأمر شيئاً فإن كل صانع أعلم ببضاعته([61])، وكتب إلى سعد بن أبي وقاص: وليكن عندك من العرب أول من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدقك في بعضه، والغاش عين عليك وليس عيناً لك ([62])، ومما قاله عمر رضي الله عنه لعتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة: قد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي أن يمدك بعرفجة بن هرشمة ([63])، ذو مجاهدة للعدو ومكايدة، فإذا قدم عليك فاستشره وقربه ([64])، وكان مسلك الفاروق في الشورى جميلاً: فإنه كان يستشير العامة أول أمره فيسمع منهم، ثم يجمع مشايخ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرأي منهم، ثم يفضي إليهم بالأمر ويسألهم أن يخلصوا فيه إلى رأي محمود فما استقر عليه رأيه أمضاه، وعمله هذا يشبه الأنظمة الدستورية في كثير من الممالك النظامية، إذ بعرض الأمر على مجلس النواب مثلاً، ثم بعد أن يقرر بالأغلبية يعرض على مجلس آخر يسمى في بعضها مجلس الشيوخ وفي بعضها مجلس اللوردات، فإذا انتهى المجلس من تقريره أمضاه الملك ([65])، وكثيراً ما كان عمر بن الخطاب يجتهد في الشيء ويبدي رأيه فيه ثم يأتي أضعف الناس فيبيَّن له وجه الصواب وقوة الدليل، فيقبله ويرجع عن خطأ ما رأى إلى الصواب ما استبان له ([66]).


--------------------------------------------------------------------------------

([1])البداية والنهاية (7/18) تاريخ الطبري (4/238).

([2])الكامل في التاريخ (2/79) التاريخ الإسلامي محمود شاكر ص 101.

([3])الكامل لابن الأثير (2/79).

([4])تاريخ الطبري (4/248).

([5])طبقات ابن سعد (3/200).

([6])طبقات ابن سعد (3/200).

([7])دراسات في عهد البنوة والخلافة الراشدة ص 272.

([8])المصدر نفسه ص 272.

([9])صفة الصفوة لابن الجوزي (2/264 ، 265).

([10])دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة ص 272.

([11])القيود الواردة على سلطة الدولة د. عبدالله الكيلاني ص 172.

([12])المصدر نفسه.

([13])المصدر نفسه.

([14])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 79.

([15])المصدر نفسه ص 79.

([16])المصدر نفسه ص 248.

([17])سياسة المال في الإسلام ص 103 عبدالله جمعان.

([18])الأموال لأبي عبيد ص 75 عمر بن الخطاب ص 248 للصَّلاَّبي.

([19])الخراج لأبي يوسف ص 67 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 249.

([20])الخراج لأبي يوسف ص 67.

([21])سياسة المال في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب، عبدالله جمعان ص 105.

([22])أخبار عمر، للطنطاوي ص 210.

([23])الاجتهاد في الفقه الإسلامي للسليماني ص 131.

([24])الاجتهاد في الفقه الإسلامي ص 252.

([25])الأبعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام مصطفى منجود ص 317 ، 318.

([26])الأبعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام ص 317 ، 318.

([27])الدور السياسي للصفوة ص 185 للسيد عمر.

([28])محض الصواب لابن عبدالهادي (1/316).

([29])تاريخ الإسلام للذهبي ص 163.

([30])عبدالله بن ذكوان القرشي، ثقة فقيه.

([31])محض الصواب (1/317).

([32])فتح الباري (7/268) الخلافة الراشدة يحي اليحي ص 286.

([33])جولة تاريخية في الخلفاء الراشدين محمد الوكيل ص 90.

([34])الطبقات الكبري لابن سعد (3/281).

([35])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 315.

([36])المصدر نفسه ص 315.

([37])أي اتهموه بالفجور.

([38])الولاية على البلدان للعمري (1/28).

([39])المصدر نفسه (2/80)

([40])نصيحة الملوك للماوردي ص 207.

([41])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 260.

([42])المصدر نفسه ص 260.

([43])سياسة المال في الإسلام ص 158.

([44])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 261.

([45])البخاري، ك الطب، باب من خرج من أرض لا تلائمه (7/21) مسلم رقم 2219.

([46])فقه الشورى للغامدي ص 154.

([47])فقه الشورى للغامدي ص 154.

([48])عصر الخلافة الراشدة للعمري ص 95.

([49])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 92.

([50])عصر الخلافة الراشدة ص 90.

([51])المصدر نفسه ص 90.

([52])السنن الكبرى للبيهقي (9/29).

([53])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص92.

([54])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 92.

([55])المصدر نفسه ص 93.

([56])المصدر نفسه ص 90.

([57])المصدر نفسه ص 90.

([58])المصدر نفسه ص 90.

([59])المصدر نفسه ص 90.

([60])المصدر نفسه ص 90.

([61])سير أعلام النبلاء للذهبي (1/317).

([62])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 91.

([63])المصدر نفسه ص 91.

([64])الإدارة العسكرية، سليمان آل كمال (1/275).

([65])الخلفاء الراشدون للنجار ص 246.

([66])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص91.
  رد مع اقتباس
قديم 04-02-2010, 01:51 PM   رقم المشاركة : ( 7 )
عضو شرف


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 599
تـاريخ التسجيـل : Nov 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 250 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو اسحاق الاجدابي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ابو اسحاق الاجدابي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الشورى في الإسلام

الشورى في الإسلام(7)


الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي


بسم الله الرحمن الرحيم



سادساً: الشورى في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه:



[size="6"]1- بيعة عثمان بن عفان رضي ا لله عنه:[/size]


استمر اهتمام الفاروق رضي الله عنه بوحدة الأمة ومستقبلها حتى اللحظات الأخيرة من حياته رغم ما كان يعانيه من آلام جراحاته البالغة، وهي بلا شك لحظات خالدة، تجلى فيها إيمان الفاروق العميق وإخلاصه وإيثاره ([1])، وقد استطاع الفاروق في تلك اللحظات الحرجة أن يبتكر طريقة جديدة لم يسبق إليها في اختياره الخليفة الجديد وكانت دليلاً ملموساً، ومعلماً واضحاً على فقهه في سياسة الدولة الإسلامية، لقد مضى قبله الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستخلف بعده أحداً بنص صريح، ولقد مضى أبوبكر الصديق واستخلف الفاروق بعد مشاورة كبار الصحابة ولما طلب من الفاروق أن يستخلف وهو على فراش الموت، فكر ملياً وقرر أن يسلك مسلكاً آخر يتناسب مع المقام فرسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الناس وكلهم مقر بأفضلية أبي بكر وأسبقيته عليهم، فاحتمال الخلاف كان نادراً وخصوصاً أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه الأمة قولاً وفعلاً إلى أن أبابكر أولى بالأمر من بعده، والصديق استخلف عمر وكان يعلم أن عند الصحابة قناعة بأن عمر أقوى وأفضل من يحمل المسؤولية بعده، فاستخلفه بعد مشاورة كبار الصحابة ولم يخالف رأيه أحد منهم، وحصل الإجماع على بيعة عمر ([2])، وأما طريقة انتخاب الخليفة الجديد فتعتمد على جعل الشورى في عدد محصور، وقد حصر ستة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يصلحون لتولي الأمر ولو أنهم يتفاوتون وحدد لهم طريقة الانتخاب ومدته، وعدد الأصوات الكافية لانتخاب الخليفة، وحدد الحكم في المجلس، والمرجح إن تعادلت الأصوات وأمر مجموعة من جنود الله لمراقبة سير الانتخابات في المجلس وعقاب من يخالف أمر الجماعة ومنع الفوضى بحيث لا يسمحون لأحد يدخل أو يسمع ما يدور في مجلس أهل الحل والعقد ([3])، وهذا بيان ما أجمل في الفقرات السابقة.

أ- العدد الذي حدده للشورى وأسماؤهم:

أما العدد فهو ستة وهم : علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام وطلحة بن عبيدالله رضي الله عنه جميعاً، وترك سعيد بن زيد وهو من العشرة المبشرين بالجنة ولعله تركه لأنه من قبيلته بن عدي ([4])، وكان رضي الله عنه حريصاً على إبعاد إمارة أقاربه، مع أن فيهم من هو أهل لها، فهو يبعد قريبه سعيد بن زيد عن قائمة المرشحين للخلافة ([5]).

ب- طريقة اختيار الخليفة:

أمرهم أن يجتمعوا في بيت أحدهم ويتشاوروا وفيهم عبدالله بن عمر يحضر معهم مشيراً فقط وليس له من الأمر شيء، ويصلي بالناس أثناء التشاور صهيب الرومي وقال له أنت أمير الصلاة في هذه الأيام الثلاثة حتى لا يولي إمامة الصلاة أحداً من الستة فيصبح هذا ترشيحاً من عمر له بالخلافة ([6])، وأمر المقداد بن الأسواد وأبا طلحة الأنصاري أن يرقبا سير الانتخابات ([7]).

ج- مدة الانتخابات أو المشاورة:

حددها الفاروق رضي الله بثلاثة أيام وهي فترة كافية وإن زادوا عليها، فمعنى ذلك شقة الخلاف ستتسع ولذلك قال لهم: لا يأتي اليوم الرابع إلا وعليكم أمير ([8]).

س- عدد الأصوات الكافية لاختيار الخليفة:

أخرج ابن سعد بإسناد رجاله ثقات أن عمر رضي الله عنه قال لصهيب: صلَّ بالناس ثلاثاً وليخل هؤلاء الرهط في بيت فإذا اجتمعوا على رجل، فمن خالفهم فاضربوا رأسه ([9])، فعمر رضي الله عنه أمر بقتل من يريد أن يخالف هؤلاء الرهط وشق عصا المسلمين ويفرق بينهم عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: من أتاكم وأمركم جمع على رجل منكم يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ([10])، وما جاء في كتب التاريخ أن عمر رضي الله عنه أمرهم بالاجتماع والتشاور وحدد لهم أنه إذا اجتمع خمسة منهم على رجل وأبى أحدهم فليضرب رأسه بالسيف، وإن اجتمع أربعة وفرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ([11])وهذه من الروايات التي لا تصح سنداً فهي من الغرائب التي ساقها أبو مخنف – الشيعي – مخالفاً فيها النصوص الصحيحة وما عرف من سير الصحابة.

ش- الحكم في حال الاختلاف:

لقد أوصى بأن يحضر عبدالله بن عمر معهم في المجلس، وأن ليس له من الأمر شيء، ولكن قال لهم: فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم، فحكمَّوا عبدالله بن عمر فأي الفريقين حكم له، فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبدالله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، ووصف عبدالرحمن بن عوف بأنه مسدد رشيد فقال عنه: ونعم ذوي الرأي عبدالرحمن بن عوف مسدد رشيد له من الله حافظ فاسمعوا منه ([12]).

ع- جماعة من جنود الله تراقب الاختيار وتمنع الفوضى:

طلب عمر أبا طلحة الأنصاري وقال له: يا أبا طلحة إن الله عز وجل أعز الإسلام بكم فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم ([13])، وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم ([14]).

غ- جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل:

ومن فوائد قصة الشورى؛ جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل، لأن عمر جعل الشورى في ستة أنفس مع علمه أن بعضهم كان أفضل من بعض ويؤخذ هذا من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد حيث كان لا يراعي الفصل في الدين فقط بل يضمُّ إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها، فاستخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة ([15]).

د- جمع عمر بين التعيين وعدمه:

جمع عمر بين التعيين، كما فعل أبوبكر – أي تعيين المرشح – وبين عدم التعيين، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فعيّن ستة وطلب منهم التشاور في الأمر ([16]).

ل- الشورى ليست بين الستة فقط:

عرف عمر أن الشورى لن تكون بين الستة فقط، وإنما ستكون في أخذ رأي الناس في المدينة، فيمن يتولى الخلافة حيث جعل لهم أمد ثلاثة أيام فيمكنهم من المشاورة والمناظرة لتقع ولاية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة، وبها معظم الصحابة وكل من كل ساكناً في بلد غيرها كان تبعاً لهم فيما يتفقون عليه، فما زالت المدينة حتى سنة 23ﻫ مجمع الصحابة فيها، حيث استبقاهم عمر بجانبه ولم يأذن لهم بالهجرة إلى الأقاليم المفتوحة ([17]).

ﻫ - أهل الشورى أعلى هيئة سياسية:

إن عمر رضي الله عنه أناط بأهل الشورى وحدهم اختيار الخليفة من بينهم، ومن المهم أن نشير أن أحداً من أهل الشورى لم يعارض هذا القرار الذي اتخذه عمر، كما أن أحداً من الصحابة الآخرين لم يشر أي اعتراض عليه، ذلك ما تدل عليه النصوص التي بين أيدينا، فنحن لا نعلم أن اقتراحاً آخر قد صدر عن أحد من الناس في ذلك العصر، أو أن معارضة شارت حول أمر عمر، خلال الساعات الأخيرة من حياته، أو بعد وفاته، وإنما رضى الناس كافة هذه التدابير، ورأوا فيه مصلحة لجماعة المسلمين، وفي وسعنا أن نقول إن عمر قد أحدث هيئة سياسية عليا، مهمتها انتخاب رئيس الدولة، أو الخليفة، وهذا التنظيم الدستوري الجديد، الذي أبدعته عبقرية عمر لا يتعارض مع المبادىء الأساسية التي أقّرها الإسلام، ولاسيما فيما يتعلق بالشورى، لأن العبرة من حيث النتيجة للبيعة العامة التي تجري في المسجد الجامع وعلى هذا لا يتوجه السؤال الذي قد يرد على بعض الأذهان هو: من أعطى عمر هذا الحق؟ ما هو مستند عمر في هذا التدبير؟ ويكفي أن نعلم أن جماعة من المسلمين قد أقّرت هذا التدبير ورضيت به، ولم يسمع صوت اعتراض عليه، حتى يتأكد أن الإجماع – هو من مصادر التشريع – قد انعقد على صحته ونفاذه ([18])، ولا ننسى أن عمر خليفة، راشد، كما ينبغي أن نؤكد على هذا المبدأ – أهل الشورى أعلى هيئة سياسية – قد أقرّه نظام الحكم في الإسلام في العهد الراشدي، كما أن الهيئة التي سمّاها عمر، تمتعت بمزايا لم يتمتع بها غيرها من جماعة المسلمين، وهذه المزايا منحت لها من الله، وبلغّها الرسول؛ فلا يمكن عند المؤمنين أن يبلغ أحد من المسلمين مبلغ هؤلاء العشرة من التقوى والأمانة ([19]) هكذا ختم عمر رضي الله عنه حياته ولم يشغله ما نزل به من البلاء ولا سكرات الموت عن تدبير أمر المسلمين، وأرسى نظاماً للشورى لم يسبقه إليه أحد، ولا يشك أن أصل الشورى مقرر في القرآن الكريم والسنة القولية والفعلية، وقد عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوبكر، ولم يكن عمر مبتدعاً بالنسبة للأصل ولكن الذي عمله عمر هو تعيين الطريقة التي يختار بها الخليفة، وحصر عدد معين جعلها فيهم وهذا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصديق رضي الله عنه بل أول من فعل ذلك عمر، ونعم ما فعل، فقد كانت أفضل الطرق المناسبة لحال الصحابة في ذلك الوقت ([20])

- منهج عبدالرحمن بن عوف في إدارة الشورى:

أ- اجتماع الرهط للمشاورة:

لم يكد يفرغ الناس من دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى أسرع رهط الشورى وأعضاء مجلس الدولة الأعلى إلى الاجتماع في بيت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقيل إنهم اجتمعوا في بيت فاطمة بنت قيس الفهرية أخت الضحاك بن قيس، ليقضـوا في أعظـم قضية عرضت في حياة المسلمين – بعد وفاة عمر – وقد تكلم القوم وبسطوا آراءهم واهتدوا بتوفيق الله إلى كلمة سواء رضيها الخاصة والكافة من المسلمين ([21]).

ب- عبدالرحمن يدعو إلى التنازل:

عندما اجتمع أهل الشورى قال لهم عبدالرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير: جعلت أمري إلى عليّ ([22])، وقال طلحة : جعلت أمري إلى عثمان. وقال سعد: جعلت امري إلى عبدالرحمن بن عوف. وأصبح المرشحون الثلاثة عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف، فقال عبدالرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبدالرحمن بن عوف أفتجعلونه إليّ والله عليّ أن لا آلو عن أفضلكما قالاً: نعم ([23]).

ت- تفويض ابن عوف بإدارة عملية الشورى:

بدأ عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه اتصالاته ومشاوراته فور انتهاء اجتماع المرشحين الستة صباح يوم الأحد واستمرت مشاوراته واتصالاته ثلاثة أيام كاملة، حتى فجر يوم الأربعاء الرابع من محرم، وهو موعد انتهاء المهلة التي حددها لهم عمر، وبدأ عبدالرحمن بعلي بن أبي طالب فقال له: إن لم أبايعك فأشر عليّ، فمن ترشح للخلافة؟ قال علي: عثمان بن عفان، وذهب عبدالرحمن إلى عثمان وقال له: إن لم أبايعك فمن ترشح للخلافة؟ فقال عثمان : علي بن أبي طالب ... وذهب ابن عوف بعد ذلك إلى الصحابة الآخرين واستشارهم، وكان يشاور كل من يلقاه في المدينة من كبار الصحابة وأشرافهم ومن أمراء الأجناد، ومن يأتي للمدينة وشملت مشاورته النساء في خدورهن وقد أبدين رأيهن، كما شملت الصبيان والعبيد في المدينة وكانت نتيجة مشاورات عبدالرحمن بن عوف، أن معظم المسلمين كانوا يشيرون بعثمان بن عفان ومنهم من كان يشير بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وفي منتصف ليلة الأربعاء، ذهب عبدالرحمن بن عوف إلى بيت ابن أخته : المسور بن مخرمة، فطرق البيت، فوجد المسور ([24])نائماً، فضرب الباب حتى استيقظ فقال أراك نائماً فوالله ما أكتحلت هذه الليلة بكثير نوم، انطلق فادع الزبير وسعداً فدعوتهما له: فشاورهما ثم دعاني فقال: ادع لي علياً فدعوته فناجاه حتى إبهارّ ([25]) الليل ثم قام عليُّ من عنده .. ثم قال : ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح ([26]).

ج- الاتفاق على بيعة عثمان:

وبعد صلاة صبح يوم البيعة اليوم الأخير من شهر ذي الحجة 23/644م' وكان صهيب الرومي الإمام إذ أقبل عبدالرحمن بن عوف، وقد اعتم بالعمامة التي عمه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد اجتمع رجال الشورى عند المنبر أرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد منهم: معاوية أمير الشام، وعمر بن سعد أمير حمص، وعمرو بن العاص أمير مصر، وافوا تلك الحجَّة مع عمر وصاحبوّه إلى المدينة ([27]) وجاء في رواية البخاري : فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرَّهط عند المنبر، فأرسل إلى من كل حاضر من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلمّا اجتمعوا تشهد عبدالرحمن ثمّ قال: أمّا بعد يا عليُّ إني قد نظرت في أمر الناس فلم أراهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا فقال ([28]): أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبدالرحمن وبايعه الناس المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون ([29])، وجاء في رواية صاحب التمهيد والبيان أن علي بن أبي طالب أول من بايع بعبدالرحمن بن عوف ([30]).

س- حكمة عبدالرحمن بن عوف في تنفيذ خطة الشورى:

نفذ عبدالرحمن بن عوف خطة الشورى بما دل على شرف عقله، ونبل نفسه وإيثاره مصلحة المسلمين العامة على مصلحته الخاصة ونفعه الفردي، وترك عن طواعية ورضا أعظم منصب يطمع إليه الإنسان في الدنيا، ليجمع كلمة المسلمين، وحقق أول مظهر من مظاهر الشورى المنظمة في اختيار من يجلس على عرش الخلافة، ويسوس أمور المسلمين؛ فهو قد اصطنع من الإناة والصبر والحزم وحسن التدبير ما كفل له النجاح في أداء مهمته العظمى وقد كانت الخطوات التي اتخذها كالآتي:

- بسط برنامجه في أول جلسة عقدها مجلس الشورى في دائرة الزمن الذي حدده لهم عمر؛ وبذلك أمكنه أن يحمل جميع أعضاء مجلس الشورى على أن يُدلوا برأيهم، فعرف مذهب كل واحد منهم ومرماه، فسار في طريقه على بينة من أمره.

- وخلع نفسه وتنازل عن حقه في الخلافة ليدفع الظنون ويستمسك بعروة الثقة الوثقى.

- أخذ في تعرف نهاية ما يصبوا إليه كل واحد من أصحابه وشركائه في الشورى، فلم يزل يقلب وجوه الرأي معهم حتى انتهى إلى شبه انتخاب جزئي، فاز فيه عثمان برأي سعد بن أبي وقاص، ورأى الزبير بن العوام، فلاحت له أغلبية آراء الحاضرين معه.

- عمد إلى معرفة كل واحد من الإمامين : عثمان، وعلي في صاحبه بالنسبة لوزنه في سائر الرهط رشحهم عمر، فعرف من كل واحد منهما أنه لا يعدل صاحبه أحداً إذا فاته الأمر.

- أخذ في تعرف رأي من وراء مجلس الشورى من خاصة الأمة وذوي رأيها، ثم من عامتها وضعفائها، فرأى أن معظم الناس لا يعدلون أحداً بعثمان، فبايع له وبايعه عامة الناس ([31]) لقد تمكن عبدالرحمن بن عوف بكياسته وأمانته واستقامته ونسيانه نفسه بالتخلي عن الطمع في الخلافة والزهد بأعلى منصب في الدولة، أن يجتاز هذه المحنة وقاد ركب الشورى بمهارة وتجرد، مما يستحق أعظم التقدير ([32]).

قال الذهبي: ومن أفضل أعمال عبدالرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان ولو كان محابياً فيها، لأخذها لنفسه، أو لولاّها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص ([33]).

وبهذا تحققت صورة أخرى من صور الشورى في عهد الخلفاء الراشدين : وهي الاستخلاف عن طريق مجلس الشورى ليعينوا أحدهم بعد أخذ المشورة العامة، ثم البيعة العامة ([34]).



2- أول قضية واجهت عثمان قضية قتل:

أول قضية حكم فيها عثمان قضية عبيد الله بن عمر، وذلك أنه غداً على ابنة أبي لؤلؤة قاتل عمر فقتلها، وضرب رجلاً نصرانياً يقال له جفينة بالسيف فقتله وضرب الهرمزان الذي كان صاحب تستر فقتله، وكان قد قيل إنهما مالآ أبا لؤلؤة على قتل عمر فالله أعلم ([35])، وكان عمر قد أمر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده، فلما ولي عثمان وجلس للناس كان أول ما تحوكم إليه في شأن عبيد الله، فقال علي: ما من العدل تركه وأمر بقتله وقال بعض المهاجرين : أيقتل أبوه بالأمس ويقتل هو اليوم؟ فقال عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين قد برأك الله من ذلك، قضية لم تكن في أيامك فدعها عنك فودي ([36])عثمان أولئك القتلى من ماله، لأن أمرهم إليه، إذ لا وارث لهم إلا بيت المال، والإمام يرى الأصلح في ذلك وخلىّ سبيل عبيد الله ([37])، وقد جاءت رواية في الطبري تفيد بأن الهاذبان بن الهرمزان قد عفا عن عبيد الله ([38]).

3- الشورى في فتح إفريقية:

ولما استأذن عبدالله بن سعد الخليفة عثمان بن عفان في غزو إفريقية جمع الصحابة واستشارهم في ذلك فأشاروا عليه بفتحها، إلا أبو الأعور سعيد بن زيد، الذي خالفه متمسكاً برأي عمر بن الخطاب في ألا يغزو أفريقية أحد من المسلمين، ولما أجمع الصحابة على ذلك دعا عثمان للجهاد، واستعدت المدينة عاصمة الخلافة الإسلامية لجمع المتطوعين وتجهيزهم، وترحيلهم إلى مصر، لغزو إفريقية تحت قيادة عبدالله بن سعد وقد ظهر الاهتمام بأمر تلك الغزوة جلياً، فهذا يتضح من الذين خرجوا إليها من كبار الصحابة، ومن خيار شباب آل البيت وأبناء المهاجرين الأوائل وكذلك الأنصار، فقد خرج في تلك الغزو، الحسن والحسين، وابن عباس وابن جعفر وغيرهم([39]).



4- الشورى في جمع القرآن في عهد عثمان:

إن السبب الحامل لعثمان على جمع القرآن مع أنه كان مجموعاً مرتباً في صحف أبي بكر الصديق، إنما هو اختلاف قراء المسلمين في القراءة اختلافاً أوشك أن يؤدي بهم إلى أخطر فتنة في كتاب الله تعالى، وهو أصل الشريعة، ودعامة الدين، وأساس بناء الأمة الاجتماعي والسياسي والخلقي، حتى إن بعضهم كان يقول لبعض: إن قراءتي خير من قراءتك فأفزع ذلك خليفة المسلمين وإمامهم، وطلب إليه أن يدرك الأمة قبل أن تختلف فيستشري بينهم الاختلاف ويتفاقم أمره، ويعظم خطبه، فيمس نص القرآن وتحّرف عن مواضعها كلماته وآياته ([40])، فجمع عثمان المهاجرين والأنصار وشاورهم في الأمر، وفيهم أعيان الأمة، وأعلام الأئمة، وعلماء الصحابة وفي طليعتهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعرض عثمان هذه المعضلة على صفوة الأمة وقادتها الهادين المهديين ودارسهم ودارسوه، وناقشهم فيها وناقشوه، حتى عرف رأيهم وعرفوا رأيه، فأجابوه إلى رأيه في صراحة لا تجعل للريب إلى قلوب المؤمنين سبيلاً، وظهر للناس في أرجاء الأرض ما انعقد عليه إجماعهم، فلم يعرف قط يومئذ لهم مخالف، ولا عرف عند أحد نكير، وليس شأن القرآن الذي يخفي على آحاد الأمة فضلاً عن علمائها وأئمتها البارزين ([41]).

لقد اتفق الصحابة على جمعه بما صح وثبت من القراءة المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم واطراح ما سواها، واستصوبوا رأيه، وكان رأيا سديداً موفقاً ([42]).

وقال علي رضي الله عنه: لو وليت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان ([43]).

لقد ظلت الصحف في رعاية الخليفة الأول أبي بكر الصديق، ثم انتقلت بعده إلى رعاية الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ثم لما عرف عمر حضور أجله ولم يول عهده أحداً معيناً في خلافة المسلمين وإنما جعل شورى في الستة أوصى بحفظ الصحف، وعنها نقل مصحفه ' الرسمي' وأنه أمر أربعة من أشهر قراء الصحابة إتقانا لحفظ القرآن ووعياً لحروفه وأداء لقراءته وفهماً لإعرابه ولغته وهم زيد بن ثابت الأنصاري، وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشـام وهـؤلاء من قريش ([44]).

وقال عثمان للرهّط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كُلَّ أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحُرق ([45]) والفرق بين جمع أبي بكر وعثمان أن جمع أبي بكر كان لخشيته أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتباً لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرأوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجاً بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم دفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة ([46]).



5- الشورى في أحداث الفتنة:

سمع بعض الصحابة الإشاعات التي بثها عبدالله بن سبأ في الأمصار دخل محمد بن مسلمة وطلحة بن عبيد الله وغيرهما على عثمان على عجل وقالوا يا أمير المؤمنين أياتيك عن الناس الذي يأتينا ؟ قال: لا والله ما جاءني إلا السلامة قالوا: فإنا أتانا، وأخبروه بما تناهي لسمعهم عن الفتنة التي تموج بها الأمصار الإسلامية، وعن الهجوم الشرس على ولاته في كل صقع، وقال: أنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشـيروا علي ؟ قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بخبرهم ([47])، فقام عثمان بإجراء سديد عظيم، وتخيرَّ نفراً من الصحابة لا يختلف اثنان في صدقهم وتقواهم وورعهم، ونصحهم، اختار محمد بن مسلمة الذي كان عمر يأتمنه على محاسبة ولاته، والتفتيش عليهم في الأقاليم، وأسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حِبّه، وأمير الجيش الذي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بإنفاذه في آخر عهده بالدنيا فقال: أنفذوا بعث أسامة، وعمار بن ياسر، السبّاق إلى الإسلام والمجاهد العظيم، وعبدالله بن عمر، التقي الفقيه الورع، فأرسل محمد بن مسلمة إلى الكوفة وأسامة إلى البصرة، وعماراً إلى مصر، وابن عمر إلى الشام، وكانوا على رأس جماعة، فأرسلهم إلى تلك الأمصار الكبيرة فمضوا جميعاً إلى عملهم الشاق المضني الخطير العظيم ثم عادوا جميعاً عدا عمار بن ياسر الذي استبطأ في مصر ثم عاد، وقدموا بين يدي أمير المؤمنين ما شاهدوه وسمعوه وسألوا الناس عنه ([48])، وكان ما جاء به هؤلاء واحداً في كل الأمصار، وقالوا: أيها الناس، ما أنكرنا شيئاً، ولا أنكر المسلمون، إلا أن أمراءهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم ([49]) وأما ما روي عن اتهام عمار بن ياسر رضي الله عنه بالتأليب على عثمان رضي الله عنه، أسانيد الروايات التي تتضمن هذه التهمة ضعيفة لا تخلوا من علة، كما أن في متونها نكارة ([50]).

رجع مفتشو الأمصار واتضح بأنه ليس هناك ما يوجب على الخليفة أن يعزل واحداً من ولاته والناس في عافية وعدل وخير ورحمة وأطمئنان، وأمير المؤمنين يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، ويرعى حق الله وحقوق الرعية، وما يثار هو شكوك وأراجيف وأكاذيب يبثها الحاقدون في الظلمات لكي لا يعرف مصدرها، ولكن الخليفة البار الراشد العظيم لم يكتف بهذا، بل كتب إلى أهل الأمصار ([51]).

أما بعد : فإني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم، وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يُرفع على شيء ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته، وليس لي ولعيالي حق قِبل الرعية إلا متروك لهم، وقد رفع إليَّ أهل المدينة أن أقواماً يُشتمون، وآخرون يضربون، فيا من ضرب سراً وشتم سراً من أدعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقه حيث كان، مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزى المتصدقين، فلما قرئ في الأمصار أبكى الناس، ودعوا لعثمان وقالوا : إن الأمة لتمخّص بشر ([52]).

فهل تريد الدنيا أن تسمع بحِزم وعزم أعلى وأشمخ من هذا الحزم والعزم من رجل زاد سنُّه عن اثنتين وثمانين سنة، وهو في هذه الفورة والقوة من المتابعة والتنقيب عن المظالم ؟ أم هل يريد الناس أن يروا عدلاً أرفع وأسمى من هذا العدل، والإنصاف، حتى إن حق أمير المؤمنين الشخصي متروك لرعيته، ما دام حق الله قائماً وحدوده مرعيّة؟ نعم عند عثمان الذي لم يقف عند ذلك، ولم يكتف بأن أرسل أمناءه للتفتيش عن أحوال الناس، وكتابته من ثم إلى أهل الأمصار، بأن يأتوا موسم الحج ليرفعوا شكاتهم – إن كانت لهم – أمام جموع الحجيج، ولم يكتف عثمان بذلك كله، بل بعث إلى عمال الأمصار أنفسهم ليواجهوا الناس عندما يرفعون مظالمهم – إن وجدت – ثم ليسألهم أمير المؤمنين عما يتناقله الناس، ليشيروا عليه بالرأي الناصح السديد الرشيد ([53]).



6- مشورة عثمان لولاة الأمصار:

بعث عثمان رضي الله عنه إلى ولاة الأمصار واستدعاهم على عجل: عبدالله بن عامر، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبدالله بن سعد، وأدخل معهم في المشورة سعيد بن العاص، وعمرو بن العاص وهم من الولاة السابقين وكانت جلسة مغلقة وخطيرة جرت فيها الأبحاث التالية التي تقرر خطة العمل الجديد على ضوء الأخبار المتناهية إلى المدينة عاصمة دولة الإسلام ([54])، قال عثمان : ويحكم ما هذه الشكاية؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن يكون مصدوقاً عليكم وما يعصب ([55]) هذا إلا بي فقالوا له: ألم تبعث؟ ألم يرجع إليك الخبر عن القوم؟ ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء ؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلاً، وما كنت لتأخذ به أحداً فيضمنك على شيء، وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها، ولا الانتهاء إليها. قال: فأشيروا عليَّ فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يصُنع في السر فيُلقي به غير ذي معرفة فيخبر به فيتحدث به في مجالسهم، قال : فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم. وقال عبدالله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم، فإنه خير من أن تدعهم. قال معاوية : قد وليتني فوليت قوماً لا يأتيك عنهم إلا الخير، والرجلان أعلم بناحيتها، قال: فما الرأي : قال: حسن الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لنت لهم، وتراضيت عنهم وزدتهم عما كان يضع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبك فتشد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين : إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شراً، واللين لمن يخلف الناس بالنصح وقد فرشتهما جميعاً اللين، وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كل ما أشرتهم به عليّ قد سمعت ولكل أمر باب يؤتي منه، إن هذا الأمر الذي يخُاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه الذي يُغلق عليه فيُكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة، إلا في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدهما، فإن سده شيء فرفق، فذاك والله ليُفتحنَّ وليست لأحد على حجة حق وقد علم الله آني لم آل الناس خيراً، ولا نفسي والله إن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها كفكفوا الناس، وهبوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تُدِهنوا فيها ([56]).

كان عثمان بن عفان رضي الله عنه واضحاً صريحاً فيما لا هوادة فيه، وهي حدود الله فلا مداهنة فيها وما غير ذلك فالرفق أولى والمغفرة أفضل ولابد من تأدية الحقوق كلها ([57]) وقد جاءت روايات بسند فيه ضعف ومجهولون تشوه العلاقة بين عمرو بن العاص وعثمان رضي الله عنهما، وساهمت روايات ساقطة في مسخ صورة عمرو بن العاص رضي الله عنه وتحويل علاقته بعثمان إلى علاقة فاتك خطط لقتل أميره، ثم عاد بانتهازية ليطالب بدمه ([58])، وهذه الرواية ضعيفة ومرفوضة عند أهل التاريخ وأهل الحديث ([59]).

وقد جاء في رواية بسند فيه ضعفاء ومجهولون أيضاً بأن عمرو بن العاص قال: يا عثمان : إنك قد ركبت الناس بمثل بني أمية فقلت وقالوا وزغت وزاغوا، فاعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً وأمضىِ قدما ([60])وجاء في نفس الرواية أن عبدالله بن عامر قال: أرى لك أن تجمرهم ([61]) في هذه البعوث حتى يهم كل رجل منهم قمل فروة رأسه ودبر دابته وتشغلهم عن الإرجاف بك ([62]) إن عثمان رضي الله عنه منع الولاة من التنكيل بمثيري الشغب، حبسهم أو قتلهم، وقرّر أن يعاملهم بالحسن واللين([63])، وطلب من عماله أن يعودوا إلى أعمالهم، وفق ما أعلنه لهم من أسلوب مواجهة الفتنة التي كان كل بصير يرى أنها قادمة ([64]).



7- الحوار المباشر مع المعارضين في عهد عثمان:

وهنا تتجلى الشورى في أعظم معانيها في إعطاء المعارضين حق الحديث والتكلم بما يريدون أمام الناس، فقد دعا عثمان القوم السبئيين إلى عرض ما عندهم من شبهات وإظهار ما يرونه من أخطاء وتجاوزت ومخالفات، وقع هو فيها وكانت جلسة مصارحة ومكاشفة في المسجد على مرأى ومسمع من الصحابة والمسلمين، فتكلم السبئيون وعرضوا الأخطاء التي ارتكبها عثمان – على حذر عمهم – وقام عثمان رضي الله عنه بالبيان والإيضاح وقدّم حججه وأدلته فيما فعل، والمسلمون المنصفون يسمعون هذه المصارحة والمحاسبة والمكاشفة وأورد عثمان ما أخذوه عليه، ثم بين حقيقة الأمر ودافع عن حُسن فعله وأشهد معه الصحابة الجالسين في المسجد ([65]).

أ- قال: قالوا : إني أتممت الصلاة في السفر، وما أتّمها قبلي رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر، لقد أتممت الصلاة لما سافرت من المدينة إلى مكة، ومكة بلد فيه أهلي، فأنا مقيم بين أهلي ولست مسافراً أليس كذلك؟ فقال الصحابة: اللهم نعم.

ب- وقالوا : إني حميت حمى، وضيَّقتُ على المسلمين، وجعلت أرضاً واسعة خاصة لرعي إبلي، ولقد كان الحمى قبلي، لإبل الصدقة والجهاد، حيث جعل الحمى كلّ من رسول الله وأبوبكر وعمر، وأنا زدت فيه لما كثرت إبل الصدقة والجهاد، ثم لم نمنع ما شية فقراء المسلمين من الرعي في ذلك الحمى، وما حميت لما شيتي؛ ولما وليت الخلافة كنت من أكثر المسلمين إبلاً وغنماً وقد انفقتها كلها، ومالي الآن ثاغية ولا راغية، ولم يبق لي إلا بعيرات، خصَّصتهما لحجّي؛ أليس كذلك؟ فقال الصحابة : اللهم نعم.

ج- وقالوا : إني أبقيت نسخة واحدة من المصاحف، وحرّقت ما سواها، وجمعت الناس على مصحف واحد؟ ألا إن القرآن كلام الله من عند الله وهو واحد ولم أفعل سوى أن جمعت المسلمين على القرآن ونهيتهم عن الاختلاف فيه، وأنا في فعلي هذا تابع لما فعله أبوبكر، لما جمع القرآن! أليس كذلك ؟ فقال الصحابة: اللهم نعم.

س- وقالوا: إني رددت الحكم بن أبي العاص إلى المدينة، وقد كان رسول الله نفاه إلى الطائف، إنَّ الحكم بن العاص مكّي، وليس مدنياً، وقد سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف، وأعاده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة بعدما رَضِي عنه فالرسول صلى الله عليه وسلم سيّره إلى الطائف وهو الذي ردّه وأعاده أليس كذلك؟ فقال الصحابة : اللهم نعم وقالوا : إني استعملت الأحداث، ووليت الشباب صغار السن، ولم أولَّ إلا رجلاً فاضلاً محتملاً مرضياً، وهؤلاء الناس أهل عملهم، فسَلوهم عنهم، ولقد ولى الذين من قبلي من هم أحدث منهم وأصغر منهم سناً، ولقد ولىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وهو أصغر ممن وليته، وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد مما قالوا لي أليس كذلك ؟ قال الصحابة: اللهم نعم؛ إن هؤلاء الناس يعيبون للناس مالاً يفسَّرونه ولا يوضحونه.

وقالوا : إني أعطيت عبدالله بن سعد بن أبي سرح ما أفاء الله به، وإنما أعطيته خُمس الخمس، وكان مئة ألف، لما فتح إفريقية، جزاء جهاده وقد قلت له: إن فتح الله عليك إفريقية فلك خمس الخمس من الغنيمة نقلاً، وقد فعلها قبلي أبوبكر وعمر رضي الله عنه ومع ذلك قال لي الجنود المجاهدون : إنا نكره أن تعطيه خمس الخمس – ولا يحق لهم الاعتراض والرفض – فأخذت خمس الخمس من ابن سعد ورددته على الجنود وبذلك لم يأخذ ابن سعد شيئاً، أليس كذلك؛ قال الصحابة: اللهم نعم.

ٍوقالوا : إني أحبُّ أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبيّ لأهل بيتي، فإنه لم يحملني على أن أميل معهم إلى جور وظلم الآخرين، بل أحمل الحقوق عليهم وآخذ الحق منهم وإما إعطاؤهم فإني أعُطيهم من مالي الخاص، وليس من أموال المسلمين، لأني لا استحلُّ أموال المسلمين، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صُلب مالي، أزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنه، وأنا يومئذ شحيح حريص أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفنى عمري، وجعلت مالي الذي لي لأهالي وأقاربي، قال الملحدون ما قالوا ؟ وإني والله ما أخذت من مصر من أمصار المسلمين مالاً ولا فضلاً، ولقد رددت على تلك الأمصار الأموال ولم يحُضروا إلى المدينة إلا الأخماس من الغنائم، ولقد تولى المسلمون تقسيم تلك الأخماس ووضعها في أهلها؛ ووالله ما أخذت من تلك الأخماس وغيرها فلساً فما فوقه، وإنني لا أكل إلا من مالي، ولا أعطي أهلي إلا من مالي.

وقالوا: إني أعطيت الأرض المفتوحة لرجال معينين، وإن هذه الأرضين المفتوحة، قد اشترك في فتحها المهاجرون والأنصار وغيرهم من المجاهدين، ولما قسّمت هذه الأراضي على المجاهدين الفاتحين منهم من أقام بها واستقرَّ فيها، ومنهم من رجع إلى أهله في المدينة أو غيرها، وبقيت تلك الأرض ملكاً له، وقد باع بعضهم تلك الأراضي، وكان ثمنها في أيديهم وبذلك أورد عثمان رضي الله عنه أهم الاعتراضات التي أثيرت عليه، وتولىّ توضيحها وبيان وجه الحق فيها ([66]).

وترى من ذلك الدفاع المحكم الذي دافع به عثمان بن عفان رضي الله وساجل الصحابة فيه وذاكرهم إياه صورة لما كان يجرى من النقد المّر العنيف له رضي الله عنه، وما كان يشيعه السبئيون من قالة السوء، وما يعملون على ترويجه من باطل مزيف، فقد أجمل رضي الله ذكر الاعتراضات التي كانوا يعترضون بها عليه، وبينَّ وجه الحق يريدون رشاداً، ولا يبغون سداداً، فمجادلته لهم مجادلة رجل مخلص مع آخر يتربص به الدوائر، ويتسقط هفواته لينفذ أغراضاً ويلقي في نفوس الناس عنه إعراضاً، ومن كان شأنه كذلك ولا تقنعه الحجة، ولا يهديه الدليل، ومن يضلل الله فلا هادي له ([67]).

وقد سمع كلامه وتوضيحه زعماء أهل الفتنة الذين بجانب المنبر، كما سمعه الصحابة الكرام، ومن معهم من المسلمين الصالحين، وتأثَّر المسلمون بكلام عثمان وبيانه وتوضيحه وصدَّقوه فيما قال، وازدادوا له حباً، وأما السبئيون دعاة الفتنة والفرقة، فلم يتأثروا بذلك، ولم يتراجعوا، لأنهم لم يكونوا باحثين عن حق، ولا راغبين في خير، إنما كان هدفهم الفتنة، والكيد للإسلام والمسلمين، وقد أشار الصحابة والمسلمون على عثمان بقتل زعماء الفتنة بسبب ما ظهر من كذبهم وتزويرهم، وحقدهم، بل أصروا عليه في قتلهم، ليتخلصّ المسلمون من شرهم، وتستقر بلاد المسلمين، ويُقضى على الفتنة التي يثيرها هؤلاء، ولكن عثمان كان له رأي آخر، وتحليل مغاير، فآثر أن يتركهم، ورأى عدم قتلهم، محاولة منه لتأخير وقوع الفتنة ولم يتخذ عثمان ضد السبئيين القادمين من مصر والكوفة والبصرة أي إجراء مع علمه بما يخططون ويريدون، وتركهم يغادرون المدينة ويعودون إلى بلادهم ([68]).


--------------------------------------------------------------------------------

([1])الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب للعاني ص 161.

([2])أوليات الفاروق د. غالب القرشي ص 122.

([3])أوليات الفاروق د.غالب القرشي ص 124.

([4])البداية والنهاية (4/142).

([5])الخلفاء الراشدون للخالدي ص 98.

([6])الخلافة والخلفاء الراشدون للبهنساوي ص 213.

([7])أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسياسة ص 648 رفيق العظم.

([8])الطبقات لابن سعد (3/164).

([9])الطبقات لابن سعد (3/342).

([10])مسلم (3/1480).

([11])تاريخ الطبري (58/226).

([12])المصدر نفسه (5/325).

([13])تاريخ الطبري (5/225).

([14])المصدر نفسه (5/225).

([15])المدينة النبوية فجر الإسلام، محمد شّراب (2/97).

([16])المصدر نفسه.

([17])المصدر نفسه.

([18])نظام الحكم والتشريع ظافراً القاسمي (1/227).

([19])المصدر نفسه (1/229).

([20])أوليات الفاروق ص 127.

([21])عثمان بن عفان، صادق عرجون ص 62 ، 63.

([22])البخاري، ك فضائل أصحاب النبي رقم 3700.

([23])البخاري، ك فضائل أصحاب النبي رقم 3700.

([24])الخلفاء الراشدون للخالدي ص 106 ، 107.

([25])إنهارّ : أي انتصف.

([26])البخاري، كتاب الأحكام رقم 7207.

([27])شهيد الدار عثمان بن عفان، أحمد الخروف ص37.

([28])قوله : فقال أي عبدالرحمن مخاطباً عثمان.

([29])البخاري، كتاب الأحكام رقم 7207.

([30])التمهيد والبيان ، محمد الملقي الأندلسي ص 26.

([31])عثمان بن عفان، صادق عرجون ص 70 ، 71.

([32])مجلة البحوث الإسلامية العدد 10 ص 278.

([33])سير أعلام النبلاء للذهبي (1/86).

([34])دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة ص 278.

([35])البداية والنهاية (7/154).

([36])ودى: دفع دية القتلى.

([37])البداية والنهاية (7/154).

([38])عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 146.

([39])ليبيا من الفتح العربي د.صالح المزيني ص 49.

([40])عثمان بن عفان صادق عرجون ص 171.

([41])المصدر نفسه ص 230.

([42])الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/88).

([43])عثمان بن عفان صادق عرجون ص 178 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 231.

([44])البخاري رقم 4987.

([45])المصدر نفسه ص 4987.

([46])عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 231.

([47])تاريخ الطبري (5/348).

([48])عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 361.

([49])تاريخ الطبري (5/348).

([50])فتنة مقتل عثمان د. محمد الغبان (1/17).

([51])تاريخ الطبري (1/349).

([52])المصدر نفسه (1/349) عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 362.

([53])عثمان بن عفان، عبدالستار الشيخ ص 212.

([54])عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 362.

([55])يعصب بي : يناط بي.

([56])تاريخ الطبري (5/351).

([57])عمرو بن العاص الأمير المجاهد، منير الغضبان ص 447.

([58])المصدر نفسه ص 448 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 364.

([59])عمرو بن العاص الأمير المجاهد، منير الغضبان ص 448.

([60])تاريخ الطبري (5/340) عثمان للصَّلاَّبي ص 364.

([61])تجمرهم : يبقوا في الثغور لفترة طويلة من الزمن.

([62])عثمان للصَّلاَّبي ص 364.

([63])خلافة عثمان للسُّلمي ص 77.

([64])الخلفاء الراشدون للخالدي ص 151.

([65])المصدر نفسه.

([66])العواصم من القواصم لابن العرين ص 61-111) تاريخ الطبري (5/356).

([67])تاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة ص 98 ، 99.

([68])الخلفاء الراشدون للخالدي ص 158 ، 159.
  رد مع اقتباس
قديم 04-02-2010, 01:55 PM   رقم المشاركة : ( 8 )
عضو شرف


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 599
تـاريخ التسجيـل : Nov 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 250 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو اسحاق الاجدابي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ابو اسحاق الاجدابي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الشورى في الإسلام

الشورى في الإسلام(8)

الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي



بسم الله الرحمن الرحيم


سابعاً: الشورى في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

1- بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

تمت بيعة علي رضي الله عنه بطريقة الاختيار وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاؤوا من الآفاق، ومن أمصار مختلفة، وقبائل متباينة لا سباقة لهم، ولا أثر خير في الدين، فبعد أن قتلوه رضي الله عنه زوراً وعدوانا، يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ([1]).

قام كل من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمبايعة عليّ رضي الله عنه بالخلافة وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق في ذلك الوقت، فلم يّدع الإمامة لنفسه أحد بسعد عثمان رضي الله عنه، ولم يكن أبو السبطين رضي الله عنه، حريصاً عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمبايعة علي رضي الله عنه بالخلافة وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق في ذلك الوقت، فلم يّدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان رضي الله عنه ولم يكن أبو السبطين رضي الله عنه، حريصاً عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقى من الصحابة بالمدينة، وخوفاً من ازدياد الفتن وانتشارها ومع ذلك لم يسلم من نقد بعض الجهال إثر تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على الإسلام كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه لفسقهم ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روى الكيفية التي تم بها اختيار علي رضي الله عنه للخلافة بعض أهل العلم ([2])، فقد روى أبوبكر الخلال بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: كنت مع علي رحمه الله وعثمان محصر قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: كنت مع علي رحمه الله وعثمان محصر قال : فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام علي رحمه الله: قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفاً عليه فقال خلَّ لا أمّ لك، قال: فأتى علي الدار، وقد قتل الرجل رحمه الله، فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا قد قتل، ولابد للناس من خليفة ولا نعلم أحداً، أحق بها منك، فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله لا نعلم أحـد أحـق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سراً ولكن أخرج إلى المسجد فبايعه الناس([3])، وفي رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن الحنفية : فأتاه أصحاب رسول الله فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام ولا نجد أحداً أحق بها منك أقدم مشاهد، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي: لا تفعلوا فإني وزير خير مني أمير، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد، فإنه ينبغي ألا تكون خفياً ولا تكون إلا عن رضا المسلمين قال: فقال سالم بن أبي الجعد: فقال عبدالله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشـغب عليه، وأبي هو إلا المسجد، فلما دخل المسجد جاء المهاجرين والأنصار فبايعوا وبايع الناس ([4]).

ومن هذه الآثار الصحيحة بعض الدروس والعبر والفوائد منها:

أ- نصرة على بن أبي طالب رضي الله عنه لعثمان رضي الله عنه ودفاعه عنه، وهذا متواتر عن علي رضي الله عنه بل كان أكثر الناس دفاعاً عن عثمان رضي الله عنه، جاء بأسانيد كثيرة، وشهد بذلك مروان بن الحكم حيث قال: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم يعني علياً عن عثمان ([5]).

ب- زهد علي رضي الله عنه في الخلافة وعدم طلبه لها أو طمعه فيها، واعتزاله في بيته حتى جاءه الصحابة يطلبون البيعة.

ج- إجماع الصحابة من المهاجرين والأنصار والناس عامة في المدينة على بيعته، ويدخل في هؤلاء أهل الحل والعقد، وهم الذين قصدوا عليَّاً وطلبوا منه أن يوافق على البيعة وألحوا عليه حتى قبلها، وليس للغوغاء وقتلة عثمان كما في بعض الروايات الضعيفة والموضوعة.

ح- إن علياً كان أحق الناس بالخلافة يؤمئذ، ويدل على ذلك قصد الصحابة له، وإلحاحهم عليه، ليقبل البيعة، وتصريحهم بأنهم لا يعلمون أحق بالخلافة منه يؤمئذ.

س- أهمية الخلافة، ولذلك رأينا أن الصحابة أسرعوا في تولية علي، وكان يقول: لولا الخشية على دين الله لم أجبهم ([6]).

ش- إن الشبهة التي أدخلوها على بيعة علي، كون الخوارج الذين حاصروا عثمان وشارك بعضهم في قتله، كانوا في المدينة وأنهم أول من بدؤوا بالبيعة وأن طلحة والزبير بايعا مكرهين، وهذه أقاويل المؤرخين، لا تقوم على أساس وليس لها سند صحيح، والصحيح أنه لم يجد الناس بعد أبي بكر وعمر وعثمان، كالرابع قدراً وعلماً وتقى وديناً وجهاداً، فعزم عليه المهاجرين والأنصار، ورأى ذلك فرضاً عليه، فانقاد إليه، ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي، لأدى ذلك إلى فتن واختلافات في جميع الأقطار الإسلامية، فكان من مصلحة المسلمين أن يقبل علي البيعة مهما كانت الظروف المحيطة بها، ولم يتخلف عن علي أحد من الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وقد خلط الناس بين تخلف الصحابة عن المسير معه إلى البصرة وبين البيعة: أما البيعة فلم يختلفوا عنها، وأما المسير معه فتخلفوا عنه لأنها كانت مسألة اجتهادية ([7])، كما أن علياً لم يلزمهم بالخروج معه وقبل عذر من اعتذر عن ذلك.

ع- لابد من الحذر من مبالغات الإخباريين التي تزعم أن المدينة بقيت خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه ([8])، وتزعم أن الغوغاء من مصر عرضت الأمر على علي فرفضه، وأن خوارج الكوفة عرضوا الخلافة على الزبير، فلا يجدونه، ومن جاء من البصرة عرضوا على طلحة البيعة، فهذا لا يثبت أمام الروايات الصحيحة ولا يصح إسناده([9])، كما أن المعروف تمكن الصحابة من المدينة وقدرتهم على القضاء على الغوغاء لولا طلب عثمان رضي الله عنه، بالكف عن استخدام القوة ضدهم وقد فصلت ذلك في كتابي : تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان، والصحيح أن بيعة على كانت عن طواعية واختيار من المسلمين وليس لأهل الفتنة دور في مبايعة علي، وإنما كل من كان من الصحابة في المدينة هم الذين اختاروا أمير المؤمنين علياًّ رضي الله عنه.

ك- بلغت الروايات الصحيحة والشواهد في بيعة علي رضي الله عنه إحدى عشرة رواية ([10]).



2- انعقاد الإجماع على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

كانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام فكان بينهما بعد ما كان ([11]).

إن خلافة علي رضي الله عنـه محل إجماع على أحقيتها وصحتها في وقت زمانها، وذلك بعد قتل عثمان – رضي الله عنه حيث لم يبق على الأرض أحق بها منه رضي الله عنه، فقد جاءته رضي الله عنه على قدر في وقتها ومحلها ([12]).

اعترض بعض الناس على الإجماع على خلافة علي فقالوا:

- أن أهل الشام – معاوية ومن معه – لم يبايعوه بل قاتلوه ([13]).

والجواب: أن معاوية – رضي الله عنه – لم يقاتل علياً على الخلافة ولم ينكر إمامته، وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان مع ظنه أنه مصيب في اجتهاده ولكنه كان مخطئاً في اجتهاده ذلك، فله أجر الاجتهاد فقط ([14])، وقد ثبت بالروايات الصحيحة أن خلافه مع علي – رضي الله عنه – كان في قتل قتلة عثمان ولم ينازعه في الخلافة، بل كان يقر له بذلك، فعن أبي مسلم الخولاني أنه جاء وأناس معه، إلى معاوية وقالوا: أنت تنازع علياَّ، هل أنت مثله؟ فقال: لا والله، وإني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر منى، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً،وأنا ابن عمه والطالب بدمه؟ فأتوه فقولوا له: فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا علياًّ فكلموه فلم يدفعهم إليه([15]).

ويروي ابن كثير من طرق بسنده إلى أبي الدرداء وأبي أمامة – رضي الله عنهما – أنهما دخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاماً، وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق بهذا الأمر منك، فقال: أقاتله على دم عثمان، وإنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له:، فليقدنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام([16]).

والروايات معاوية لعلي – رضي الله عنهما – في الخلافة. ولهذا نص المحققون من أهل العلم على هذه المسألة وقرروها ([17])، يقول إمام الحرمين الجويني : إن معاوية وإن قاتل علياً فإنه لا ينكر إمامته، ولا يدعيها لنفسه وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظناً منه أنه مصيب وكان مخطئاً ([18]).

وكان أمير المؤمنين علي موافقاً من حيث المبدأ على وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان، وإنما كان رأيه أن يرجىْ الاقتصاص من هؤلاء إلى حين استقرار الأوضاع وهدوء الأمور واجتماع الكلمة ([19]).

3- حقيقة الشورى في بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

إن البيعة للخليفة الرابع علي رضي الله عنه لم تختلف من حيث مبدأ الشورى عن مثيلتها السابقة بالرغم من الأزمة التي ألمت بالأمة، والأحوال، المدلهمة والمشكلات المتتابعة، فلم تتم البيعة على أساس عشائري، أو أسري، أو قبلي، أو على أساس عهد ووصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو وجد شيء من هذا القبيل لما حصل هذا الحوار الطويل، ولما رفض أمير المؤمنين، ولكان أول من يطالب بحقه. بينما كان الناس هم الذين يدفعونه إلى البيعة دفعاً ويلحون عليه في الطلب إلحاحاً، وهو يروغ منهم متخلصاً لعله يحدث ما يمنعه من ذلك إلى أن قبل على كره منه، ولم يطالبوه بهذا على أساس وصية من رسول الله له – ولو وجدوا شيئاً من ذلك لما ترددوا في تنفيذه – ولا على أساس أنه من عبد مناف أو لأنه من قريش فحسب، بل لأنه من السابقين ومن العشرة المبشرين بالجنة، ولآنه الثاني بعد عثمان في اختيار الناس لهما عند تطبيق عملية الشورى بعد مقتل عمر بن الخطاب، فكان عبدالرحمن بن عوف لا يشير عليه أحد بتنصيب عثمان خليفة بعد عمر إلا سأله : ولو لم يكن عثمان موجوداً فمن تختار ؟ فيقول: علي رضي الله عنه ([20]).



4- من أقوال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الشورى:

كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حريصاً على التزام منهج الشورى في تصرفاته وأعماله وقراراته، فمن ذلك أنه حينما وصل إليه كتاب من قائده معقل بن قيس الرياحي المكلف بمحاربة الخريث بن راشد الخارجي جمع أصحابه وقرأ عليهم كتابه واستشارهم وطلب منهم الرأي حيث اجتمع رأي عامتهم على قول واحد وهو: نرى أن تكتب إلى معقل بن قيس فيتبع أثر الفاسق فلا يزال في طلبه حتى يقتله أو ينفيه، فإنا لا نأمن أن يفسد عليك الناس ([21])ومما روي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في الشورى قوله: الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه ([22]) وقوله نعم المؤازرة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد ([23]) وقوله: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام ([24])، ومما أوصى به أمير المؤمنين علي مالك بن الحارث الأشتر حين بعثه إلى مصر في الشورى قوله: ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً فيعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا فيضعفك عن الأمور، ولا حريصاً فيزين لك الشرة بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله ([25])، وكان علي رضي الله عنه يعلم أن الحاكم إذا لم يكن له مستشارون فلا يعلم محاسن دولته ولا عيوبها وسوف يغيب عنه الكثير في شؤون الدولة وقضايا الحكم، وكان يعلم أن الشورى تعرفه ما يجهله، وتضع أصابعه على مالا يعرفه، وتزيل شكوكه في كل الأمور التي يقدم عليها، فها هو يقول للأشتر النخعي عندما ولاه مصر: انظر في أمور عمالك الذين تستعملهم، فليكن استعمالك إياهم اختياراً ولا يكن محاباة ولا إيثاراً، فإن الأثرة بالأعمال – أي الاستبداد بلا مشورة – والمحاباة بها جماع من شعب الجور والخيانة لله، وإدخال الضرر على الناس، وليست تصلح أمور الناس، ولا أمور الولاة إلا بالإصلاح من يستعينون به على أمورهم، ويختارونه لكفاية ما غاب غيهم، فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعفة والسياسة والصق بدوي التجربة والعقول والحياء من أهل البيوتات الصالحة وأهل الدين والورع، فإنهم أكرم أخلاقاً وأشد لأنفسهم صوناً وإصلاحاً وأقل في المطامع إسرافاً، وأحسن في عواقب الأمور نظراً من غيرهم فليكونوا عمالك وأعوانك ([26]).


--------------------------------------------------------------------------------

([1])الطبقات لابن سعد(3/31).

([2])عقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام، ناصر علي عايض حسن الشيخ (2/677).

([3])كتاب السنة لأبي بكر الخلال ص 415.

([4])كتاب السنة لأبي بكر الخلال ص 416.

([5])بيعة علي بن أبي طالب، مالك الخالدي ص 2 اسناده قوي.

([6])فتح الباري (13/75) اسناده صحيح.

([7])المدينة النبوية، محمد سّراب (2/311).

([8])تاريخ الطبري (4/432).

([9])استشهاد عثمان ووقعة الجمل د. خالد الغيث ص 126 - 140.

([10])بيعة علي بن أبي طالب ص 122.

([11])فتح الباري (7/72).

([12])عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة (2/693).

([13])المصدر نفسه (2/695).

([14])العواصم من القواصم ص 150 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 286.

([15])البداية والنهاية (7/265) تحقيق مواقف الصحابة (2/147).

([16])البداية والنهاية (7/270).

([17])علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 186.

([18])المصدر نفسه ص 186.

([19])المصدر نفسه ص 293.

([20])علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 188.

([21])تاريخ الطبري (6/39).

([22])أدب الدنيا والدين للماوردي ص 89 ، علي بن أبي طالب ص 225.

([23])الإدارة العسكرية، آل كمال (1/279).

([24])علي بن أبي طالب ص 225.

([25])الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية (1/279).

([26])الشورى بين الأصالة والمعاصرة. عز الدين التميمي ص 102، علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 226.
  رد مع اقتباس
قديم 04-02-2010, 02:01 PM   رقم المشاركة : ( 9 )
عضو شرف


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 599
تـاريخ التسجيـل : Nov 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 250 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو اسحاق الاجدابي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ابو اسحاق الاجدابي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الشورى في الإسلام

الشورى في الإسلام(9)


الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي


بسم الله الرحمن الرحيم


ثامناً: الشورى في عهد الحسن بن علي بن أبي طالب:

1 ـ بيعة الحسن بن علي رضي الله عنه!

كانت بيعة الحسن بن علي رضي الله عنه في شهر رمضان من سنة 40 هـ وذلك بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم المرادي[1]، وقد أختار الناس الحسن بعد والده ولم يعين أمير المؤمنين أحداً من بعده , فعن عبدالله بن سبع قال: سمعت علياً يقول: لتخضبن هذه من هذا فما ينتظر بي الأشقى[2], قالوا: يا أمير المؤمنين, فأخبرنا به نبير عترته[3], قال: إذن تالله تقتلون بي غير قاتلي: قالوا فاستخلف علينا قال: لا ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته, قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك, ثم قبضتني إليك وأنت فيهم فإن شئت أصلحتهم, وإن شئت أفسدتهم,[4] وفي رواية أقول: اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك, ثم قبضتني وتركتك فيهم,[5] وبعد مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلى عليه الحسن بن علي وكبر عليه أربع تكبيرات, ودفن بالكوفة, وكان أول ما بايعه قيس بن سعد: قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه وقتال المُحلَّين, فقال له الحسن رضي الله عنه: على كتاب الله وسنة نبيه, فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط: فبايعه وسكت, إنكم سامعون مطيعون, تسالمون من سالمت, وتحاربون من حاربت,[6]وفي رواية ابن سعد: إن الحسن بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين, بايعهم على الأمرة, وبايعهم على ان يدخلوا فيما دخل فيه, ويرضوا بما رضي به[7]

2- بطلان قضية النص على خلافة الحسن:

عند حديثنا عن بيعة الحسن رضي الله عنه تبرز أمامنا قضية يروج لها الشيعة الأمامية بقوة ألا وهي قضية النص على خلافة الحسن رضي الله عنه[8] وهذا الأمر يعد من المفتريات، حيث لم يصح النقل في ذلك شيئاً.

إن الشيعة يعتقدون أن الأمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله عز وجل, على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأنها مثلها لطف من الله عز وجل, ولا يجب أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى, وليس للبشر حق اختيار الأمام وتعيينه, بل وليس للإمام نفسه حق تعيين من يأتي بعده, وقد وضعوا على لسان أئمتهم عشرات الروايات في ذلك, منها مانسبوه إلى الإمام محمد الباقر رحمه الله أنه قال: أترون أن هذا الأمر إلينا نجعله حيث نشاء؟ لا والله ما هو إلا عهد من رسول الله رجل فرجل مسمى حتى تنتهي إلى صاحبها[9]

ويعتقد الشيعة الإمامية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نص على الأئمة من بعده وعينهم بأسمائهم وهم اثنا عشر إماماً لا ينقصون ولا يزيدون:

و أساس عقيدة الوصية هو ابن سبأ وكان ينتهي بأمر الوصية عند علي رضي الله عنه ولكن جاء فيمن بعده من عممها في مجموعة من أولاده وكانت الخلايا الشيعية الإمامية تعمل بصمت وسرية وكان أئمة أهل البيت ينفون ذلك نفياً قاطعاً, كما فعل جدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه, ولذلك أخترع أولئك الأقوام من الشيعة على أهل البيت الأطهار ((عقيدة التقية)) حتى يسهل نشر أفكارهم وهم في مأمن من تأثر الأتباع بمواقف أهل البيت الصادقة والمعلنة للناس[10]

إن من أخطر الأمور التي أبتدعها الشيعة الوصية وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة بعد وفاته مباشرة إلى علي رضي الله عنه أن من سبقه مغتصبين لحقه كما جاء في كتابهم ((الكافي)) : من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية, ولكن الاستقراء التاريخي لتاريخ الخلفاء الراشدين, لا نجد للوصية ذكراً في خلافة أبي بكر ولا في عمر رضي الله عنهما, وإنما لا نجد بداية ظهورها في السنوات الأخيرة من خلافة عثمان رضي الله عنه, عند بزوغ قرن الفتنة, وقد استنكر الصحابة هذا القول, عندما وصل إلى أسماعهم, وبينوا كذبه, ومن أشهر هؤلاء علي بن أبي طالب, وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما, ثم نرى هذا القول يتبلور في فكرة موجهة, وعقيدة تدعو إلى الإيمان بها والدعوة إليها, وذلك في خلافة علي رضي الله عنه, وهذه الوصية التي تدعيها الشيعة فقد أثبت علماؤهم أنها من وضع عبدالله بن سبأ كما ذكر ذلك النوبختي و الكشي, وقد فصلت ذلك في كتابي (أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن طالب رضي الله عنه[11].



تاسعاً: الشورى في دولة عمر بن عبد العزيز:

وقد اهتم عمر بن عبد العزيز بتفعيل مبدأ الشورى في خلافته, ومن أقواله في الشورى: إن المشورة و المناظرة باب رحمة ومفتاح بركة لا يضل معهما رأي, ولا يفقد معهما حزم[12], وكان أول قرار اتخذه عمر بعدما ولي أمر المدينة للوليد ابن عبد الملك, يتعلق بتطبيق مبدأ الشورى وجعله أساساً في إمارته, حين دعا من فقهاء المدينة وكبار علمائها, وجعل منهم مجلساً استشارياً[13] دائماً.

فعندما جاء الناس للسلام على الأمير الجديد بالمدينة وصلى دعا عشرة من فقهاء المدينة وهم: عروة بن الزبير, وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة, و أبوبكر بن عبدالرحمن بن الحارث ابن هشام, و أبوبكر بن سليمان بن أبي خيثمة, وسليمان بن يسار, والقاسم بن محمد, وسالم ابن عبد الله بن عمر, و أخوه عبد الله بن عبد الله بن عمر, وعبد الله بن عامر بن ربيعة, وخارجة بن زيد بن ثابت, فدخلوا عليه فجلسوا فحمدا الله وأثنى عليه بما هو أهله, ثم قال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه, وتكونون فيه أعواناً على الحق, إني لا أريد أن أقطع أمراُ إلا برايكم أو برأي من حضر منكم, فإن رأيتم أحداً يتعدى, أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فاحّرج الله على من بلغه ذلك إلا أبلغني[14] فقد أحدث عمر بن عبدالعزيز مجلساً, حدّد صلاحياته بأمرين:

1ـ أنهم أصحاب الحق قي تقرير الرأي, وأنه لا يقطع أمراً إلا برأيهم, وبذلك يكون الأمير قد تخلى عن اختصاصاته إلى هذا المجلس, الذي نسميه مجلس العشرة.

2-انه جعلهم مفتشين على العمل, ورقباء على تصرفاتهم فإذا مااتصل بعلمهم أو بعلم أحدهم أن عاملاً ارتكب ظلامة, فعليهم أن يبلغوه وإلا فقد استعدى الله على كاتم الحق

ونلاحظ كذلك على هذا التدبير قد تضمن أمرين:

1-أن الأمير عمر بن عبدالعزيز لم يخصص تعويضاً لمجلس العشرة لأنهم كانوا من أصحاب العطاء, وبما أنهم فقهاء, فما ندبهم إليه داخل في صلب اختصاصهم

2- ان عمر افترض - غياب أحدهم عن الحضور لعذر من الاعذار ولهذا لم يشترط في تدبيره حضورهم كلهم, وإنما قال: أوبرأي من حضر منكم[15]

إن هذا المجلس كان يستشار في جميع الأمور دون استثناء[16]

ونستنتج من هذه القصة أهمية العلماء الربانيين وعلو مكانتهم وأنه يجب على صاحب القرار أن يدنيهم ويقربهم منه ويشاورهم في أمور الرعية, كما أنه على العلماء أن يلتفوا حول الصالح من أصحاب القرار من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن للمصالح وتقليل ما يمكن من المفاسد, كما أن عمر بن عبدالعزيز لم يختصر في شواره على هؤلاء فحسب, بل كان يستشير غيرهم من علماء المدينة, كسعيد بن المسيب, والزهري وغيرهم وكان لايقضي في قضاء حتى يسأل سعيد, وفي المدينة أظهر عمر بن عبدالعزيز إجلاله للعلماء وإكباره لهم.

وقد حدث أن أرسل رحمه الله تعالى رسولا إلى سعيد بن المسيّب فأخذ سعيد نعليه وقام إليه في وقته, فلما رآه عمر قال له: عزمت عليك يا أبا محمد إلا رجعت إلى مجلسك حتى سألك رسولنا عن حاجتنا, فإنا لم نرسله ليدعوك, ولكنه أخطأ أنما أرسلناه ليسألك[17]

وفي إمارته على المدينة المنورة وسع مسجد رسول الله صلى الله عليه بأمر الوليد بن عبدالملك, حتى جعله مائتي ذراعاً في مائتي ذراع, ذخرفة بأمر الوليد بن عبد الملك مع أنه ـ رحمه الله ـ كان يكره ذخرفة المساجد ويتضح من موقف عمر بن العزيز هنا أنه قد يضطر الوالي للتجاوب مع قرارات ممن هو أعلى منه حتى وإن كان غير مقتنع بها إذا قدر أن المصلحة في ذلك من وجوه أخرى، وفي إمارته على المدينة في سنه 91هـ حج الخليفة الوليد بن عبدالملك فاستقبله عمر بن عبدالعزيز أحسن استقبال, وشاهد الوليد بأم عينيه الإصلاحات العظيمة التي حققها عمر بن عبدالعزيز في المدينة المنورة[18]



* في خلافته:

كان خطابه عندما تولي الخلافة كالآتي: أيها الناس, إني قد ابتليت بهذا الأمر, من غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين, واني قد خلعت مافي أعناقكم من بيعتي ((فاختاروا لأنفسكم)) فصاح الناس صيحة واحدة, قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فول أمرنا باليمن والبركة[19]

وبذلك خرج عمر من مبدا توريث الولاية الذي تبناه معظم خلفاء بني أمية إلى مبدأ الشورى والانتخاب, ولم يكتف عمر باختياره ومبايعة الحاضرين, بل يهمه رأي المسلمين في الأمصار الأخرى ومشورتهم, فقال في خطبته الأولى-عقب توليه الخلافة-: .. وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم, وإن هم أبوا فلست لكم بوالٍ, ثم نزل[20].

وقد كتب إلي الأمصار الأسلامية فبايعت كلها, وممن كتب لهم يزيد بن المهلب يطلب إليه البيعة بعد أن أوضح له إنه في الخلافة ليس براغب, فدعا يزيد الناس إلى البيعة فبايعوا,[21] وبذلك يتضج أنه لم يكتف بمشورة من حوله بل امتد الأمر إلى جميع أمصار المسلمين ونستنتج من موقف عمر هذا ما يلي :

1- أن عمر كشف النقاب عن عدم موافقة الأصول الشرعية في تولي معظم الخلفاء الأمويين.

2- حرص عمر على تطبيق الشورى في أمر يخصه هو, ألا وهو توليه الخلافة.

3 ـ أن من طبق مبدأ الشورى في أمر مثل تولي الخلافة حري بتطبيقه فيما سواه.

وكان عمر يستشير العلماء, ويطلب نصحهم في كثير من الأمور أمثال سالم بن عبدالله, ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة وغيرهم, فقال: إني قد ابتليت بهذا الأمر فأشيروا[22] عليّ. كما كان يستشير ذوي العقول الراجحة من الرجال[23] وقد حرص عمر على إصلاح بطانته لما تولى الخلافة, فقرب إلى مجلسه العلماء وأهل الصلاح, وأقصى عنه أهل المصالح الدنيوية والمنافع الخاصة, ولم يكتف رحمه الله بانتفاء بطانته, بل كان زيادة على ذلك يوصيهم ويحثهم على تقويمه , فقال لعمر بن مهاجر: اذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم هزني ثم قل : يا عمر ما تصنع[24]؟, وقد كان لهذا المسلك أثر في تصحيح سياسته التجديدية ونجاحها , حيث كان لبطانته أثر في شد أزره , وسداد رأيه وصواب قراره[25], فمن أسباب نجاح عمر بن عبد العزيز تقريبه لأهل العلم والصلاح وانشراح صدره لهم ومشاركتهم معه لتحمل المسؤلية فنتج عن ذلك حصول الخير العميم للإسلام والمسلمين[26]



عاشراً: الشورى في عهد نور الدين زنكي:

تولى حركة المقاومة الإسلامية ضد الصليبيين في عهد الحروب الصليبية بعد عماد الدين عام 541هـ ابنه نور الدين محمود زنكي وقد تميزت شخصيته بمجموعة من الصفات الرفيعة والأخلاق الحميدة التي ساعدته ـ بعد توفيق الله ـ على تحقيق انجازاته العظيمة والتي من أهمها : الجدية والذكاء المتوقد , والشعور بالمسؤولية , وقدرته على مواجهة المشاكل والأحداث , ونزعته للبناء والأعمار , وقوة الشخصية ومحبة المسلمين له , واللياقة البدانية العالية , وتجرده وزهده الكبير , وشجاعته الفائقة , ومفهومة للتوحيد وتضرعه ودعاؤه , ومحبته للجهاد والشهادة , وعبادته وانفاقه وكرمه واتخذ نور الدين محمود زنكي من سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله نموذجاً يقتدي به في دولته , فقد كتب الشيخ العلامة أبو حفص معين الدين عمر بن محمود الاربلي سيرة عمر بن عبد العزيز لكي يستفيد نور الدين منها في ادارة دولته ولقد آتت معالم الاصلاح والتجديد الراشدي في عهد عمر بن عبد العزيز ثمارها في الدولة الزنكية , فقد اقننع نور الدين بأهمية التجارب الاصلاحية فى تقوية واثراء المشروع النهضوي وأهميته في ايجاد وصياغة الرؤية اللازمة في نهوض الأمة وتسلمها القيادة , فللتجارب التاريخية دور كبير في تطوير الدول وتجديد معاني الايمان في الأمة وكانت أهم معالم التجديد والاصلاح التي قام بها نور الدين محمود , الحرص على تطبيق الشريعة ولقد تحققت في دولة نور الدين محمود آثار تحكيم شرع الله , من التمكين والأمن والاستقرار والنصر والفتح المبين والعز والشرف وبركة العيش ورغد الحياة في عهده وانتشار الفضائل وانزواء الرذائل .

وكان نور الدين محمود قدوة في عدله , أسر القلوب وبهر العقول , فقد كانت سياسته تقوم على العدل الشامل بين الناس , وقد نجح في ذلك على صعيد الواقع والتطبيق نجاحاَ منقطع النظير , حتى اقترن اسمه بالعدل وسمي بالملك العادل , وكان من أسباب نصر الله لهذا الملك العادل على الباطنية والصليبيين اقامته للعدل في الرعية وايصال الحقوق الى أهلها , فالعدل في الرعية وانصاف المظلوم يبعث في الأمة العزة والكرامة ويولد جيلاَ محاربا وأمة تحررت ارادتها بدفع الظلم عنها , وقد سجل التاريخ بأن نور الدين محمود ساد العدل في دولته , وتم ايصال حقوق الناس اليهم فنشطوا الى الجهاد والدفاع عن دينهم وعقيدتهم وأوطانهم وأعراضهم ومن أبرز أعماله التجديدية اقامته للعدل , وقد أولى نور الدين المؤسسة القضائية اهتماماَ كبيراَ وجعلها قمة أجهزته الادارية وخول القضاة على اختلاف درجاتهم في سلم المناصب القضائية صلاحيات واسعة , ان لم نقل مطلقة ومنحهم استقلالاَ تاماَ , لكونهم الأداة التنفيذية لاقرار مبادى الحق والعدل , وتحويل قيم الشريعة ومبادائها الى واقع ملتزم , وتوجت جهوده باٍنشاء دار العدل التي كانت بمثابة محكمة عليا لمحاسبة كبار الموظفين , واٍرغامهم على سلوك المحجة البيضاء, أو طردهم واستبدالهم بغيرهم إن اقتضي الأمر ولم يترك نور الدين في بلد من بلاده ضريبة ولامكساً ولاعشراً إلاورفعها جميعها من بلاد الشام والجزيرة وديار مصر وغيرها مما كان تحت حكمه وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن نشط الناس للعمل, فأخرج التجار أموالهم ومضوا يتاجرون, وجاءت الجبايات الشرعية بأضعاف ما كان يجبى من وجوه الحرام, يقول ابن خلدون: العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم, وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها, وانقبضت أيديهم عن السعي في ذلك, وعلى قدر الاعتداء ونسبته, يكون انقباض أيديهم عن المكاسب, كسدت أسواق العمران وانتقصت الأحوال, ويقول: العدوان على الناس في أموالهم وحرمهم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم يفضي إلى الخلل والفساد دفعة, وتنتقض الدولة سريعاً[27].

1- الشورى في القضايا العامة:

اهتم الملك العادل نور الدين محمود زنكي بالشورى, فقد رأى أهميتها في حيوية الأمة وأمنها واستقرارها والأهم من ذلك كله أن الله أنزل فيها سورة في القرآن الكريم حملت اسمها, وهو مبدأ أرشد إليه القرآن الكريم, وهو يمثل أرقى أشكال التعاون قال تعالى: ' وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وأَمْرُهمُْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ' (الشورى, آية: 38).

كما أمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه بشكل لا يقبل التأويل في قوله تعالى ' وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ' ( ال عمران, اية: 159).



قال الشاعر:

إذا بـلـغ الرأي المـشورة فاستعـن

برأي لبيب أو مشورة حازم



ولا تجعل الشورى عليك غضاضة

فـإن الحـوافـي قــوة للقــوادم[28]



وكان نور الدين زنكي يرى أن الشورى واجبة على الحاكم في الشريعة الإسلامية, وإلى هذا القول ذهب كثير من العلماء والفقهاء, فلا يحل للحاكم أن يتركها, وأن ينفرد برأيه دون مشورة المسلمين من أهل الشورى, كما لا يحل للأمة الإسلامية أن تسكت على ذلك , وأن تتركه ينفرد بالرأي دونها ويستبد بالأمر دون أن يشركها[29] فيه فالأمة لاتنهض اٍلا اٍذا أخذت بفقه النهوض , والذي منه ممارسة الشورى في نطاقها الواسع , ولقد اعتمدها نور الدين محمود ولم ينفرد باتخاذ القرارات بل تبادل الآراء في كل أمور الدولة , فكان له مجلس فقهاء يتألف من ممثلي سائر المذاهب وأهل الاختصاص في شؤون الحياة يبحث معهم في أمور الادارة والنوازل والميزانية وثمة وثيقة قيمة يثبتها أبو شامة بنصها عن احدى المحاضر التي دونت بصدد عدد من قضايا الوقف والأملاك , كانت قد أدخلت ضمن أوقاف الجامع الأموي بدمشق وسعى نور الدين , الى فصلها واعادتها الى قطاع المنافع العامة وبخاصة مسائل الدفاع والأمن , وقد تمثلت في تلك الوثيقة بوضوح الرغبة الجادة لدى نور الدين الأسلوب الشوري الحر باعتباره الطريق الذي لا طريق غيره للوصول الى الحق[30], ففي تاسع عشر صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة أحضر نور الدين أعيان دمشق من القضاة ومشايخ العلم والرؤساء[31], وسألهم عن المضاف الى أوقاف الجامع بدمشق من المصالح ليفصلوها منها , وقال لهم: ليس العمل الا ماتتفقون عليه وتشهدون به , وعلى هذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يجتمعون ويتشاورون في مصالح المسلمين , ولايجوز لأحد منكم أن يعلم من ذلك شيئاَ الا ويذكره ولاينكر شيئاَ مما يقوله غيره الا وينكره , والساكت منكم مصدق للناطق ومصوب له , فشكروه على ما قال ودعوا له , وفصلوا له المصالح من الوقف , فقال نور الدين: ان أهم المصالح سد ثغور المسلمين وبناء السور المحيط بدمشق والفضيل والخندق لصيانة المسلمين وحريمهم وأموالهم ثم سألهم عن فواضل الأوقاف هل يجوز صرفها في عمارة الأسوار وعمل الخندق للمصلحة المتوجهة للمسلمين[32], فأفتى شرف الدين المالكي بجواز ذلك ومنهم من روّى في مهلة النظر , وقال الشيخ ابن عصرون الشافعي: لا يجوز أن يصرف وقف مسجد الى غيره , ولا وقف معين الى جهة غير تلك الجهة وإذا لم يكن بد من ذلك فليس طريقه إلا أن يقترضه من إليه الأمر من بيت مال المسلمين فيصرفه في المصالح ويكون القضاء واجباَ من بيت المال , فوافقه الأئمة الحاضرون معه على ذلك , ثم سأل ابن ابي عصرون نور الدين: هل أنفق شئ قبل اليوم على سور دمشق وعلى بناء ((بعض)) العمارات المتعلقة بالجامع المعمور بغير إذن مولانا ؟ وهل كان إلا مبلغاَ للأمر في عمل ذلك ؟ فقال نور الدين لم ينفق ذلك ولاشئ منه إلا بإذني وأنا أمرت به[33].

2- مجالس متخصصة:

كان مجلسه ندوة كبيرة يجتمع إليها العلماء والفقهاء للبحث والنظر[34], ولم تكن المناظرات التي شهدتها مجالسه تزجية للوقت, وتخريجاً نظرياً للفروع على الأصول, ونزفاً فكرياً, إنما كانت نشاطا جاداً من أجل مجابهة المشاكل والتجارب المتجددة المتغيرة, بالحلول المستمدة من شريعة الإسلام وفقهها الواسع الكبير, مادام الرجل يسعى إلى إعادة صياغة الحياة في ميادينها كافة, وعلى مدى مساحاتها بما ينسجم وعقيدة الإسلام و رؤياه لموقع الإنسان في العالم ومن ثم فإن ندوات كهذه أشبه بمجالس أو ((لجان برلمانية)) متخصصة تجتمع بين الحين والحين لحلّ مشكلة ما, أو استعداد تشريع, أو إقرار قانون, ونحن نذكر هنا ذلك الاجتماع الموسّع الذي مرّ ذكره مع حشد من العلماء الذين اختيروا لكي يمثلوا المذاهب الفقهية كافة من أجل النظر في عدد من قضايا الوقت والمصالح العامة[35]، وقد شبه ابن الأثير مجلسه بمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم: مجلس حلم وحياء, لاتؤبن فيه الحرم ولايذكر فيه إلا العلم والدين وأحوال الصالحين, والمشورة في أمر الجهاد وقصد بلاد العدو ولا يتعدى هذا[36] .

وقد بين ابن الأثير رواية أخرى تحدث فيها عن قيام نور الدين باستحضار عدد من الفقهاء واستفتائهم في أخذ ما يحلّ لهم من الغنيمة, ومن الأموال المرصده لمصالح المسلمين, فأخذ ما أفتوه بحلّه ولم يتعدّه إلى غيره البتة[37] فما يصدر عن ممثلي الشريعة الغراء يتوجب أن يكون ملزماً لكل إنسان سواء كان في القمة أم في القاعدة, وقولهم هو قول الفصل, لأن نور الدين – ما كان يريد أن يمارس الاستشارات القانونية المزدوجة يبرز للناس أنه لايقدم على عمل إلا بعد الاطلاع على رأي قادة فكرهم ومشرّعي قوانينهم, ويسعى في الخفاء إلى تنفيذ ما كان قد اعتزمه مسبقاً, مهما كانت درجة تناقضه مع طروحات اللجان الاستشارية والتشريعية والبرلمانية التي ستكون بمثابة الرداء الخارجي الذي يحمي في داخله مضامين وممارسات لا تمتد إلى لون الرداء ونسيجه في شئ[38], وكان يكاتب العلماء للاستشارة, فقد ذكر ابن الجوزي أن نور الدين كاتبه مراراً, وكان نور الدين يسأل العلماء والفقهاء عما يُشكل عليه من الأمور الغامضة وكان يقول لمستشاريه من العلماء والفقهاء: بالله انظروا أي شيء علمتموه من أبواب البر والخير دلوّنا عليه, وأشركونا في الثواب, فقال له شرف الدين بن أبي عصرون: والله ما ترك المولى شيئاً من أبواب البر إلا وقد فعله ولم يترك لأحد بعده فعل خير إلا وقد سبقه إليه[39] لقد مارس الملك العادل نور الدين محمود زنكي الشورى على أسس صحيحة في دولته وكانت له مجالس شورية يلتقي فيها القادة العسكريون والإداريون مع العلماء والفقهاء, فكل حاكم يريد لحكمه أن يستمر ولنظام دولته أن يستقر عليه أن يكون حريصاً على الإلمام بحقيقة الأوضاع ببلاده, والشورى خير سبيل لتحقيق هذه الغاية.

ومع تطور أمور الحياة لاغنى لأمه تريد أن تنهض عن مبدأ الشورى, ولا مانع من ضبط ممارسة الشورى وفق نظام أو منشور أو قانون يعرف فيه ولي الأمر حدود ما ينبغي أن يشاور فيه ومتى وكيف؟ وتعرف الأمة حدود ما تستشار فيه ومتى؟ وكيف؟ لأن الشكل الذي تتم به الشورى ليس مصبوباً في قالب حديدي,[40] فأشكال الشورى وأساليب تطبيقها ووسائل تحقيقها وإجراءاتها ليست من قبيل العقائد وليست من القواعد الشرعية المحكمة التي يجب التزامها بصورة واحدة في كل العصور والأزمنة, وإنما هي متروكة للتحري والاجتهاد والبحث والاختيار, أما أصل الشورى فإنه من قبيل المحكم الثابت الذي لا يجوز تجاهله أو إهماله لأن الشورى في جميع الأزمنة مفيدة ومجدية, والدكتاتورية أو حكم الفرد في جميع الأمكنة والأزمنة كريهة ومخربة[41].


--------------------------------------------------------------------------------

[1] الطبقات (3/35 ـ 38) تحقيق د. إحسان عباس.

[2] مجمع الفوائد (9/139) مسند أحمد (2/325) حسن لغيره

[3] نبير عترته: نهلك أقرباءه لسان العرب (4/5) (4/538)

[4] مسند أحمد (2/325) حسن لغيره الموسوعة الحديثة

[5] كشف الاستتار عن فوائد البزار (3/24)

[6] الطبقات تحقيق د.محمد السلمي (1/286 , 287)

[7] الطبقات تحقيق السلمي ص172

[8] فرق الشيعة النوبختي ص34

[9] الإمامة والنص, فيصل نور ص8.

[10] أصول الشيعة الإمامية للقفاري((/2/800)).

[11] خامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي بن أبي طالب ص 174.

[12] أدب الدنيا والدين للماوردي ص 189.

[13] النموذج الإعدادي المستخلص من إدارة عمر بن عبد العزيز ص 283.

[14] موسوعة فقه عمر بن عبدالعزيز, قلعجي ص 548.

[15] نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي (1/562).

[16] نظام الحكم في الأسلام بين النظرية والتطبيق ص 391.

[17] سيرة عمر بن عبدالعزيز ومناقبه ص 23 لابن عبدالحكم.

[18] موسوعة عمر بن عبدالعزيز ص20.

[19] سيرة مناقب عمر بن عبدالعزيز بن ص65.

[20] البداية والنهاية (12/657).

[21] والنموذج الأداري المستخلص من إدارة عمر ص 285.

[22] سيرة ومناقب عمر بن عبدالعزيز ص 16

[23] الدولة الاموية للصَّلابي (2/125)

[24] - أثر العلماء في الحياة السياسية ص 175 إلى 177 للخرعان.

[25] - المصدر نفسه ص 178.

[26] - الدولة الأموية (2\126) للصلابي.

[27] -الدولة الزنكية للصلابي ص 635 , 636.

[28] - فقة النصر والتمكين في القرآن الكريم الدولة.

2- الزنكية ص 254 للصلابي..

3- نور الدين محمود الرجل والتجربة ص 80..

4- نور الدين محمود الرجل والتجربة ص 80.


[32] - كتاب الروضتين نقلا عن نور الدين محمود ص 81.

[33] - المصدر نفسه ص 82.

[34] - الدولة الزنكية ص 255.

[35] نورى الدين محمود الرجل والتجربة ص 133.

[36] الباهر ص173

[37] المصدر نفسه ص71,173.

[38] نور الدين محمود الرجل والتجربة ص 134.

[39] المنتظم لابن الجوزي (10/249).

[40] فقه النصر والتمكين للصِّلابي ص464.

[41] الدولة الزنكية للصِّلاَّبي ص 257.
  رد مع اقتباس
قديم 04-02-2010, 02:16 PM   رقم المشاركة : ( 10 )
عضو شرف


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 599
تـاريخ التسجيـل : Nov 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 250 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو اسحاق الاجدابي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ابو اسحاق الاجدابي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الشورى في الإسلام

الشورى في الإسلام ( 10 )

الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي


بسم الله الرحمن الرحيم


المبحث الثاني: فوائد الشورى وأحكامها ومجالاتها.


أولاً: فوائد الشورى:


إن التعريف الاصطلاحي للشورى: رجوع الحاكم أو القاضي أو آحاد المكلفين في أمر لم يُستَبن حكمه بنص قرآني أو سنة أو ثبوت إجماع إلى من يُرجى منهم معرفته بالدلائل الاجتهادية من العلماء المجتهدين ومن قد ينضم إليهم في ذلك من أولي الدراية والاختصاص[1].

وهكذا فإن الشورى في الاصطلاح الذي يقضي به الإسلام يمكن أن تتسع لتُعبِّر عن: استخلاص الرأي الجامع من خلال الحوار الجامع, وهذا هو مطلوب الشورى, فإن لم يكن رأي جامع فرأي راجح لدى استصدار القرار, مما ينعقد عليه العمل الجامع لدى التطبيق والتنفيذ[2].

ومن فوائد الأخذ بالشورى أمور كثيرة منها:

1-إصابة الحق في الغالب, فإن الآراء إذا عرضت بحرية تامة وأدلى كلٌّ بحجته, وكانت النية صحيحة والهدف هو الوصول إلى الحق, وقدمت المصلحة العامة, وتجرد المتشاورون عن الأهواء والدوافع السيئة مع التوكل على الله تعالى فلا أشك أن النتائج تكون سليمة والعواقب حميدة والتسديد والتوفيق يتنزل من الله تعالى, وهذا واضح فيما وقع في عهد الصحابة رضوان الله عليهم[3].



2- أن العمل بالشورى قربة وطاعة لله عز وجل, ففيه اجتماع الرأي في تحصيل الخير, وتهذيب رأي صاحب الأمر مع الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى, ومما ورد في شأن ذلك ما قاله: بشار بن برد:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن

بحزم نصيح أو نصيحة حازم[4]

3 ـ من أعظم فوائد الشورى تلاقح الأفكار, وتكامل الثقة, وتبادل الخبرة والاطلاع على ما عند الآخرين, والاستفادة من الخبرات المتنوعة وبعبارة أخرى حصول التكامل بين أفراد المجتمع[5].


4- الشورى تعطي قوة للمجتمع في أكثر من مجال إنساني فعلى سبيل المجال النفسي, فأن الشورى طريق للتخلص من الظواهر المرضية غير الصحية, مثل قلة الإخلاص وضعف الأداء الوظيفي, وإهدار الطاقات المفيدة.

يقول الشعبي: الرجال ثلاثة, فرجل ونصف رجل ولاشيء فأما الرجل التام, فالذي له رأي وهو يستشير, وأما نصف الرجل, فالذي ليس له رأي , وهو يستشير وأما الذي لا شيء، فالذي ليس له رأي، ولا يستشير[6] .


5-الشورى تشعر المشاركين بالمسؤولية وأنهم مع المسؤول يسعون إلى تحقيق المصالح العامة, ودرء المفاسد في عملية تكاملية.

6-الشورى تولد الثقة بين الحاكم والمحكوم وتطيب القلوب, وتجعل من رأي الخليفة أو الحاكم رأى جميع المسلمين بعد التشاور.

7- في الشورى وقاية من الاستبداد وتزود الدولة بالكفاءات والقدرات المتميزة وبها تنحصر عيوب التفرد بالقرار[7].

8- تضيق هوة الخلاف بين الراعي ورعيته الخلاف جائز الوقوع, ولكل واحد قناعته, ولكن مع مناقشة الآراء وتداولها وظهور الحق يرجع بعض المخالفين عن رأيه وينصاع إلى الحق, وتتقارب وجهات النظر ويعذر بعضهم بعضاً, ويتعاونون على ما اتفقوا عليه, ويتنازل البعض ويقضي على وساوس الشيطان,[8] وتتآلف القلوب ويتوحد الرأي العام وتضعف حدة الخصوم والمنافسين[9].


9- الشورى تفجر الطاقات الكامنة في أفراد الأمة, وتشجع ذوي الخبرات وتفسح المجال لكل من لديه خير للأمة أن يدلي برأيه وهو آمن فإن قبل فذاك, وإن رد فقد أدى ما عليه وأعذر ولا تمس كرامته ولا ينال منه[10].

ولا غنى لولي الأمر عن المشاورة, فإن الله أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم وليقتدي به من بعده وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية وغير ذلك, فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشاورة[11].

وينبني على هذه الشورى, طاعة الأمة للحاكم فيما يصدر عنه من القرارات تهم الصالح العام[12].

والشورى من قواعد الحكم في الإسلام وصفة من صفات المؤمنين سواء الحاكم أو المحكوم فقد وصف الله المؤمنين بقوله: 'وأمرهم شورى بينهم' وبهذا ينقص الأيمان عند الراعي لعدم امتثاله 'وشاورهم في الأمر' وعند الرعية كذلك, كما في تركها مجافاة للسنة والطريقة التي سار عليها أفضل الخلق والخلفاء الراشدين وأصحابه الميامين والقادة الفاتحين, وكبار المصلحين والعلماء الراسخين والدعاة المخلصين.

10ـ مكافحه نزعات التطرف والعنف:

أن محصلة الاجتهاد الجماعي تقود إلى قرارات معتدلة في الغالب, فالتشدد لا يصدر إلا من أفراد ذوي دوافع ومنازع وعقد تحدوهم وتنزع بهم إلى اتخاذ قرارات متطرفة أو متعسفة أو مفارقة لخطة الحكمة والحسنى, ولكن تبادل الآراء الصادرة من أفراد كثر وأصحاب دوافع متباينة يتجه بالقرار إلى الاعتدال والواقعية في إطار ((فن الممكن والمفيد)) هذا إذا لم يصل بالناس إلى غاية المراد, كما تفسح الشورى مجالا خصبا لمناقشة آراء أهل التطرف والعنف الذيين يتصورون دائماً أن آراءهم هي الآراء النهاية في الموضوع, أي موضوع, ويعزفون بطبعهم عن التعرف على آراء الآخرين,[13] ولكن بجرِّ هؤلاء إلى مجالات الشورى ومشاركة الآخرين لهم في الرأي تتضح لهم القيمة المرجوحة لأفكارهم التي يقدسونها ، ولذلك فإن الشورى هي أجدى علاج لحماقات التطرف وشططه فيجب إعطاء ((الكل)) متنفساً لإبداء الفكر والرأي, حتى يختفي التشنج والشعور بالحرمان والكبت والاضطهاد ولذا يحسن البحث عن هذه الطائفة من الناس على الدوام وإعطاؤها حق القول مهما كان معيباً, فإخراج آرائهم إلى الضوء هو المقدمة الأولى لدحضها وهزيمتها, فإنها لا تعيش ولا تنتعش إلا في سراديب الظلام[14].



11- تسديد النظر إلى المشكلة من زوايا متباينة:

إن إخضاع أي مشكلة للتداول الشوري الحر يمكّن أهل الشورى من رؤيتها من زوايا واتجاهات متباينة متقاطعة, وبذلك تنضاف الرؤى الجزئية بعضها إلى بعض, وتتضامُّ وتتكامل قدر الإمكان, وتتشكل في كُلِّ مرئي للجميع ثم تتنسق وتتوحد محاولات التحليل والتشخيص والإسهامات في اقتراح الحلول ولا يتاح ذلك إلا للجماعة المتوحدة لأن العقل الواحد مهما كان كبيراً نافذاً لا يستطيع أن يُلمَّ بجميع المعلومات المتعلقة بكل المشاكل التي يتعرض لها, ويفهمها, ويحللها ويشخصها, ويقترح الحلول المجدية في شأنها.

ولعل هذا ما عبر عنه بلغة مختلفة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب, رضي الله عنه, إذا قال: الرأي كالخيط السحيل, والرأيان كالخيطين المبرمين والثلاثة مرار ولا يكاد ينتقض[15].

وأورد الأمام الماوردي في هذا المعنى قوله: لم يزل أهل العقول يفزعون إلى الشورى في كل مايقع بينهم, ويمدحون فاعله, ويذمون المستبد برايه, والمرتكب لأهوائه, وقد قال فيه أحد الشعراء:

خليلي ليس الرأي في صدر واحدٍ

أشيرا عليَّ اليوم ما تريان[16]

وقال ابن قتيبة: وقرأت في كتاب للهند أن ملكاً استشار وزراء ً له, فقال أحدهم: الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة كما يزداد البحر بموارده من الأنهار, وينال بالحزم والرأي مالا يناله بالقوة والجنود, والمستشير وإن كان أفضل رأيا من المشير, فإنه يزداد برأيه رأيا كما تزداد النار بالسليط ضوءاً[17].


12- تكامل المعرفة النظرية والعملية:

في أحيان كثيرة يأتي امتياز الرأي من تماسِّه بالواقع المعاش، ويتفوق بتلك الميزة على الرأي النظري، وإن كان هذا الأخير صحيحاً في إطاره النظري، وحين يكتمل هذان الجانبان الركينان للعلم: الجانب النظري والجانب العملي، أو جانب فقه الأوراق وفقه الواقع، يأتي القرار أصوب ما يكون، وهنالك من أخبار الشورى في تاريخ الحضارة الإسلامية الكثيرة مما يكشف عن أن تكامل هذين الجانبين كان من أهم عوامل اتخاذ القرار الصحيح منها ـ على سبيل المثال ـ ما يرويه القلقشندي عن واقعة غزو المسلمين لصقلية فيقول: ان أحد أمرائها التجأ إلى دولة الأغالبة بتونس، وطلب منهم العون لرفع الحيف الذي لحق به من أمراء آخرين ببلاده، وجمع أمير بني الأغلب المسمى زيادة الله مجلس شوراه من فقهاء القيروان وقضاتها وأعيانها وبحثوا الأمر ملياً[18]، ومال بعض أهل الفقه بمن فيهم الإمام سحنون إلى عدم مهاجمة صقلية لبعدها ولأن بينها وبين المسلمين هدنة وعهداً، بينما مال آخرون من أهل القضاء وفيهم القاضي أسد بن الفرات لاستقصاء الواقع، كما هو شأن القضاة دائماً، فأمر باستدعاء بعض رسل الصقليين واستنطقهم إن كان لدى حكومة صقلية أسرى من المسلمين فأقروا بذلك،فاتخذت تلك حجة على الصقليين لأن شروط الهدنة نصت على أن تمكن حكومة صقلية أسرى المسلمين من الرجوع إلى بلادهم إن أرادوا، فاتخذ حينها قرار الغزو[19].

فهذا يدل على الشورى هي التي مهدت إلى القرار الأصوب بجمعها بين الفقهين النظري والعملي على صعيد واحد، وهذا مجرد مثال من أمثلة كثيرة لتفعيل الشورى في فقه الرأي وفقه الواقع معاً في تاريخ حضارتنا الإسلامية التليدة[20].

13 ـ تجاوز الخطوب التي تشل التفكير الفردي:

وتتجلى فضائل الشورى في وقت الخطوب والكروب التي تلحق بالأمم، وتكاد تعصف بها عصفاً فيقف الناس منها ثلاث مواقف متباينة، فمن الناس من يهزمهم الخوف ويشل قدراتهم على التفكير والتحليل واتخاذ القرار، إي قرار، ومنهم من يثير الخوف مشاعرهم باتجاه التحدي وإثبات الذات والاندفاع الأهوج في المواجهة، فيميلون إلى اتخاذ الحلول القصوى في ذلك الاتجاه، ومنهم من يدعوهم الخوف إلى التراجع والتهادن وربما الاستسلام فيقبلون بالدنية من دينهم ودنياهم معاً.

فهذه أصناف ثلاث من المواقف تجلب خلل الرأي وتقود إلى أسوأ العواقب، ولكن اجتماع الناس بمختلف توجهاتهم على صعيد واحد في أوقات المحن والدواهي يؤدي إلى تعادل المواقف والوصول إلى الرأي الأصوب قدر الإمكان[21].

هذه من أهم فوائد الشورى التي ذكرها العلماء.


ثانياً: حكم الشورى:

هناك اختلاف بين العلماء والباحثين حول الرأي الفقهي المتعلق بحكم الشورى، هل هي واجبة أم مندوب إليها، وأغلب الظن أن الحكم يتأرجح ما بين الوجوب والندب[22].

1 ـ من رأى بوجوب الشورى وفرضيتها، وهم جمهور الفقهاء، منهم الحنفية والمالكية، والقول الصحيح من المذهب الشافعي، وينسب هذا القول أيضاً للنّوويّ وابن عطية وابن خويز منداد والرازي، وبعض المعاصرين كأمثال محمد عبده, محمد شلتوت و محمد أبو زهرة وعبد الوهاب خلاف و عبد القادر عودة, نظراً للنصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن, وعلي ولي الأمر العمل بالشورى وما يصدر عنها من نتائج ورؤى, ويأثم إذا أعرض عنها, وترك العمل بها, بل يرى ابن عطية 541هـ أن: الشورى من قواعد الإسلام وعزائم الأحكام, من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب[23] و الأدلة على ذلك قوله تعالى: ' وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ' (ال عمران, اية: 159) ولأن الأصوليين يقولون أن صيغة الأمر تشير إلى الوجوب مالم تصرفه قرينة[24], ولا قرينة صارفة عن الوجوب . و ظاهر الأمر يدل على الوجوب, وإنما أمر الله تعالى نبيه بالمشاورة ليقتدي به المسلمون, فلا غنى لولي الأمر على المشاورة, فإن الله تعالى أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم[25].

ومن الأحاديث ما يشير إلى وجوب الشورى في حياة المسلمين, ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه, أنه قال: ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم[26].

وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يقول: أشيروا علىَّ معشر المسلمين[27], والشورى في الإسلام نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكاً في أن الشورى مبدأ أساسي, لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه[28].

إن الشورى من لوازم الإيمان, حيث جعلها صفة من الصفات اللاصقة بالمؤمنين المميزة لهم عن غيرهم, فلا يكمل إيمان المسلمين إلا بوجود صفة الشورى فيهم, ولا يجوز لجماعة مسلمة أن تقيم أو ترضى إقامة أمرها على غير الشورى, و إلا كانت آثمة مضيعة لأمر الله[29].

2ـ من رأى الندب في الشورى؟ وينسب هذا القول لقتادة وابن إسحاق والشّافعي والرّبيع وابن حزم وابن القيم, ورجحه ابن حجر, وقد ورد هذا ضمن كلام بعض السلف وقياساً على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تجب عليه الشورى أو المشاورة وبالتالي يقاس عليه وضع الخليفة المسلم, إذ لا تجب عليه المشاورة, لأن السلطات الدينية والسياسية من صلاحياته له أن يتولاها بنفسه أو أن يفوض فيها البعض باختياره, من دون إلزام أو فرض عليه.

3- الراجح:

أن الشورى واجبة بالنظر إلى طبيعة الحكم في الإسلام, وأن قواعد السياسة الشرعية تستلزم عدم الانفراد بالرأي, لاسيما في أمور المسلمين العامة, أما ربط مقام الخليفة بمقام النبي صَلىَّ الله عليه وسلم, فالظاهر أنه ربط في غير موضعه, إذ أن مقام الرسول صلىّ الله عليه وسلم أوجه وأحكم من مقام الخليفة, فالرسول كان يجمع أكثر من وظيفة دينية ودنيوية في آن واحد, وليس من العجيب أن يكون الرسول: صلى الله عليه وسلم في بعض المواضيع مستغنيا عن آراء الناس وأحكامهم نظراً لقوة المصدر الذي يعود إليه, وهو الوحي, وفي مسائل الدنيا, كان من عادته صلى الله عليه وسلم التشاور مع أصحابه, وهذا واضح بلا منازع

أما الخليفة – والحاكم – فهو غالباً ما يشكل رمزاً لهذه الأمة, وسلطاته تعود بالأساس إلى الأمة بعمومها, وسلطانها العام , - والحاكم- يستمد سلطانه من الأمة لا من ذاته ولعل المصلحة الشرعية التي تعود بالشورى والمشاورة أكثر من تلك التي تؤخذ من الانفراد والتحكم بالرأي, ولاغنى لولي الأمر عن المشاورة, فإن الله أمر بها نبيه صلىّ الله عليه وسلَّم, فقال تعالى .. 'وشاورهم في الأمر' وقد قيل: إن أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه, وليقتدي به من بعده وليستخرج بها منهم الرأي فيما ينزل فيه وحي من أمر الحروب, والأمور الجزئية, وغير ذلك, فغير صلى الله عليه وسلم (( أولى بالمشورة ))[30]

فإذا كانت الشورى في حق رسول (( صلَّى الله عليه وسلم)) المعصوم الذي يوحى إليه, فهو شأن سائر أئمة المسلمين من باب أولى[31].

ثم إن الشورى واجبة بناء على قواعد ودلالات الألفاظ في علم أصول الفقه, ففي قول الله تعالى: 'وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ' (آل عمران, أية : 195) , لفظة (( وشاورهم )) تشير إلى الوجوب، لأن حقيقة الأمر عند الاصوليين تنصرف إلى الوجوب ما لم تصرفها قرينة[32].

وليس في القرآن أو السنة ما يشير خلاف ذلك, فمن الدلالات القرآنية إلى الأحاديث النبوية ما يشير إلى الوجوب والعمل بها ومنها ما يشير إلى الندب والمدح للعاملين بها, وهذه الأخيرة لا تخالف الأولى في الحكم , بل تعززها وبالتالي الذي نذهب إليه أن الشورى كحكم شرعي واجبة لاسيما وأنها كنظام إنساني أو آلية حكم واجبة بوجوب موضوعها ابتداءً وإنتهاءً[33].

ثالثاً: الشورى المعلمة والشورى الملزمة:

لا ريب أن هناك تسليماً تاماً بأهمية الشورى ومحوريتها في النظام السياسي الإسلامي، لكن تختلف آراء الفقهاء والمفكرين الإسلاميين حول ما يتبع الرأي الشوري من نتائج أي مدى إعلامية تلك النتائج وإلزاميتها للحاكم أو بمعنى آخر: هل يجوز للحاكم أن يستمع إلى آراء أعضاء مجلس الشورى ثم يرفض ما أجمعوا عليه أو اتفقوا عليه بالأغلبية البسيطة أو العظمى, أم أنه ملزم بقبول ذلك الرأي ولو اختلف مع رأيه الخاص[34].

والذي أميل إليه وينسجم مع فطرتي, وموازين عقلي, ومحاكمة قلبي, وأعتقد أن الأدلة الشرعية تؤيده هو أن الشورى ملزمة للحاكم, لئن ذلك يمنعه من الاستبداد وفي قصة الشورى خلال غزوة الخندق و عرضه صلى الله عليه وسلم مصالحة غطفان على ثلث المدينة, واعتراض زعماء الأنصار عليه وقبول الرسول صلى الله عليه وسلم الاعتراض تدلنا هذه الحادثة على إلزامية الشورى للحاكم و تضع تقليداً دستورياً هاماً, وهو أن الحاكم ولو كان رسولاً معصوماً يجب عليه ألا يستبد بأمر المسلمين ولا أن يقطع برأي في شأن هام , ولا أن يعقد معاهدة تلزم المسلمين بأي إلتزام دون مشورتهم وأخذ أرائهم, فإن فعل كان للأمة حق إلغاء كل ما استبد به من دونهم, و تمزيق كل معاهدة لم يكن لهم فيها رأي[35]. فهذا رأي واضح قاطع في تقرير إلزامية الشورى وممن يقولون بإلزامية الشورى الفقيه المعاصر:

- الدكتور توفيق الشاوي, فبعد حديث له عن ظروف نزول آية (( آل عمران: 159)) علق على قوله تعالى:' وشاورهم في الأمر' قائلا: ومعنى ذلك أن الشورى واجبة و ملزمة, حتى لو كان هناك احتمال في أن يكون رأي الأغلبية خاطئاً أو ضاراً, لأن الضرر الناتج عن خطأ الأغلبية أخف من الضرر الناتج عن ترك الشورى واستبداد الحكام بالرأي دون الإلتزام برأي عامة الناس وجمهورهم[36], وهو رأي مستمد عن عبر التاريخ الطويل, حيث ترك الأمر للحكام ولم يبرهنوا على أنهم أرشد دائماً وأهدى من عامة الناس[37].

- وقال الدكتور رحيل محمد غرابيه الأخذ بمبدأ إلزامية الشورى بناء على الحيثيات التالية:

1- تعارفت الأمم والشعوب على مدار الأزمان بالميل نحو الأكثرية واعتبار الغالبية في معظم الأحوال دليل صواب .. وتواطأ الناس قديماً وحديثاً, مسلمين وغير مسلمين, على إقرار مبدأ رضى الأقلية برأي الأغلبية فيمكن الاستئناس بهذه التجربة العالمية على إقرار هذا المبدأ, من منطلق توجه العقل الإنساني العام بمجمله في هذا الاتجاه.

2- يقتضي العقل والمنطق أن يكون رأي المجموعة أقوم وأصوب وأقرب إلى الحقيقة من رأي الواحد، مهما عظمت وطالت خبرته.

3 ـ الإمام أو الخليفة هو فرد من الأمة، لا يتميز عن آحادها بشيء سوى أنه أثقل حملاً وأعظم مسؤولية، كما روي هذا عن الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهذا يقتضي أن يكون اجتهاده مثل اجتهاد غيره من المجتهدين، وإذا كان هذا يصح إطلاقه على عمر والخلفاء الراشدين فهو أكثر صحة وأقوم بالنسبة إلى غيرهم.

4 ـ إن إلزام الأمير ـ الحاكم ـ بإتباع رأي الأغلبية يعتبر ضمانة على عدم الاستبداد بالرأي ومنع التسلط الفردي الذي عانت منه الأمة فترات طويلة.

5 ـ إن الإلتزام برأي الأغلبية أكثر تحقيقاً لمبدأ سلطة الأمة والذي هو محل اتفاق ولا نزاع فيه، وإن تفرد الأمير برأيه، وعدم نزوله على رأي أهل الشورى أنما هو نقض لسلطة الأمة، واعتداء على حقها الممنوح لها شرعاً.

6 ـ إن الالتزام برأي الأغلبية أكثر انسجاماً مع روح الشريعة وأكثر تحقيقاً لمقاصد النصوص التي جاءت تأمر بالشورى وتحض عليها.

7 ـ تقتضي ظروف العصر أن لا يبقى الأمر بالشورى عاماً غائماً، بل لا بد من تحويله إلى مبدأ دستوري وقاعدة تشريعية قابلة للتطبيق الإجرائي الواضح المحدد الحاسم عند الاختلاف[38].

ولا مناص من أن نقرر أن الالتزام بالشورى العاصم البشري الممكن من خيانة الأمانة وإتباع الهوى وغفوة وازع الإيمان[39].

* الدكتور أكرم ضياء العمري:

وبعد أن ذكر الدكتور أكرم ضياء العمري آيتي سورة الشورى ((38)) وآل عمران ((159)) استدل على وجوب الشورى بقوله: إن الخبر إذ أريد به الإنشاء الطلبي فهو أقوى من الأمر، وأما الآية الثانية فهي بصيغة الأمر، وليس في القرآن قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب فلم يبق إلا أن نفتش في السنة ولم أجد – حسب جهدي – في أحداث السيرة النبوية نصاً صحيحاً يدل على صرف الأمر بالشورى عن الوجوب إلى الندب[40]. وقال الدكتور العمري مؤكداً: لم أقف على مايدل على عدم إلزامية الشورى[41]. فهو قد أكد رأيه بأدلة من أصول الفقه عزز بها رأيه في وجوب الشورى وإلزاميتها في الوقت نفسه[42].

إن موضوع الشورى تحديداً مثار بحث وقراءة في الفكر السياسي الإسلامي منذ أن كان الخلاف بين المسلمين على موضع الإمامة والخلافة ولضبط العلاقة مابين الحاكم والمحكوم في تحصيل المصالح ودرء المفاسد عنهما , وتنظيم طبيعة العلاقة بينهما , كان لابد من وسيلة فعالة أو إجراءات مناسبة لذلك , وهذا لايتحقق إلا بالشورى لأن فيها ضمانة لمقاصد الشريعة في الحكم والسياسة , توفير المزيد من المقاصد الاجتماعية كحرية الرأي والمساواة بين المواطنين , مما يعني ترسيخ مبدأ الحوار وتعميق مضمون التنمية في البلاد ولعل من مرجحات كون الشورى إلزامية أنها حاجزة لحالات التسلط في الحكم والقمع للرأي الآخر , وإذا خول الحاكم في الاعتداد برايه دائماً , كان ذلك وبالاً عليه وعلى الأمة وعلى طريقة الحكم , بل قد يصل به الأمر إلى الدخول في العقائد والتشريعات برأيه وفكره , كما قال فرعون لقومه ' مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ' (غافر , آية:29) لذا كانت النتيجة قوله تعالى: ' وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ' (طه , آية:79).

بل في الظن الغالب على الرأي، أن لولم تكن من مرجحات القول بلزوم الشورى للحاكم أو الرئيس سوى منع حالات الاستبداد بالرأي وقمع الخصوم لكفى وأقنع، إذ لا قداسة لرأي[43], سيما في بعض تجارب الحكم في تاريخنا الإسلامي القديم والمعاصر، إذ أن هناك نماذج وتطبيقات يستحيل معها أن نوصي بعدم لزوم نتيجة الشورى للحاكم .

وتزداد أهمية ذلك في نوعية القرار الصادر عن مجلس الشورى، خصوصاً إذا كان متعلقا بمصالح المسلمين العامة، فأمر العامة لايربط برأي الفرد، وإن كان له من الصفات القيادية الشئ الكثير .

ولاعتبار تقني أكثر منه شرعي , فإن علم الشورى علم إداري سياسي قائم في جميع مجلات الحياة، بل ويعتبر الجانب السلوكي في عمل الحاكم أو المسؤول عملية تعليمية، وتدريبية للآخرين، بل هو على حد تعبير أحدهم بالمعلم الكبير[44].

وهذا يتم من خلال تحفيز المرؤوسين والمحكومين بمعرفة احتياجاتهم ورفع روحهم المعنوية، أو جعل القيادة لهم بالمبادأة والقدوة الحسنة، واختيار الأساليب الفعالة، أو بالاتصال بهم، وإعطاء التوجيهات والتعليمات لآرائهم، على أن شخصية الحاكم أو الرئيس، تلزمه أن يجمع مابين الكفاءة والكاريزما وهي بلا شك ضرورية في تفعيل العمل المؤسسي عند الرعية[45]. فالإسلام ينشئ الأمة ويربيها، ويعدها للقيادة الراشدة ولوكان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى , ويمنع تدريب الأمة عليها تدريباً عملياً واقعياً في أخطر الشؤون، لكان وجود محمد صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي من الله سبحانه وتعالى كافيا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى ولكن ومع وجود محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي الإلهي، لم يلغ هذا الحق[46].

هذا النهج الشورى , سيشكل بلا شك موظفين متخصصين في عملهم , يساعدون الحاكم أو – الرئيس – في تقديم الاستشارات والرؤى حول المواضيع المتعلقة بتحقيق مصلحة المجتمع أو الدولة، وهذا مايجعلنا نؤكد على أن الحاكم لا يحكم الناس , بل المهمة قيادة [47] الناس .

من هذا النهج الشورى , سيتحقق في أفراد المجتمع مبدأ إداري مهم , وهو مبدأ إرساء قاعدة التميز بين صفوف النخب السياسية والاجتماعية وهنا يلزم البيان بأن طبيعة المؤسسة الحاكمة في الإسلام أن ترفض الفردية أو المركزية في اتخاذ القرارات , لاسيما السلطة المركزية النابعة من فردية الحاكم أو دعم بطانته لقراراته وكما هو متبع في علم الإدارة فإن هناك مزايا للعمل المؤسسي أو الشوري , من أهمها:

- أن وضع سلطة اتخاذ القرارات سيكون قريباً من القواعد مما يعني سلامة القرارات المتخذة .

- تخفيض أعباء القيادات نظراً لتفويض السلطة وتخلق روابط وثيقة , ويزيد التعاون والتنسيق .

- تساعد على سرعة اتخاذ القرارات , وسهولة تحديد مناطق الضعف , وسرعة علاجها[48]، كما لا يستطيع الشخص الواحد إدارة عمل متميز , أو على أبعد تقدير إحداث تغييرات على مستوى المؤسسة بدون فريق عمل متميز، لأن خلق منظمة مبدعة[49]، بحاجة إلى عمل جماعي متناسق , أي أن علم الإدارة الحديث في الحكم والقيادة يدعم بضرورة دعم الشورى وآلياتها واعتبارها مصدر قوة للحاكم والمحكوم , لكن مع تأكيدنا على ضرورة احترام قرار الشورى المؤسسي من أهل الحل والعقد، نرى بضرورة احترام رأي الحاكم، أو احترام حقه في الاعتراض على رأي مجلس الشورى، لا سيما إذا كان له وجاهة وإصابة , بحيث يثبت رأيه ويقنع غيره به , ويقرر بالمصلحة العامة[50].

إن القول بإلزامية الشورى هو ما ندين الله به ونرى ضرورته وجدواه , وبدونه لا يمكن تفعيل الشورى على المستوى الدستوري للأمة , فالدولة الإسلامية دولة مدنية، تؤمن بالمؤسسات، وترى فصل السلطات، وأن تكون مرجعيتها الإسلام فهي ليست دولة أسرار ثيوقراطية مغلقة يديرها رجال الدين , وإنما دولة لشعب يسعى بذمته أدناه من مواطنيه، ولذا لا بد أن يتاح للكل أن يسهم في أمر النصح والشورى وأن يلتزم ولاة الأمور بحكم الأغلبية كشورى ملزمة، فهذا الأمر من الأهمية بمكان , ولا بد من أن يستبين تماما قبل الشروع في أي محاولة جدية لتطبيق الشورى في النظام السياسي الإسلامي[51].


--------------------------------------------------------------------------------

[1] الشورى, احمد الأمام ص13.

[2] المصدر نفسه ص13.

[3] فقه الشورى للغامدي ص212.

[4] الشورى د.سامي محمد الصلاحات ص51.

[5] فقه الشورى للغامدي ص 212.

[6] سنن البهمقي الكبرى, ك آواب القاضي (10/188).

[7] الشور د. سامي الصلاحات ص52.

[8] فقه الشورى للغامدي ص212.

[9] الشورى د. سامي الصلاحات ص52.

[10] فقه الشورى ص 213.

[11] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 157.

[12] الشورى د. سامي ص 53.

[13] الشورى د. محمد وقيع الله ص55.

[14] المصدر نفسه ص 56.

[15] عيون الأخبار (1/31) لابن قتيبة .

[16] الشورى د. محمد وقيع ص 52.

[17]عيون الأخبار (1/29-30).

[18] نهاية الأدب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي صـ 427 ، 428.

[19] رياض النفوس لأبي عبد الله المالكي (1/186).

[20] الشورى د. الصلاحات صـ 54.

[21] المصدر صـ54.

[22] تفسير الطبري (3/192).

[23] الجامع لأحكام القرآن للقرطي (4/249)

[24] الموافقات للشاطي (4/115)

[25] المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم د.عبدالكريم زيدان(4/327)

[26] سنن البيهقي, ك أداب القاضي(10/186)

[27] تفسير ابن كثير(2/192)

[28] في ظلال القران (1/501) سيد قطب.

[29] الإسلام وأوضاعنا السياسية عبدالقادر عقوده ص 91.

[30] السياسة الشرعية لابن تميمة ص 157.

[31] من أصول الفكر السياسي الإسلامي محمد عثمان ص156.

[32] الموافقات (4/115) للشاطبي.

[33] خصائص التشريع الإسلامي فتحي الدريني صـ477.

[34] الشورى ومعاودة اخراج الأمة و محمد وقيع الله ص 87.

[35] من توجيهات الإسلام, محمود شلتوت ص (522/523)

[36] قصه الشورى و الاستشارة, توفيق الشاوي ص52

[37] الشورى ومعاودة اخراج الأمة ص99

[38] الحقوق والحريات في الشريعة الإسلامية صـ328.

[39] النظام السياسي للدولة الإسلامية محمد الغواص 211.

[40] - الشورى ومعاودة إخراج الأمة ص 102 .

[41] - المصدر بنفسه ص 102.

[42] - المصدر نفسه ص 102.

[43] - الإسلام والاستبداد السياسي محمد الغزالي ص 137.

[44] - أصول الادارة والتنظيم , عمر الجوهري ص 18.

[45] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 138.

[46] - في ظلال القرآن (1\502) سيد قطب.

[47] - الشورى , د. سامي الصلاحات ص 138.

[48] - المصدر نفسه ص 139 .

[49] -الشورى , سامي الصلاحات ص 139 .

[50] - المصدر نفسه ص 140 .

[51] -الشورى ومعاودة إخراج الأمة ص 108 .
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الشورى في الاسلام

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

 
تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

 


Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. Designed & TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
المواضيع المطروحة في المنتدي تعبر عن راي اصحابها والمنتدي غير مسئول عنها

a.d - i.s.s.w

   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32