العودة   شبكة و منتديات التاريخ العام ۞ قسم الدراسات والأبحاث ۞ ۞ دراسات تاريخية ۞
۞ دراسات تاريخية ۞ قسم طلبة العلم والباحثين المعنيين بدراسة التاريخ و الأبحاث التاريخيه ورسائل الماجستير والدكتوراة وطرح الاسئلة التاريخية.
 

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 20-01-2010, 10:39 PM
الصورة الرمزية الامير خالد
 

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  الامير خالد غير متواجد حالياً
 
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 312
تـاريخ التسجيـل : May 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Morocco
الاقامة :
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 1,923 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 15
قوة التـرشيــــح : الامير خالد is on a distinguished road
افتراضي القضاء في الإسلام

القضاء في الإسلام
جاء الإسلام بنظام متكامل يشمل الدين وما فيه من إيمان وعبادات , والدولة وما فيها من أنظمة وقوانين ومعاملات ,أنظمة تلاءم جميع أجناس الشعوب على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وحتى على اختلاف أديانهم,أنظمة تجعل النفس تسلم بكل جوارحها اعتقادا واحتراما , ولعل من ابرز تلك النظم, النظم القضائية في الإسلام. قال تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} المائدة49والقضاء أمر لازم لقيام الأمم وسعادتها, وحياتها حياة طيبة, ولنصرة المظلوم وقمع الظالم وفض الخصومات والنزاعات وأداء الحقوق إلى مستحقيها, وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وللضرب على أيدي العابثين وأهل الفساد, ولضمان سيادة النظام في المجتمع وتحقيق الأمن وفق نظم ربانية تداوي النفس الإنسانية. والقضاء هو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام , حتى تفصل الخصومة بين الناس, أو يمنع ما يضر حق الجماعة, أو يرفع أي نزاع يمكن أن يقع بين ا لناس وأي شخص في جهاز الحكم , تبعا للأحكام المتلقاة من الكتاب والسنة. والقضاء فرض كفاية, إذا قام به بعض الأمة سقط الوجوب عن الباقين وإذا لم يقم به احد منها أثمت الأمة جميعا . وأمر الناس لا يستقيم دون القضاء, فالأمر بالمعروف وردع الظالم ونصرة المظلوم واجبات لا تتم دون القضاء, فالقاعدة الشرعية تقول :ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ودليل ذلك في الكتابقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ }النساء135 . هذا بالنسبة للقضاء بصفة عامة, أما بالنسبة لدخول الأفراد فيه, فهذايرجع إلى حالاتهم, فهو واجب على الشخص إذا لم يصلح غيره لهذا الأمر , ويحرم على الشخص الذي يعلم عن نفسه العجز وميله للهوى, ويخير المرء إذا وجد من يتساوون في الصلاحية للقضاء. سئل مالك رضي الله عنه : أيجبر الرجل على ولاية القضاء؟ قال: "نعم, إذا لم يوجد منه عوض," قيل له بالضرب والحبس؟ قال : "نعم." وأول قاض في الإسلام كان رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه, فقد كان مأمورا بالدعوة والتبليغ وكذلك بالفصل في الخصومات بين الناس, قال تعالى : {وَأَنِ احْكُمبَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ }المائدة49 وقال :{وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} المائدة42 , فتولى الرسول صلى الله عليه وسلم القضاء بنفسه, وكذلك قلد غيره للقضاء, فولى عليا على اليمن ومعاذ بن جبل على الجند. وفي عهد الخلفاء الراشدين باشروا القضاء بأنفسهم, ولما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية, نتيجة للفتوحات, قاموا بتعيين القضاة, وفصلوا بين الولاية والقضاء, ووضعوا الأسس التي يستنير بها القضاة, ومن أمثلة ذلك كتاب عمربن الخطاب إلى قاضي الكوفة أبي موسى الأشعري الذي يعتبر بمثابة دستور القضاة الذي يسيرون على هديه في الأحكام وفيه يقول عمر رضي الله عنه : " من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس : سلام عليك أما بعد : فان القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة, فافهم إذا أدلي إليك وأنفذ إذا تبين لك, فانه لا ينفع تكلم لانفاذ له. آس بين الناس في مجلسك, وفي وجهك وقضائك, حتى لا يطمع شريف في حيفك , ولاييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر, والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا احل حراما أو حرم حلالا ... ولا يمنعنك قضاء قضيتة اليوم فراجعت فيه عقلك, وهديت لرشدك, أن ترجع إلى الحق, فان الحق قديم لا يبطله شيء, ومراجعةالحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله , ولا سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم اعرف الأشباه والأمثال, فقس الأمورعند ذلك بنظائرها, واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق. واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه, فان احضر بينته أخذت له بحقه, وإلا استحللت عليه القضية, فان ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى وابلغ في العذر. المسلمون عدول بعضهم على بعض, إلا مجلودا في حد أو مجريا عليه شهادة زور, أو ظنينا في ولاء أو نسب, فان الله قد تولى منكم السرائر, ودرأ بالبينات والايمان . اياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم, والتنكر عن الخصومات, فان الحق في مواطن الحق يعظم به الأجر ويحسن به الذخر . فمن صحت نيته, واقبل على نفسه, كفاه الله ما بينه وبين الناس, ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس في نفسه شانه الله. فما ظنك بثواب عند الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته, والسلام". أنواع القضاء في الإسلام: القضاء في الإسلام على ثلاثة أنواع: 1- قضاء الخصومات : وهو القضاء بين الناس لفض النزاعات بينهم. يقوم به "القاضي". ودليله فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وتعيينه غيره قضاة على الناس. وقضاء الخصومات لا يكون إلا في مجلس القضاء حيث يجلس الخصمان بين يدي الحاكم وذلك لما روى الزبير حيث قال : " قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم" (رواه أبو داود) فمجلس القضاء شرط لصحة القضاء, وشرط لاعتباراليمين. ولا تشترط في أنواع القضاء الأخرى, فواقعها مختلف. وقضاء الخصومات يتولاه الرجل والمرأة. 2- قضاء الحسبة: وهي الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام فيمايضر حق الجماعة. ويقوم به قاضي يدعى "المحتسب". وأعمال المحتسب كثيرة فتشمل نواحي أدبية ودينية وعمرانية وأخلاقية. ويمكن إجمال أعمال المحتسب في النواحي التالية: أ- مراقبة التجار وأرباب الحرف أي مراقبة كل صاحب مهنة , ومن أمثلة ذلك : مراقبته للأطباء , فكان المحتسب في الدولة الإسلامية يأخذ على الأطباء عهد الإلتزام والإخلاص, ويجبرهم على دفع دية المريض إذا مات من سوء تصرف منهم. ومثال آخر: مراقبته للخبازين , فكان يأمرهم برفع سقائف أفرانهم , ويجعل في سقوفها منافس واسعة للدخان, ويأمرهم بغسل المعاجن وتنظيفها ويأمر العجان بان يكون ملثما لأنه ربما عطس أو تكلم , وأن يشد على جبينه عصابة بيضاء لئلا يعرق فيقطر منه شيء في العجين. ب- مراقبة الأبنية والطرقات, فيأمر بهدم الأبنية البارزة ويدعو أصحاب البيوت المتداعيةإلى هدمها ورفع أنقاضها. ت- مراقبة الأخلاق العامة مثل طرح الكناسة على جوارالطريق, وتبديد قشور البطيخ, أو رش الماء بحيث يخشى منه التزحلق والسقوط. ث- أعمال مختلفة مثل مراقبة نظافة المساجد, وإجبار الناس معاملة الخدم معاملة حسنة, وجمع الأشياء الضائعة وإعادتها لأصحابها, ومنع معلمي المكاتب من ضرب الصبيان ضربا مبرحاومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل. ويصح أن تتولى المرأة قضاء الحسبة, وذلك أن عمر بن الخطاب استعمل امرأة من قومه وهي أم سليمان بن أبي حثمه " الشفاء" على قضاء الحسبة. ويملك المحتسب القضاء في المخالفة فور العلم بها دون الحاجة لمجلس قضاء في كل زمان ومكان طالما أن هناك تعدي على الحق العام. 3- قضاء المظالم: وهوالقضاء الذي يحصل على اثر شكوى على الحاكم أو جهاز الحكم. ودليله قول الله تعالى {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} النساء59 كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام فعله وتولاه بنفسه, وكذلك فعل الخلفاءمن بعده , فكان جزء من عملهم. لكن عبد الملك بن مروان افرد وقتا مخصوصا للظلام اتوأسلوبا معينا , فصار للمظالم جهاز خاص كان يسمى " دار العدل". وعليه يجوز للحاكم أن ينيب عنه في قضاء المظالم, وان يعين قاضيا معينا يقوم بها. ويقوم بقضاء المظالم قاض يسمى "قاضي المظالم", وعمله رفع كل مظلمة تحصل من الدولة على أي شخص يعيش تحتسلطانها سواء حصلت من الحاكم أو ممن دونه من الحكام والموظفين , فكل مظلمة تقع من رجال الدولة تعتبر مظلمة يستوجب البت فيها. فلو سعر الخليفة للناس مثلا يكون قد فعل شيئا لا حق له به . قيل للرسول صلى الله عليه وسلم عندما غلا السعر على عهده : لوسعّرت, فقال:" إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر واني لأرجو أن القى الله ولا يطلبني احد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال" (رواه الترمذي). ومن الأمورالتي تنظر فيها محكمة المظالم مخالفات الخليفة للأحكام الشرعية إن حصلت, و فرضه ضرائب جائرة , أو إنقاصه لرواتب الموظفين والجند. وكذلك يعمل على رد الغصوب , سواءكانت سلطانية تغلب عليها ولاة الجور , أو كانت مما تغلب عليها ذوو الأيدي القوية. ويعمل على مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد , من تقصير فيهاوإخلال بشروطها , ويمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه , لعلو قدر المحكوم عليه وعظم خطره. ولا يشترط في قضاء المظالم مجلس قضاء ولا حضور المدعى عليه ولا وجودمدع, بل لها حق النظر في المظلمة ولو لم يدع احد. كما يعين ويعزل قاضي المظالم منقبل الخليفة أو من قبل قاضي القضاة إذا أعطي هذا الحق. كما ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يعين القضاة بأنواعهم. لكن في حال كانت المظلمة مرفوعة ضد الخليفة, فان بقاء صلاحية عزل قاضي المظالم بيد الخليفة اثناءها قد تؤدي إلى الحرام, فالوسيلة إلى الحرام حرام, لأن صلاحية العزل في هذه الحالة ستؤثر في حكم القاضي, وبالتالي يحد من قدرة القاضي على عزل الخليفة فتكون صلاحية العزل هذه وسيلة إلى الحرام , أي بقاءها في يد الخليفة في هذه الحالة حرام. الشروط الواجب توفرها في القاضي: يشترط الإسلام توفر جملة من المواصفات في شخصية القاضي ليتمكن من أداءواجبه على أكمل وجه وهي: 1- أن يكون مسلما : قال تعالى:{وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} النساء141 فالقاضي حين يقضي يطبق أحكام الشريعة الإسلامية , وتطبيق الشريعة والدين يحتاج إلى إيمان به من قبل من يطبقه, وخوف من الله يمنعه من الحيد عن التطبيق السليم لأحكامه, وهذا لا يتوفر إلابصاحب العقيدة المسلم. 2- حرا : فلا تجوز تولية من فيه شائبة رق ومن يعجز عن ولاية نفسه. 3- بالغا : فتولي الصبيان غير جائز. 4- عاقلا: لا يتولى القضاء المجنونوالمعتوه, فالقاضي ذكي واسع الإدراك, قوي الفطنة. 5- عدلا : فلا يجوز تولية الفاسقبل القائم بالفرائض , التقي , النقي , الورع. 6- فقيها : عالما بالمسائل الشرعية وأدلتها وطرق استنباطها, فلا تصح تولية الجاهل. 7- سليم الحواس : فلا تجوز توليةالأصم والأعمى ولا الأخرس , وذلك أن الخلل في هذه الحواس يعيقه عن العمل. أما سلامةباقي الاعضاء فهي مستحبة, لان السلامة من الآفات أهيب لذوي الولاية. 8- وتشترط الذكورة في قضاء المظالم دون غيره. تقليد القضاة وعزلهم : يجوز تقليد القضاة (القاضي, المحتسب, وقاضي المظالم) تقليدا عاما بجميع القضايا في البلاد , وكذلكتقليدا خاصا بقضية واحدة. ثبت ذلك من افعال الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قلد علي بن أبي طالب على قضاء اليمن وقلد عمرو بن العاص القضاء في قضية واحدة معينة. أما عزل القضاة فيتم إذا: 1- وجد أفضل منه أو ظهر عجزه وعدم كفاءته , فقد عزل عمربن الخطاب رضي الله عنه شرحبيل بن حسنة عن القضاء, فقال له شرحبيل : "أعن سخطة عزلتني" قال : "لا , ولكن وجدت من هو مثلك في الصلاح, واقوي منك في العمل." 2- وكذلك فسق القاضي أي قيامه بالأعمال الفاسقة كشرب الخمر أو ارتكابه للكبائر . 3- وأيضا الردة, لان الإسلام شرط في صحة ولاية القاضي. 4- أو تعرضه للمرض المعجز الذي يعيقه عن العمل أو من جنون ألمّ به. 5- ويضاف إلى ما يسبق انتهاء المدة التي حددت له بالعمل أو بفراغه من النظر في قضية محددة كلف بها. رزق القضاة: وبالنظر إلى عمل القاضي يستخلص أنه موظف في الدولة يستحق أجرا على عمله. ثبت ذلك من سيرة الصحابةرضوان الله عليهم, فقد بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعامله على مصر قائلا : "أن أفسح للقاضي في البذل ما يزيل علته, وتقل معه حاجته إلى الناس," ورتب للقاضي شريح 500 درهم في كل شهر. تشكيل المحاكم: 1- لم يعين الرسول صلى الله عليه وسلم للقضية الواحدة قاضيين, وعليه لا يجوز أن تتألف المحكمة إلا من قاض واحد, له صلاحيةالفصل في القضاء. ويمكن أن يشاور هذا القاضي آخرين, لكن رأيهم غير ملزم. كما أن حكم الله في حق المسلم لا يتعدد فهو حكم الله, وحكم الله واحد لا يتعدد. 2- لا يجوز أن يقضي القاضي إلا في مجلس القضاء, ولا تعتبر البينة واليمين إلا في مجلس القضاء وهذا خاص بقضاء الخصومات. 3- يجوز أن تتعدد درجات المحاكم بالنسبة لأنواع القضايا, فيجوزأن يخصص بعض القضاة بأقضية معينة إلى حد معين, وان يوكل أمر غير هذه القضايا إلى محاكم أخرى. وذلك لان القضاء وكالة من الخليفة, ويجوز أن تكون عامة وخاصة. 4- لايوجد في قضاء الإسلام محاكم استئناف ولا محاكم تمييز, فالقضاء من حيث البت في القضية درجة واحدة. فإذا نطق القاضي بالحكم, فحكمه نافذ ولا ينقضه قاض آخر. ولا يصح وجود محاكم تنقض أحكام محاكم أخرى. لكن إذا خالف القاضي نصا قطعيا, أو حكم بأحكام الكفر, أو حكم حكما مخالفا لحقيقة الواقع, فانه في هذه الحالات وأمثالها ينقض حكم القاضي من قبل قاضي المظالم. نماذج مشرفة من القضاء الإسلامي: بدراسة تاريخ القضاءالإسلامي نجده قضاء مشرفا وذلك أن الفقهاء كانوا لا يلتمسون القضاء بقلوبهم ولابألسنتهم, لشدة خوفهم من الوقوع في الخطأ والظلم, فأكثرهم رفض القضاء خوفا من أن ينطبق عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القضاة ثلاثة قاضي في الجنة وقاضيان في النار ، فأما الذي في الجنة فرجل علم الحق فقضى به وقاض علم الحق فلميقضي به وقاض قضى بجهل فهما بالنار" (رواه أبو داود) ومن أمثلة ذلك: رفض الإمام أبوحنيفة تولي القضاء في الكوفة زمن الأمويين, رغم تعرضه للتعنيف والضرب. ونتيجة لذلك الالتزام وتلك الخشية الفائقة تولى القضاء قضاة نزيهون شرفاء, يسعد المرء بذكر بعض المواقف المشرفة لهم, ومنها: 1- اختصم رجلان في شيء إلى إبراهيم بن اسحق القاري قاضي مصر سنة 204ھ في خلافة المأمون , فقضى على احدهما , فشفع إلى الوالي, فأمره السرّي أن يتوقف عن تنفيذ الحكم , فجلس إبراهيم في منزله, فركب إليه السرّي و سأله الرجوع, فقال:"لا, لا أعود إلى ذلك المجلس أبدا ! ليس في الحكم شفاعة." 2- اختصم علي بن أبي طالب يهوديا في درع كان في حوزة اليهودي إلى القاضي صاحب المظالم, فطلب القاضي من عليّ شاهدين, فأتى له بابنه الحسن ومولاه قنبر, وكان مذهب القاضي يرى أن الولد لا يشهد لوالده, وان الوالد لا يشهد لولده, فلم يأخذ القاضي بشهادة الحسن وشهادة قنبر, وحكم لصالح اليهودي , وكان ذلك سببا في دخول اليهودي الإسلام. 3- جاءت امرأة متظلمة يوما للمأمون وأتته بثياب رثة , فاخذ حقها من خصمها وهو ابنه العباس, حيث جلس الخصمان في حضرة القاضي بن اكثم والمأمون, وأثناء النظر في الدعوى , ارتفع صوتها على صوت العباس , فزجرها احد الحجاب, فقال له المأمون : " دعها فان الحق انطقها والباطل أخرسه", وكانت ظلامتها ان العباس بن الخليفة اغتصب ضياعها, فأمرالقاضي بردها إليها, وباشر المأمون تنفيذ الحكم على ابنه. 4- ومن المواقف التي تظهرنزاهة ونباهة وفطنة القضاة: تخاصم رجلا وامرأة لدى شريحا قاضي الكوفة, فأرسلت عيني المرأة وبكت, فقال احدهم: يا أبا أمية, ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة , فقال: إن إخوة يوسف جاءوا أباهم يبكون. 5- ويروى عن نزاهة القضاة , أن قاضي مصر ابن عبدالسلام , أفتى بشيء ثم ظهر له انه اخطأ, فنادى في المدينة عن نفسه : "من أفتى له ابن عبد السلام بكذا فلا يعمل به فانه اخطأ." اللهم وفقنا إلى تطبيق أحكام الحق في قضاء الحق, في ظل دولة الحق دولة الإسلام, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الدكتور حازم عيد بدر

التعديل الأخير تم بواسطة الامير خالد ; 20-01-2010 الساعة 11:04 PM
رد مع اقتباس
قديم 20-01-2010, 11:46 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
مشرف على قسم الاندلس .والمواضيع المميزة وقسم الاديان


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 730
تـاريخ التسجيـل : Jan 2010
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : فلسطين
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 97 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : amjad238 is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

amjad238 غير متواجد حالياً

افتراضي رد: القضاء في الإسلام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

رسالتي لكم VIP SMS

توقيع » amjad238
[align=center][URL="http://rasoulallah.net/"][IMG]http://ozkorallah.net/img_design/logo_300.jpg[/IMG][/URL][/align]

[CENTER][IMG]http://www.rasoulallah.net/Photo/albums/Banners/3refhom.jpg[/IMG]
[/CENTER]

  رد مع اقتباس
قديم 21-01-2010, 03:28 AM   رقم المشاركة : ( 3 )

الصورة الرمزية الامير خالد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 312
تـاريخ التسجيـل : May 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Morocco
الاقامة :
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 1,923 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 15
قوة التـرشيــــح : الامير خالد is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الامير خالد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: القضاء في الإسلام

شكرا على المرور اخي الكريم
  رد مع اقتباس
قديم 22-01-2010, 02:31 AM   رقم المشاركة : ( 4 )
موقوف


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 141
تـاريخ التسجيـل : Jan 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة : دولة الخلافه الثانيه القادمه
التحصيل الدراسي : غير محدد
المشاركـــــــات : 920 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : تراب is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

تراب غير متواجد حالياً

افتراضي رد: القضاء في الإسلام

توثيقا لموضوع اخي الكريم لي اضافه قليله لعلها تساعد في اثراء الموضوع المميز
القضاء هو الإخبار بالحكم على سبيل الإلزام، وهو يفصل الخصومات بين الناس، أو يمنعُ ما يضرّ حقّ الجماعة، أو يرفع النـزاع الواقع بين الناس وأي شخص ممن هو في جهاز الحكم، حكاماً أو موظفين، خليفة أو من دونه.
والأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى:{وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ}[049:005]. وأما السنة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، تولّى القضاء بنفسه وقضى بين الناس.
وقد قَلَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، القُضاة، فقلَّد عليّاً رضي الله عنه قضاء اليمن، ووصاه تنبيهاً على وجه القضـاء فقـال له: «إذا تقـاضى إليك رجـلان، فلا تقـض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي» رواه الترمذي وأحمد. وفي رواية لأحمد بلفظ: «إذا جلس إليك الخصمان، فلا تكلَّم حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول». وكذلك عيّن عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل قاضياً على الـجَنَد. وكلٌّ منها دليل مشروعية القضاء.
إن تعريف القضاء يشمل القضاء بين الناس كما سبق. ويشمل الحِسْبَة وهي: (الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام فيما يضر حق الجماعة)، كالذي ورد في حديث صُبْرة الطعام. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مَرّ على صُبْرَة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعُه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غَشَّ فليس مني».
ويشمل كذلك النظر في قضايا المظالم؛ لأنها من القضاء، إذ هي شكوى على الحاكم، وهي أي المظالم: (الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام فيما يقع بين الناس وبين الخليفة أو أحد معاونيه أو وُلاته أو موظفيه، وفيما يقع بين المسلمين من اختلاف في معنى نَصّ من نصوص الشرع الذي يُراد القضاء بحسبها والحكم بموجبها). والمظالم وردت في حديث الرسول في التسعير إذ قال: «… وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحد بمَظْلِمَة ظلمتها إياه في دم ولا مال» رواه أحمد من طريق أنس، ما يدل على أنه يُرفع أمْرُ الحاكم أو الوالي أو الموظف إلى قاضي المظالم فيما يدعيه أحد مَظْلِمَة، وقاضي المظالم يُخبِر بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام. وعليه يكون التعريف شاملاً للأنواعِ الثلاثة من القضاء الواردة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وفعله، وهي فَصلُ الخصومات بين الناس، ومنعُ ما يَضرُّ حقَّ الجماعة، ورَفعُ النـزاع الواقع بين الرعية والحُكام، أو بين الرعية والموظفين في أعمالهم.


  • [فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ][فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]
القضاة ثلاثة: أحدهم القاضي، وهو الذي يتولى الفصل في الخصومات بين الناس في المعاملات والعقوبات. والثاني الـمُحتَسِب، وهو الذي يتولى الفصل في المخالفات التي تَضُرّ حق الجماعة. والثالث قاضي المظالم، وهو الذي يتولى رفع النـزاع الواقع بين الناس والدولة.
هذا بيان لأنواع القضاء. أما دليل القضاء الذي هو فصل بين الناس في الخصومات ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ، وتعيينه معاذ بن جبل لناحية من اليمن. وأما دليل القضاء الذي هو الفصل في المخالفات التي تَضرُّ حق الجماعة والذي يقال له الحسبة فهو ثابت بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «ليس مِنّا مَن غش» طرف من حديث رواه أحمد من طريق أبي هريرة، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم، يتعرض للغاشِّ فيزجره. وكذلك كان يأمر التجار في الأسواق بالصدق في التجارة، والصدقة، روى أحمد عن قيس بن أبي غرزة الكناني قال: «كنا نبتاع الأوساق بالمدينة، وكنا نسمّى السماسرة، قال: فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمانا باسم هو أحسن مما كنا نسمّي به أنفسنا فقال: يا معشر التجار، إن هذا البيع يحضره اللغو والحلف، فشوُبوه بالصدقة».
وروى أحمد عن أبي المنهال: «أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهما أنّ ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان بنسيئة فردوه» فمنعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ربا النسيئة. فهذا كله هو قضاء الحِسْـبَة، فإن تسمية القضاء الذي يفصل في الخصومات التي تَضرُّ حق الجماعة بالحِسْـبَة هو اصطلاح لعمل مُعيّن في الدولة الإسلامية، أي مراقبة التجار، وأرباب الحِرَف، لمنعهم من الغش في تجارتهم، وعملهم، ومصنوعاتهم، وأخذهم باستعمال المكاييل والموازين وغير ذلك مما يَضرّ الجماعة. وهذا العمل نفسه هو ما بَيّنه صلى الله عليه وسلم، ، وأمَرَ به، وتوَلّى الفصل فيه، كما هو ظاهر في حديث البراء بن عازب، حيث منع الطَرَفَيْن من النَسيئة. وكذلك فقد استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، سعيد بن العاص على سوق مكة بعد الفتح كما جاء في طبقات ابن سعد، وفي الاستيعاب لابن عبد البر، ولهذا فإن دليل الحِسْبَة هو السنة. وقد استعمل عمر بن الخطاب الشفاء امرأة من قومه وهي أم سليمان بن أبي حثمة قاضياً على السوق أي قاضي حسبة، كما عيَّن عبد الله بن عتبة على سوق المدينة، كما نقل ذلك مالك في موطئه والشافعي في مسنده، وكان كذلك يقوم بنفسه في قضاء الحِسْبَة، وكان يطوف بالأسواق كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم،. وظل الخليفة يقوم بالحسبة إلى أن جاء المهدي فجعل للحسبة جهازاً خاصاً فصارت من أجهزة القضاء. وفي عهد الرشيد كان المحتسب يطوف بالأسواق، ويفحص الأوزان والمكاييل من الغش، وينظر في معاملات التجار.
وأمـا دليل القضاء الذي يقال له قضاء المظـالـم فـهـو قـولـه تعـالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ}[059:004] وقـد جــاء هـذا بعـد قـولـه تعـالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}[059:004] فالنـزاع بين الرعية وأولي الأمر يجب رده إلى الله ورسوله، أي إلى حكم الله. وهذا يقتضي وجود قاضٍ يحكم في هذا النـزاع وهو قاضي المظالم؛ لأن مما يشمله تعريف قضاء المظالم النظر فيما يقع بين الناس وبين الخليفة. وكذلك فإن دليل قضاء المظالم هو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله، إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يجعل قاضياً خاصاً للمظالم وحدها في جميع أنحاء الدولة، وكذلك سار الخلفاء من بعده من كونهم كانوا هُم يتوَلّون المظالم كما حصل مع عليِّ بن أبي طالبرضي الله عنه، ولكنه كرم الله وجهه لم يكن يجعل لها وقتاً مخصوصاً، وأسلوباً معيناً، بل كانت تُرى الـمَظْلِمَة حين حدوثها، فكانت من جمـلة الأعمال. وظَلَّ الحال كذلك إلى أيام عبد الملك بن مروان، فإنه أول خليفة أفرد للظُلامات وقتاً مخصوصاً، وأسلوباً معيناً، فكان يخصص لها يوماً معيناً، وكان يتصفح الظُلامات، فإن أشكل عليه شيء منها دفعه إلى قاضيه ليحكم به، ثم صار الخليفة يرتب عنه نُواباً ينظرون في ظُلامات الناس، وصار للمظالم جهاز خاص، وكان يُسمى (دار العدل). وهذا جائز من ناحية تعيين قاضٍ مُعيّن لها، لأن كل ما للخليفة من صـلاحيات يجـوز له أن يعين عنه من ينوب منابه بالقيام به، وجائز من حيث تخصيص وقت مُعيّن، وأسلوب معين؛ لأنه من المباحات.

  • [فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ][فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]
يجوز أن يُقلَّد القاضي والمحتسب وقاضي المظالم تقليداً عاماً في القضاء، بجميع القضايا في جميع البلاد، ويجوز أن يقلّدوا تقليداً خاصاً بالمكان وبأنواع القضايا أخذاً من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم،، إذ قلّد علي بن أبي طالب قضاء اليمن، وقلّد معاذ بن جبل القضاء في ناحية من اليمن، وقلّد عمرو بن العاص القضاء في قضية واحدة معينة.
  • [فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ][فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]
ويشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون: مسلماً، حُراً، بالغاً، عاقلاً، عدلاً، فقيهاً، مدركاً لتنـزيل الأحكام على الوقائع. ويشترط فيمن يتولى قضاء المظالم زيادة على هذه الشروط أن يكون رجلاً، وأن يكون مجتهداً، كقاضي القضاة، لأن عمله قضاء وحكم، فهو يحكم على الحاكم، وينفذ الشرع عليه، ولذلك يشترط أن يكون رجلاً، علاوة على باقي شروط القاضي، التي منها أن يكون فقيهاً. إلا أنه يشترط فيه فوق ذلك أن يكون مجتهداً؛ لأن من المظالم التي ينظر فيها هو أن يكون الحاكم قد حكم بغير ما أنزل الله، بأن حكم بحكم ليس له دليل شرعي، أو لا يَنطَبقُ الدليلُ الذي استدل به على الحادثة، وهذه الـمَـظْلِمَة لا يستطيع أن يَفصِل فيها إلا المُجتَهِد، فإذا كان غير مُجتَهِد كان قاضياً عن جهل، وهو حرام ولا يجوز؛ ولذلك يشترط فيه زيادة على شروط الحاكم، وشروط القاضي أن يكون مُجتَهِداً.
  • [فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ][فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]
قال الحافظ في الفتح: الرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين. والقضاء مما يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال، وهو عمل استأجرتهم الدولة عليه لمصالح المسلمين، وكل عمل لمصالح المسلمين تستأجر الدولة من يقوم به على وجهه الشرعي، فإن القائم به يستحق عليه أجراً، سواء أكان عبادةً أم غيرها، بدليل أن الله سبحانه جعل للعاملين على الصدقات سهماً فيها فقال: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}[060:009]. وروى أبو داود وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقاً، فما أصاب بعد رزقه فهو غلول». وقال الماوردي في الحاوي: «والقضاء مما يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال؛ لأن الله تعالى جعل للعاملين على الصدقات سهماً فيها، وقد استقضى عمر شريحاً وجعل له في كل شهر مائة درهم رزقاً، فلما أفضت الخـلافة إلى علي جعل رزقه في كل شهر خمسمائة درهم، وأخذ زيد بن ثابت على القضاء رزقاً». على أن البخاري قد روى تعليقاً قال: «كان شريح يأخذ على القضاء أجراً» وقال الحافظ في تعليق التعليق: «أما أثر شريح فقال سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجراً، وكان شريح يأخذ». وذكر الحافظ في الفتح: «وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء». وروى ابن سعد عن نافع قال: «استعمل عمر بن الخطاب زيد ين ثابت على القضاء وفرض له رزقاً». وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على جواز أخذ الرزق على القضاء. قال الحافظ في الفتح: «وقال أبو علي الكرابيسي: لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، لا أعلم بينهم اختلافاً، وقد كره ذلك قوم منهم مسروق، ولا أعلم أحداً منهم حرَّمه». وذكر ابن قدامة في المغني: «أن عمر كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة، حين بعثهما إلى الشام، أن انظرا رجالاً من صــالحي من قبلـكم، فاســتعـملوهـم علـى القضـاء، وأوســعوا عـليهم، وارزقوهم، واكفوهم من مال الله».
  • [فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ][فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]
لا يجوز أن تتألف المحكمة إلا من قاض واحد، له صلاحية الفصل في القضاء، ويجوز أن يكون معه قاض آخر أو أكثر، ولكن ليست لهم صـلاحية الحـكم، وإنما لهم صـلاحية المشـاورة وإعطـاء الـرأي، ورأيهـم غـير ملزم له.
وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يُعـيّـن للقضية الواحدة قاضيين، وإنما عَـيَّـن قاضياً واحداً للقضية الواحدة، وأيضـاً فإن القضـاء هو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام، والحكم الشرعي في حق المسلم لا يتعدد، فهو حكم الله، وحكم الله واحد. صحيح قد يتعدد فهمه، ولكنه في حق المسلم من حيث العمل به واحد، ولا يتعدد مطلقاً. والقاضي حين يُخـبر بالحكم الشرعي في القضـية على سبيل الإلزام، يجب أن يكون هذا الإخبار واحداً، لأنه في حقيقته عمل بحكم الله، وحكم الله في حالة العمل به لا يتعدد، وإن تعدد فَهمُه. ولهذا لا يصح أن يكون القاضي متعدداً للقضـية الواحـدة، أي في المحكمة الواحدة. أما بالنسبة للبلد الواحد في جميع القضايا، ولكن في محكمتين منفصلتين لمكان واحد، فإنه يجوز؛ لأن القضاء استنابة من الخليفة، فهو كالوكالة يجوز فيها التعدد، وكذلك جاز تعدد القضاة في المكان الواحد. وعند تجاذب الخصوم بين قاضيين في مكان واحد يرجح جانب المدعي، ويكون النظر للقاضي الذي يطلبه؛ لأنه طالب الحق، وهو أرجح من المطلوب منه.
ولا يجوز أن يقضي القاضي إلا في مجلس القضاء، ولا تعتبر البيّنة واليمين إلا في مجلس القضاء؛ وذلك لما رُويَ عن عبد الله بن الزبير قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم» رواه أبو داود وأحمد، فإن هذا الحديث يُبيّن الهيئة التي يحصل فيها القضاء، وهي هيئة مشروعة لذاتها، أي لا بد من وجود هيئة معينة يحصل فيها القضاء، وهي أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم، وهذا هو مجلس القضاء. فهو شرط في صحة القضاء، أي لا بد من مجلس معين يجري فيه القضاء حتى يكون قضاء، وذلك أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم. ويؤيد ذلك حديث عليّ حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعليّ: «إذا جلس إليك الخصمان، فلا تكلَّم حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول»، فهو كذلك يبين هيئة مخصوصة بقوله: «إذا جلس إليك الخصمان». فمجلس القضاء شرط لصحة القضاء، وكذلك شرط لاعتبار اليمين؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، : «اليمين على المدعى عليه» رواه البخاري من طريق ابن عباس. ولا تكون له هذه الصفة، صفة المدعى عليه، إلا في مجلس القضاء. وكذلك البينة لا يكون لها أي اعتبار إلا في مجلس القضاء؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، : «… ولكن البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر» رواه البيهقي. ولا تكون له هذه الصفة إلا في مجلس القضاء.
ويجوز أن تتعدد درجات المحاكم بالنسبة لأنواع القضايا، فيجوز أن يُخصّص بعض القضاة بأقضية معينة إلى حد معين، وأن يوكل أمر غير هذه القضايا إلى محاكم أخرى.
وذلك أن القضاء هو استنابة من الخليفة وهي كالوكالة سواء بسواء، من غير أي فرق بينهما، إذ هي من الوكالة، وتجوز الوكالة عامةً، وتجوز خاصةً؛ ولهذا يجوز أن يُعيّن القاضي قاضياً في قضايا معينة، ويُمنَع من غيرها، ويجوز أن يُعيّن غيره في غيرها، وفيما عُيّن له هو، ولو في مكان واحد؛ ومن هنا جاز تعدد درجات المحاكم، وقد كان ذلك موجوداً عند المسلمين في العصور الأولى، يقول الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية: «قال أبو عبد الله الزبيري: لم تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون قاضياً على المسجد الجامع، يسمونه قاضي المسجد، يحكم في مائتي درهم وعشرين ديناراً فما دونها. ويفرض النفقات، ولا يتعدى موضعه وما قدر له». والرسول صلى الله عليه وسلم، أناب عنه في القضاء في قضية واحدة كما حصل في إنابته لعمرو بن العاص، وأناب عنه في القضاء في جميع القضايا في وِلاية من الولايات، كما حصل في إنابته عليه الصلاة والسلام لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه على قضاء اليمن، مما يدل على جواز تخصيص القضاء وجواز تعميمه.
ولا توجد محاكم استئناف، ولا محاكم تمييز، فالقضاء من حيث البت في القضية درجة واحدة، فإذا نطق القاضي بالحكم فحكمه نافذ، ولا ينقضه حكم قاض آخر. والقاعدة الشرعية (الاجتهاد لا ينقض بمثله) فليس أي مجتهد بحجة على مجتهد آخر، فلا يصح وجود محاكم تنقض أحكام محاكم أخرى.
إلا أن القاضي إن ترك الحكم بأحكام الشريعة الإسلامية، وحكم بأحكام الكفر، أو إن حكم بحكم يخالف نصاً قطعياً من الكتاب أو السنة أو إجماع الصحابة، أو حكم حكماً مخالفاً لحقيقة الواقع، كأن حكم على شخص بالقصاص على أنه قاتل عمد، ثم ظهر القاتل الحقيقي، فإنه في هذه الحالات وأمثالها ينقض حكم القاضي؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه البخاري ومسلم من طريق عائشة رضي الله عنها. ولما روى جابر بن عبد الله: «أن رجلاً زنى بامرأة، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فجُـلد. ثم أُخـبر أنه محصـن فأمـر به فَرُجـم» ولمـا روى مالـك بن أنس قال: «بلغني أن عثمان رضي الله عنه أُتي بامرأة ولدت من ستة أشهر فأمر برجمها. فقال له علي: ما عـليها رجــم؛ لأن الله تعـالى يقـول: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً}[015:046] ويقـول: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}[2330:001] فالحمل يكون ستة أشهر؛ فلا رجم عليها. فأمر عثمان بردها»، وأخبر عبد الرزاق عن الإمام الثوري قال: «إذا قضى القاضي بخلاف كتاب الله، أو سنة رسول الله، أو شيء مجمع عليه، فإن القاضي بعده يرده».
والذي له صلاحية نقض هذه الأحكام هو قاضي المظالم.

  • [فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ][فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]
المحتسب هو القاضي الذي ينظر في كافة القضايا التي هي حقوق عامة، ولا يوجد فيها مُدَّعٍ، على أن لا تكون داخلة في الحدود والجنايات.
هذا تعريف لقاضي الحسبة، وهو تعريف مأخوذ من حديث صُبْرَة الطعام، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، وجد بللاً في صُبْرَة الطعام، فأمر بجعله فوق الطعام حتى يراه الناس، فهذا حق عام للناس نظر فيه الرسول، وقضى فيه بجعل الطعام المبلول على وجه الصُبْرَة لإزالة الغِش. وهذا يشمل جميع الحقوق التي من هذا النوع، ولا يشمل الحدود والجنايات؛ لأنه ليس من هذا القبيل، ولأنها خصومات بين الناس في الأصل.
صلاحيـات المحتسـب:
يملك المحتسب الحكم في المخالفة فور العلم بها في أي مكان دون حاجة لمجلس قضاء، ويجعل تحت يده عدد من الشرطة لتنفيذ أوامره، وينفذ حكمه في الحال.
ولا حاجة لمجلس قضاء حتى ينظر المحتسب في الدعوى، بل يحكم في المخالفة بمجرد التحقق من حدوثها، وله أن يحكم في أي مكان أو زمان: في السوق، وفي البيت، وعلى ظهر الدابة، وفي السيارة، في الليل أو النهار؛ لأن الدليل الذي ثبت فيه شرط مجلس القضاء للنظر في القضية لا ينطبق على المحتسب؛ لأن الحديث الذي ثبت فيه اشتراط المجلس في القضاء يقول: «إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم»، ويقول: «إذا جلس إليك الخصمان»، وهذا غير موجود في قاضي الحسبة؛ لأنه لا يوجد مدع ومدعى عليه، بل يوجد حق عام اعتُديَ عليه، أو مخالفة للشرع. وأيضاً فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، حين نظر في أمر صُـبْرَة الطعام، نظر فيها وهو سائر في السوق، وكانت معروضة للبيع، ولم يستدع صاحب الصُبْرَة عنده، بل بمجرد أن رأى المخالفة نظر فيها في مكانها، مما يدل على أنه لا يُشترط مجلس القضاء في قضايا الحسبة.
وللمحتسب الحق في أن يختار نواباً عنه تتوفر فيهم شروط المحتسب، يوزعهم في الجهات المختلفة، وتكون لهؤلاء النواب صلاحية القيام بوظيفة الحسبة في المنطقة أو المحلة التي عُـيّنت لهم في القضايا التي فُوّضوا فيها.
وهذا مقيدٌ بما إذا كان تعيين المحتسب قد اشتمل على إعطائه حق تعيين نواب عنه، أي حق الاستخلاف عنه. فإذا لَم يجعل له حقُّ الاستخلاف أي حق تعيين نواب عنه، فلا يملك صلاحية التعيين.
  • [فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ][فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]
قاضي المظالم هو قاضٍ يُنَصب لرفع كل مَظْـلِمَة تحصل من الدولة على أي شخص يعيش تحت سلطان الدولة، سواء أكان من رعاياها أم من غيرهم، وسواء حصلت هذه الـمَظْلِمَة من الخليفة أم ممن هو دونه من الحكام والموظفين.
هذا تعريف قاضي المظالم، والأصل في قضاء المظالم ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه جعل ما يفعله الحاكم مِن أمر، على غير وجه الحق في حكمه للرعية، مَظْلِمَة، عن أنس قال: غلا السعر على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، لو سعَّرت، فقال: «إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمَظْلِمَة ظلمتها إياه في دم ولا مال» رواه أحمد، فجعل التسعير مَظْلِمَة؛ لأنه لو فعله يكون فعل شيئاً لا حق له به، وكذلك جعل القضايا التي تحصل في الحقوق العامة، التي تنظمها الدولة للناس، جعل النظر فيها من المظالم. فإذا وضع نظام إداري لمصلحة من مصالح الناس، فرأى أحد الرعايا أن هذا النظام يظلمه، فإن قضيته تُنظر من المظالم؛ لأنها تظلّم من نظام إداري لمصلحة من مصالح الناس وضعته الدولة. كسقي الزرع من ماء عام وفق (دَوْرٍ) نظمته الدولة.
ودليل ذلك تَظَلُّم الأنصاري من تنظيم الدولة لسقي الماء، للأول فالأول، أي للذي يمر مسيل الماء على أرضه أولاً، فكان الأنصاري يريد أن يرسل الزبير الماء إليه قبل أن يسقي الزبير أرضه (حيث كان السيل يمر بأرض الزبير أولاً)، فامتنع الزبير، ورُفِعت القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى بينهما بأن يسقي الزبير سقياً خفيفاً ثم يرسل الماء إلى جاره الأنصاري (أي لا يأخذ الزبير كامل دَوْرِهِ مساعدةً للأنصاري)، فلم يقبل الأنصاري بذلك بل أراد أن يصل الماء إلى أرضه قبل أن يسقي الزبير، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن قضاءه هذا كان لأن الزبير ابن عمته (وهي كلمة كبيرة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ، ولكن يبدو أن الرسول صلى الله عليه وسلم، عفا عن مقولته تلك لأنه كان شهد بدراً كما في رواية البخاري).
عندها حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يأخذ الزبير كامل حقه في السقي، وهو أن يسقي الزبير أرضه حتى يصل الماء إلى أصل الْجَدْر، وهو أصل الحائط أو أصل الشجر، وقد فسره العلماء أن يرتفع الماء في الأرض إلى أن يغطي رِجْلَ الإنسان. والحديث بتمامه فيما رواه مسلم من طريق عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثـَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْـقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَـارِيُّ سَـرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَـمـُوا عِنْدَ رَسُـولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ، فَقَالَ رَسُـولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثـُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثـُمَّ قَالَ: «يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثـُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً}[065:004]. (شِراج الحرة أي مسيل الماء، والْحَرَّة موضع معروف بالمدينة وأضيف الشراج للحرة لأنه كان فيها. قال أبو عبيد كان بالمدينة واديان يسيلان بماء المطر فيتنافس الناس فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، للأعلى فالأعلى. أي يسقي صاحب الأرض لأول المسيل ثم الذي بعده وهكذا).
ولذلك فإن أية مَظْلِمَة تحصل على أي شخص، سواء أكانت من الحاكم، أم من تنظيمات الدولة وأوامرها، تُعتبَر مَظْلِمَة، كما يفهم من هذين الحديثين، ويُرفَع أمرها للخليفة ليقضي في هذه الـمَظْلِمَة، أو لمن ينيبه الخليفة عنه في ذلك من قضاة المظالم.
تعيين قضـاة المظالم وعـزلهم:
يُعيّن قاضي المظالم من قِبَل الخليفة، أو من قِبَل قاضي القضاة؛ وذلك لأن المظالم مِن القضاء، فهي إخبار عن الحكم الشرعي على سبيل الإلزام، والقاضي، بجميع أنواعه، إنما يُعيّنه الخليفة، لما ثـَـبت أنّ الرسـول صلى الله عليه وسلم، ، هو الذي كان يُعيّن القضاة بأنواعهم كما بينّا سابقاً. وبذلك فإن الخليفة هو الذي يُعيّن قاضي المظالم، ويجوز لقاضي القضاة أن يعين قاضي المظالم إذا جَعَل له الخليفة ذلك في عقد التقليد. ويجوز أن يقتصر عمل محكمة المظالم الرئيسة في مركز الدولة على النظر في الـمَـظلمة من الخليفة ووزرائه وقاضي قضاته، وأن تنظر فروع محكمة المظالم في الولايات في المظالم من الولاة والعمال وموظفي الدولة الآخرين. وللخليفة أن يعطي محكمة المظالم المركزية صلاحية تعيين وعزل قضاة المظالم في محاكم المظالم في فروع الولايات التابعة لمحكمة المظالم المركزية.
والخليفة هو الذي يعـين ويعزل أعضاء محكمة المظالم الرئيسة في مركز الدولة. وأمـا عـزل رئـيس محـكـمـة المظـالم المركزية، أي قاضي المظالم الذي ينظر في عزل الخليفة، فإن الأصل فيه أن يكون للخليفة حق عزله، كما له حـق تـولـيـتـه كسائر القضاة. ولكن هناك حالةً يغلب على الظن أنه لو تُركتْ صلاحية العزل بيد الخليفة أثناءها، فإن هذه الصلاحية تؤدي إلى الحرام، وعندها تنطبق عليها قاعدة (الوسيلة إلى الحرام حرام)، حيث إن غلبة الظن تكفي في هذه القاعدة.
أما هذه الحالة فهي إذا كانت هناك قضية مرفوعة على الخليفة، أو وزرائه، أو قاضي قضاته (إذا كان الخليفة قد جعل له صلاحية تعيين وعزل قاضي المظالم)؛ وذلك لأن بقاء صلاحية العزل بيد الخليفة في هذه الحالة سيؤثر في حكم القاضي، وبالتالي يحد من قدرة القاضي على عزل الخليفة أو أعوانه مثلاً، وتكون صلاحية العزل هذه وسيلةً إلى الحرام، أي أن بقاءها بيد الخليفة في هذه الحالة حرام
وأما باقي الحالات فإن الحكم باقٍ على أصله، أي أن صلاحية عزل قاضي المظالم هي للخليفة كتوليته سواء بسواء.
صلاحيات قضاء المظالم:
تملك محكمة المظالم صلاحية النظر في أيّة مَظْلـِمَة من المظالم سواء أكانت متعلقة بأشخاص من جهاز الدولة، أم متعلقة بمخالفة الخليفة لأحكام الشرع، أم متعلقة بمعنى نصٍّ من نصوص التشريع في الدستور، والقانون، وسائر الأحكام الشرعية ضمن تبني الخليفة، أم متعلقة بتظلم الرعية من القوانين الإدارية المتعلقة بمصالحها، أم متعلقة بفرض ضريبة من الضرائب، أم غير ذلك.
ولا يشترط في قضاء أية مَظْلـِمَة متعلقة بأشخاص من جهاز الدولة، أو متعلقة بمخالفة الخليفة للأحكام الشرعية، أو متعلقة بمعنى نص من نصوص التشريع، أو الدستور، أو القانون ضمن تبني الخليفة، أو متعلقة بفرض ضريبة من الضرائب، أو متعلقة بتعدي الدولة على الرعية وأخذها بالعسف والظلم، أو جورها فيما تَجبيه من أموال، أو إنقاصها لرواتب الموظفين والجند، أو تأخير صرفها لهم، لا يشترط في قضاء هذه المظالم وأمثالها مجلس قضاء، ولا دعوة المدعى عليه، ولا وجود مدع، بل لها حق النظر في الـمَظْلـِمَة ولو لم يدعِ بها أحد.
وذلك أن الدليل الذي ثبت فيه شرط مجلس القضاء للنظر في القضية لا ينطبق على محكمة المظالم لعدم وجود مدع، إذ لا حاجة لوجود مدعٍ فيها، فهي تنظر في الـمَظْلـِمَة، ولو لم يدعِ بها أحد، أو لعدم ضرورة حضور المدعى عليه، لأنها تنظر في القَضية من غير حاجة لحضور المدعى عليه. لأنها تدقق في الـمَظْلـِمَة، وعليه لا ينطبق عليها دليل اشتراط مجلس القضاء، لما روى أبو داود وأحمد عن عبد الله بن الزبير قال: «قضى رسول صلى الله عليه وسلم، أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم»، وقوله: صلى الله عليه وسلم، لعليّ: «إذا جلس إليك الخصمان». وعليه لمحكمة المظالم النظر في الـمَظْلـِمَة بمجرد حدوثها من غير التَقيُّد بشيء مطلقاً، لا في مكان، ولا في زمان، ولا في مجلس قضاء، ولا غير ذلك. إلا أنه نظراً لمكانة هذه المحكمة من ناحية صلاحياتها كانت تحاط بما يجعل لها الهيبة والعظمة. وفي زمن السلاطين في مصر والشام كان مجلس السلطان الذي ينظر فيه في المظالم يسمى (دار العدل) وكان يُقيم فيه نُواباً عنه، ويحضر فيه القضاة والفقهاء، وقد ذكر المقريزي في كتاب (السلوك إلى معرفة دول الملوك) أن السلطان الملك الصالح أيوب رَتّب عنه نُواباً بدار العدل يجلـسـون لإزالة المظالم، ومعهم الشهود والقضاة والفقهاء. ولا بأس أن يُجعل لمحكمة المظالم دار فخمة، فإن هذا من المباحات، لا سيما إذا كانت تَظهَر بها عظمة العدل.
  رد مع اقتباس
قديم 28-02-2010, 04:49 PM   رقم المشاركة : ( 5 )

الصورة الرمزية الامير خالد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 312
تـاريخ التسجيـل : May 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Morocco
الاقامة :
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 1,923 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 15
قوة التـرشيــــح : الامير خالد is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الامير خالد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: القضاء في الإسلام

شكرا اخي تراب و ان شاء الله ساستفيذ من موضوعك هذا
  رد مع اقتباس
قديم 02-03-2010, 01:21 PM   رقم المشاركة : ( 6 )
مراقب

الصورة الرمزية بودرهانه

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 691
تـاريخ التسجيـل : Dec 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Libya
الاقامة : ليبيا
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 1,535 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : بودرهانه is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

بودرهانه غير متواجد حالياً

افتراضي رد: القضاء في الإسلام

جزاك الله يرا و بارك في عملك
تحياتي
  رد مع اقتباس
قديم 03-03-2010, 01:49 AM   رقم المشاركة : ( 7 )

الصورة الرمزية الامير خالد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 312
تـاريخ التسجيـل : May 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Morocco
الاقامة :
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 1,923 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 15
قوة التـرشيــــح : الامير خالد is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الامير خالد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: القضاء في الإسلام

اقتباس : المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بودرهانه [ مشاهدة المشاركة ]
جزاك الله يرا و بارك في عملك
تحياتي

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
  رد مع اقتباس
قديم 02-08-2011, 06:15 AM   رقم المشاركة : ( 8 )
مدير عام

الصورة الرمزية أ بو محمد الصعيدي

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1191
تـاريخ التسجيـل : Jul 2010
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Egypt
الاقامة : ثغر الديار المصرية
التحصيل الدراسي : غير محدد
المشاركـــــــات : 3,270 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : أ بو محمد الصعيدي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

أ بو محمد الصعيدي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: القضاء في الإسلام


بارك الله فيكم ..... واحسن اليكم
استاذنا الحبيب
مقالة ذات صلة بالموضوع
استقلالية مؤسسة القضاء في النظام الإسلامي

د. راغب السرجاني
لا ريب أن ما نتحدث عنه في هذه السطور- دليل لا مشاحَّة فيه على استقلالية القضاء وحريته منذ فترة مبكرة في تاريخ الحضارة البشرية كلها، بل صورة من أعظم الصور إشراقًا، تُدلل على أسبقية الحضارة الإسلامية إلى هذا المبدأ، قبل أن تعرفه أوربا والعالم أجمع بعد ظهور الإسلام باثني عشر قرنًا!

قصة درع علي بن أبي طالب مع النصراني

فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t يُقاضي نصرانيًّا في درع له، فقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- أن علي بن أبي طالب t وجد درعه عند رجل نصراني، "فأقبل به إلى شريح t يخاصمه... ثم قال: هذا الدرع درعي ولم أبعْ ولم أَهَبْ. فقال شُريح t للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب. فالتفت شريح t إلى عليٍّ t فقال: يا أمير المؤمنين، هل من بينة؟ فضحك عليٌّ t وقال: أصاب شريح t، ما لي بينة. فقضى بها شريح t للنصراني، قال: فأخذه النصراني ومشى خُطًى، ثم رجع، فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يُدنيني إلى قاضيه يقضي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين"[1].

فهذه القوة التي تمتَّعت بها مؤسسة القضاء، وهذا العدل الذي لامسه الرجل النصراني، جعله يتعجَّب من الحُكْم الذي قضى به شريح t على أمير المؤمنين وخليفة المسلمين عليٍّ t، فلمَّا أيقن الرجل عظمة هذه الحضارة وعدلها، رجع من فوره، وأعلن انضمامه لهذا الدين العريق، وهذه الحضارة التالدة.

استقلالية القضاء

ونتيجة للاستقلالية التي تمتعت بها مؤسسة القضاء في الخلافة العباسية، وجدنا مَنْ وقف في وجه مؤسسة الخلافة، فلم يَخَفْ منها، ولم تأخذه في أحكامه القضائية لومة لائم، فقد "كتب المنصور (أبو جعفر) إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر، فادفعها إلى القائد، فكتب إليه سوارٌ: إن البيِّنة قد قامت عندي أنها للتاجر، فلستُ أُخْرِجها من يده إلا ببينة. فكتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد. فكتب إليه سوار: والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجنها من يد التاجر إلا بحق. فلما جاءه الكتاب قال: ملأتُها والله عدلاً، وصار قضاتي تردُّني إلى الحقِّ!"[2].

وكان من حق القضاة أن يُحضروا الخلفاء والولاة إلى مجالسهم فيما يتعلق بهم من القضايا والدعاوى والشهادات، وكان الخلفاء وكثير من الولاة يقبلون ذلك برحابة صدر، ويلتزمون بما يأمر به القاضي، إلا من شذَّ عن ذلك وهم قليل، وقد كان القضاة يتهدَّدُون هؤلاء الممتنعين بالاعتزال أو طرح الموضوع على الشعب، ولكن في كل الأحوال كانت أحكام القضاء محترمة، وتُنفَّذ على أكمل وجه، ومن أشهر الخصومات بين الخلفاء والرعية، ما جاء في شكوى الحمَّالين، التي رفعوها إلى قاضي المدينة محمد بن عمران الطلحي؛ حيث أراد الخليفة أبو جعفر المنصور أن يمضي بالحمَّالين إلى الشام، لكنهم كرهوا ذلك؛ لمشقَّته، فرفعوا دعوى إلى محمد بن عمران، فاستدعى الخليفة المنصورَ إلى مجلس القضاء، وحذَّر كاتبه أن يناديه بالخلافة بل باسمه مجردًا، ولما حضر عامَلَهُ كأحد الأطراف، ولم يقف لاستقباله، ثم قضى عليه للحمالين، وبعد ذلك قام للسلام عليه كخليفة وأمير للمؤمنين، وأيَّده أبو جعفر على جميع تصرفاته، وبارك فيه، وأمر له بعشرة آلاف دينار[3]!

ونتيجة لهذه المواقف، فقد احترم الخلفاء القضاة أيما احترام، ولم يكن هؤلاء الخلفاء ليتكبَّروا على أحكام القضاء، أو حتى على الأشكال المعتادة في المثول أمام يدي القاضي؛ فقد حُكِيَ أن الخليفة المهدي (ت 169هـ) "تَقَدَّم مع خصوم له بالبصرة إلى قاضيها عبد الله بن الحسن العنبري، فلما رآه مقبلاً أطرق إلى الأرض، حتى جلس خصومه مجلس المتحاكمين، فلما انقضت الحكومة[4]، قام القاضي فوقف بين يديه، فقال المهدي: والله! لو قمتَ حين دخلتُ إليك لعزلتك، ولو لم تقم حين انقضى الحكم لعزلتك..."[5].

ومما يُدلل على قوة مؤسسة القضاء في ظلِّ الخلافة العباسية، وعدم محاباتها أحدًا، فكل الناس سواسية أمام هذه المؤسسة، أن أبا حامد الإسفراييني قاضي بغداد (ت 406هـ) كتب إلى الخليفة العباسي يُهدِّده بالعزل إن لم تُنفَّذ الأحكام القضائية الشرعية، ويتمّ احترامها، بل أرسل له خطابًا شديد اللهجة، جاء فيه: " اعلم أنك لست بقادر على عزلي عن ولايتي التي ولانيها الله تعالى، وأنا أقدر أن أكتب رقعة إلى خراسان بكلمتين أو ثلاث أعزلك عن خلافتك!"[6].

استدعاء الخلفاء للإدلاء بالشهادة أمام المحاكم

وقد كان الخلفاء والأمراء يتم استدعاؤهم أمام المحكمة للشهادة، وسماع الأقوال، ولم يجد الخلفاء غضاضة في ذلك، أو تقليلاً لشأنهم، فلقد كان عباس بن فرناس[7] -على سبيل المثال- من علماء المسلمين الأفاضل في الأندلس، وهو صاحب سبقٍ في اختراعات كثيرة، لعلَّ أشهرها أنه أول من قام بمحاولة للطيران في التاريخ؛ ولهذا التفوُّق العلمي قرَّبه الخلفاء وعظموا قدره.

ولحاله هذا ولِـمَا وصل إليه من شهرة وحظوة لدى الأمراء، فقد كان له حسَّاد يتربَّصون به، وقد راحوا يتهمونه بالسحر والشعوذة، وأنه يقوم بأشياء غريبة وعجيبة في منزله، أو في معمله الاختباري إن صحَّ التعبير؛ وذلك لأنه كان يشتغل بالكيمياء، وكان ينتج عن ذلك انبعاث أدخنة وتطاير أبخرة من منزله.

وقد استُدعي للمحاكمة في قرطبة -وكان الخليفة في ذلك الوقت هو عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي- وقيل له في ذلك: إنك تفعل كذا وكذا، وتخلط أشياء بأشياء، وتقوم بغرائب وعجائب لم نعهدها. فقال في ردِّه عليهم: أترون أني لو عجنت الدقيق بالماء فصيرته عجينًا، ثم أنضجت العجين خبزًا على النار، أأكون قد صنعتُ سحرًا؟ قالوا: لا؛ بل هذا مما عَلَّم اللهُ الإنسان. فقال: وهذا ما أشتغل به في داري، أمزج الشيء بالشيء، وأستعين بالنار على ما أمزج، فيأتي مما أمزج شيء فيه منفعة للمسلمين وأحوالهم[8].

وكانوا قد أرادوا شاهدًا على صحَّة الدعوى، فكان الشاهد هو عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، (الخليفة الأموي نفسه)، وفي المحكمة وحين سمع الأقوال راح يُدلي بشهادته، فقال: أشهد أنه قال لي: إنه يفعل كذا وكذا (يريد أن كل هذه الأشياء يعملها ولها أصول عنده)، وقد صنع ما أنبأني به، فلم أجد فيه إلا منفعة للمسلمين، ولو عَلِمْتُ أنه سحر، لكنتُ أول من حدَّه!

لقد أتوا بقائد الدولة وخليفة المسلمين إلى المحكمة ليشهد، ثم هو يشهد بالحق ولصالح العالِم، فكان أن حكم القاضي والفقهاء ببراءة ابن فرناس، وأثنوا عليه، وَحَثُّوه على أن يستزيد من عمله وتجاربه، وحُفظت له بذلك مكانته.

وقد كان القضاة يُجبرون الخلفاء والأمراء وعلية القوم على المجيء إليهم إذا ثبت خَطَؤهم، ومن ثَمَّ فقد ذكر الخشني في كتابه "قضاة قرطبة" أن رجلاً ضعيفًا من رجال قرطبة قد جاء إلى القاضي عمرو بن عبد الله، قاضي قرطبة، "فشكا إليه بعض عمال الأمير محمد، وكان ذلك العامل عظيم الشأن والقدر، مرشحًا في وقته للمَدِينة، ثم صار بإثر ذلك إلى ولاية المَدينة، فقال له: يا قاضي المسلمين، إن فلانًا غصبني دارًا. فقال له القاضي: خذ فيه طابعًا. فقال له الرجل الضعيف: مثلي يسير إليه بطابع؟ لست آمنه على نفسي.

فقال له القاضي: خذ فيه طابعًا كما آمرك. فأخذ الرجل طابعه، ثم توجَّه به إليه، فلم تكن إلا ساعة، إذ رجع الرجل الضعيف، فقال له: يا قاضي، إني عرضت عليه الطابع عن بُعْدٍ، ثم هربت إليك، فقال له عَمْرو: اجلس سيُقبل. فلم أنشب أن أتى الرجل في ركب عظيم، وبين يديه الفرسان والرجَّالة، فثنى رجله ونزل، ثم دخل المسجد، فسَلَّم على القاضي وعلى جميع جلسائه، ثم تمادى كما هو، وأسند ظهره إلى حائط المسجد، فقال له القاضي عمرو بن عبد الله: قم هاهنا فاجلس بين يدي خصمك. فقال له: أصلح الله القاضي، إنما هو مسجد، والمجالس فيه واحدة، لا فضل لبعضها على بعض.

فقال له عَمْرو: قم هاهنا كما أمرتك، واجلس بيت يدي خصمك. فلما رأى عزم القاضي في ذلك قام فجلس بين يديه، وأشار القاضي إلى الرجل الضعيف أن يقعد مع صاحبه بين يديه، فقال عَمْرو للرجل الضعيف: ما تقول؟ فقال: أقول غصبني دارًا لي. فقال القاضي للمدعى عليه: ما تقول؟ فقال: أقول: إن لي عليه الأدب فيما نسب إلي من الغصب. فقال القاضي: لو قال ذلك لرجل صالح كان عليه الأدب، كما ذكرتَ، فأمَّا مَنْ كان معروفًا بالغصب فلا. ثم قال لجماعة من الأعوان، ممن كانوا بين يده: امضوا معه، وتوكَّلوا به، فإن ردَّ إلى الرجل داره، وإلا فردُّوه إليَّ حتى أخاطب الأمير -أصلحه الله- في أمره، وأصف له ظلمه وتطاوله. فخرج مع الأعوان، فلم تكن إلا ساعة حتى انصرف الرجل الضعيف والأعوان، فقال الرجل للقاضي: جزاك الله عني خيرًا، قد صرف إليَّ داري. فقال له القاضي: اذهب في عافية"[9].

ولا شك أن هذه المحاكمة تُدلل على عدة أمور، فأوَّلها: وجود تنظيمات متعارف عليها في استدعاء الخصوم، وإقامة المحاكمة. وثانيها: قوة وهيبة القضاء في الحضارة الإسلامية، وكذا استقلاله الواضح. وثالثها: أن الجميع سواسية أمام القاضي، لا فرق بين قوي أو ضعيف، أو بين غني أو فقير. ورابعها: سرعة البتِّ في القضايا واتخاذ القرار فيها؛ فقد سُلبت دار الرجل، واستطاع القضاء أن يردَّها إليه في نفس اليوم.

ولا ريب أن هذه المزايا التي كانت تتمتع بها المؤسسة القضائية في الحضارة الإسلامية، لتُدلل على أن المجتمع الإسلامي قد تنعَّم بالعدل والقسط في ظلِّ هذا القضاء الشامخ؛ ولذلك كان نسيم العدل الذي تمتع به المسلمون في ظل هذا القضاء مُقَوِّمًا أساسًا لتقدُّم هذه الحضارة ككل.

د. راغب السرجاني

[1] ابن كثير: البداية والنهاية 8/5.
[2] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص229.
[3] المصدر السابق ص229.
[4] الحكومة: الحُكْم.
[5] الماوردي: أدب القاضي 1/248.
[6] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 4/64.
[7] أبو القاسم عباس بن فرناس: من موالي بني أمية، فيلسوف شاعر، له علم بالفلك، وأول من استنبط صناعة الزجاج من الحجارة، وأول من اخترق الجو فقد حاول الطيران، فكسا نفسه الريش، ومدَّ له جناحين طار بهما في الجو مسافة بعيدة، ثم سقط فتأذى في ظهره، توفي سنة أربع وسبعين ومائتين. انظر: الصفدي: الوافي بالوفيات 16/380، 381، والمقري: نفح الطيب 3/374.
[8] ابن سعيد المغربي: المغرب في حلى المغرب ص203.
[9] الخشني: قضاة قرطبة ص150، 151.



-


-
  رد مع اقتباس
قديم 02-08-2011, 06:15 AM   رقم المشاركة : ( 9 )
مدير عام

الصورة الرمزية أ بو محمد الصعيدي

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1191
تـاريخ التسجيـل : Jul 2010
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Egypt
الاقامة : ثغر الديار المصرية
التحصيل الدراسي : غير محدد
المشاركـــــــات : 3,270 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : أ بو محمد الصعيدي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

أ بو محمد الصعيدي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: القضاء في الإسلام


بارك الله فيكم ..... واحسن اليكم
استاذنا الحبيب
مقالة ذات صلة بالموضوع
استقلالية مؤسسة القضاء في النظام الإسلامي

د. راغب السرجاني
لا ريب أن ما نتحدث عنه في هذه السطور- دليل لا مشاحَّة فيه على استقلالية القضاء وحريته منذ فترة مبكرة في تاريخ الحضارة البشرية كلها، بل صورة من أعظم الصور إشراقًا، تُدلل على أسبقية الحضارة الإسلامية إلى هذا المبدأ، قبل أن تعرفه أوربا والعالم أجمع بعد ظهور الإسلام باثني عشر قرنًا!

قصة درع علي بن أبي طالب مع النصراني

فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t يُقاضي نصرانيًّا في درع له، فقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- أن علي بن أبي طالب t وجد درعه عند رجل نصراني، "فأقبل به إلى شريح t يخاصمه... ثم قال: هذا الدرع درعي ولم أبعْ ولم أَهَبْ. فقال شُريح t للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب. فالتفت شريح t إلى عليٍّ t فقال: يا أمير المؤمنين، هل من بينة؟ فضحك عليٌّ t وقال: أصاب شريح t، ما لي بينة. فقضى بها شريح t للنصراني، قال: فأخذه النصراني ومشى خُطًى، ثم رجع، فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يُدنيني إلى قاضيه يقضي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين"[1].

فهذه القوة التي تمتَّعت بها مؤسسة القضاء، وهذا العدل الذي لامسه الرجل النصراني، جعله يتعجَّب من الحُكْم الذي قضى به شريح t على أمير المؤمنين وخليفة المسلمين عليٍّ t، فلمَّا أيقن الرجل عظمة هذه الحضارة وعدلها، رجع من فوره، وأعلن انضمامه لهذا الدين العريق، وهذه الحضارة التالدة.

استقلالية القضاء

ونتيجة للاستقلالية التي تمتعت بها مؤسسة القضاء في الخلافة العباسية، وجدنا مَنْ وقف في وجه مؤسسة الخلافة، فلم يَخَفْ منها، ولم تأخذه في أحكامه القضائية لومة لائم، فقد "كتب المنصور (أبو جعفر) إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر، فادفعها إلى القائد، فكتب إليه سوارٌ: إن البيِّنة قد قامت عندي أنها للتاجر، فلستُ أُخْرِجها من يده إلا ببينة. فكتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد. فكتب إليه سوار: والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجنها من يد التاجر إلا بحق. فلما جاءه الكتاب قال: ملأتُها والله عدلاً، وصار قضاتي تردُّني إلى الحقِّ!"[2].

وكان من حق القضاة أن يُحضروا الخلفاء والولاة إلى مجالسهم فيما يتعلق بهم من القضايا والدعاوى والشهادات، وكان الخلفاء وكثير من الولاة يقبلون ذلك برحابة صدر، ويلتزمون بما يأمر به القاضي، إلا من شذَّ عن ذلك وهم قليل، وقد كان القضاة يتهدَّدُون هؤلاء الممتنعين بالاعتزال أو طرح الموضوع على الشعب، ولكن في كل الأحوال كانت أحكام القضاء محترمة، وتُنفَّذ على أكمل وجه، ومن أشهر الخصومات بين الخلفاء والرعية، ما جاء في شكوى الحمَّالين، التي رفعوها إلى قاضي المدينة محمد بن عمران الطلحي؛ حيث أراد الخليفة أبو جعفر المنصور أن يمضي بالحمَّالين إلى الشام، لكنهم كرهوا ذلك؛ لمشقَّته، فرفعوا دعوى إلى محمد بن عمران، فاستدعى الخليفة المنصورَ إلى مجلس القضاء، وحذَّر كاتبه أن يناديه بالخلافة بل باسمه مجردًا، ولما حضر عامَلَهُ كأحد الأطراف، ولم يقف لاستقباله، ثم قضى عليه للحمالين، وبعد ذلك قام للسلام عليه كخليفة وأمير للمؤمنين، وأيَّده أبو جعفر على جميع تصرفاته، وبارك فيه، وأمر له بعشرة آلاف دينار[3]!

ونتيجة لهذه المواقف، فقد احترم الخلفاء القضاة أيما احترام، ولم يكن هؤلاء الخلفاء ليتكبَّروا على أحكام القضاء، أو حتى على الأشكال المعتادة في المثول أمام يدي القاضي؛ فقد حُكِيَ أن الخليفة المهدي (ت 169هـ) "تَقَدَّم مع خصوم له بالبصرة إلى قاضيها عبد الله بن الحسن العنبري، فلما رآه مقبلاً أطرق إلى الأرض، حتى جلس خصومه مجلس المتحاكمين، فلما انقضت الحكومة[4]، قام القاضي فوقف بين يديه، فقال المهدي: والله! لو قمتَ حين دخلتُ إليك لعزلتك، ولو لم تقم حين انقضى الحكم لعزلتك..."[5].

ومما يُدلل على قوة مؤسسة القضاء في ظلِّ الخلافة العباسية، وعدم محاباتها أحدًا، فكل الناس سواسية أمام هذه المؤسسة، أن أبا حامد الإسفراييني قاضي بغداد (ت 406هـ) كتب إلى الخليفة العباسي يُهدِّده بالعزل إن لم تُنفَّذ الأحكام القضائية الشرعية، ويتمّ احترامها، بل أرسل له خطابًا شديد اللهجة، جاء فيه: " اعلم أنك لست بقادر على عزلي عن ولايتي التي ولانيها الله تعالى، وأنا أقدر أن أكتب رقعة إلى خراسان بكلمتين أو ثلاث أعزلك عن خلافتك!"[6].

استدعاء الخلفاء للإدلاء بالشهادة أمام المحاكم

وقد كان الخلفاء والأمراء يتم استدعاؤهم أمام المحكمة للشهادة، وسماع الأقوال، ولم يجد الخلفاء غضاضة في ذلك، أو تقليلاً لشأنهم، فلقد كان عباس بن فرناس[7] -على سبيل المثال- من علماء المسلمين الأفاضل في الأندلس، وهو صاحب سبقٍ في اختراعات كثيرة، لعلَّ أشهرها أنه أول من قام بمحاولة للطيران في التاريخ؛ ولهذا التفوُّق العلمي قرَّبه الخلفاء وعظموا قدره.

ولحاله هذا ولِـمَا وصل إليه من شهرة وحظوة لدى الأمراء، فقد كان له حسَّاد يتربَّصون به، وقد راحوا يتهمونه بالسحر والشعوذة، وأنه يقوم بأشياء غريبة وعجيبة في منزله، أو في معمله الاختباري إن صحَّ التعبير؛ وذلك لأنه كان يشتغل بالكيمياء، وكان ينتج عن ذلك انبعاث أدخنة وتطاير أبخرة من منزله.

وقد استُدعي للمحاكمة في قرطبة -وكان الخليفة في ذلك الوقت هو عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي- وقيل له في ذلك: إنك تفعل كذا وكذا، وتخلط أشياء بأشياء، وتقوم بغرائب وعجائب لم نعهدها. فقال في ردِّه عليهم: أترون أني لو عجنت الدقيق بالماء فصيرته عجينًا، ثم أنضجت العجين خبزًا على النار، أأكون قد صنعتُ سحرًا؟ قالوا: لا؛ بل هذا مما عَلَّم اللهُ الإنسان. فقال: وهذا ما أشتغل به في داري، أمزج الشيء بالشيء، وأستعين بالنار على ما أمزج، فيأتي مما أمزج شيء فيه منفعة للمسلمين وأحوالهم[8].

وكانوا قد أرادوا شاهدًا على صحَّة الدعوى، فكان الشاهد هو عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، (الخليفة الأموي نفسه)، وفي المحكمة وحين سمع الأقوال راح يُدلي بشهادته، فقال: أشهد أنه قال لي: إنه يفعل كذا وكذا (يريد أن كل هذه الأشياء يعملها ولها أصول عنده)، وقد صنع ما أنبأني به، فلم أجد فيه إلا منفعة للمسلمين، ولو عَلِمْتُ أنه سحر، لكنتُ أول من حدَّه!

لقد أتوا بقائد الدولة وخليفة المسلمين إلى المحكمة ليشهد، ثم هو يشهد بالحق ولصالح العالِم، فكان أن حكم القاضي والفقهاء ببراءة ابن فرناس، وأثنوا عليه، وَحَثُّوه على أن يستزيد من عمله وتجاربه، وحُفظت له بذلك مكانته.

وقد كان القضاة يُجبرون الخلفاء والأمراء وعلية القوم على المجيء إليهم إذا ثبت خَطَؤهم، ومن ثَمَّ فقد ذكر الخشني في كتابه "قضاة قرطبة" أن رجلاً ضعيفًا من رجال قرطبة قد جاء إلى القاضي عمرو بن عبد الله، قاضي قرطبة، "فشكا إليه بعض عمال الأمير محمد، وكان ذلك العامل عظيم الشأن والقدر، مرشحًا في وقته للمَدِينة، ثم صار بإثر ذلك إلى ولاية المَدينة، فقال له: يا قاضي المسلمين، إن فلانًا غصبني دارًا. فقال له القاضي: خذ فيه طابعًا. فقال له الرجل الضعيف: مثلي يسير إليه بطابع؟ لست آمنه على نفسي.

فقال له القاضي: خذ فيه طابعًا كما آمرك. فأخذ الرجل طابعه، ثم توجَّه به إليه، فلم تكن إلا ساعة، إذ رجع الرجل الضعيف، فقال له: يا قاضي، إني عرضت عليه الطابع عن بُعْدٍ، ثم هربت إليك، فقال له عَمْرو: اجلس سيُقبل. فلم أنشب أن أتى الرجل في ركب عظيم، وبين يديه الفرسان والرجَّالة، فثنى رجله ونزل، ثم دخل المسجد، فسَلَّم على القاضي وعلى جميع جلسائه، ثم تمادى كما هو، وأسند ظهره إلى حائط المسجد، فقال له القاضي عمرو بن عبد الله: قم هاهنا فاجلس بين يدي خصمك. فقال له: أصلح الله القاضي، إنما هو مسجد، والمجالس فيه واحدة، لا فضل لبعضها على بعض.

فقال له عَمْرو: قم هاهنا كما أمرتك، واجلس بيت يدي خصمك. فلما رأى عزم القاضي في ذلك قام فجلس بين يديه، وأشار القاضي إلى الرجل الضعيف أن يقعد مع صاحبه بين يديه، فقال عَمْرو للرجل الضعيف: ما تقول؟ فقال: أقول غصبني دارًا لي. فقال القاضي للمدعى عليه: ما تقول؟ فقال: أقول: إن لي عليه الأدب فيما نسب إلي من الغصب. فقال القاضي: لو قال ذلك لرجل صالح كان عليه الأدب، كما ذكرتَ، فأمَّا مَنْ كان معروفًا بالغصب فلا. ثم قال لجماعة من الأعوان، ممن كانوا بين يده: امضوا معه، وتوكَّلوا به، فإن ردَّ إلى الرجل داره، وإلا فردُّوه إليَّ حتى أخاطب الأمير -أصلحه الله- في أمره، وأصف له ظلمه وتطاوله. فخرج مع الأعوان، فلم تكن إلا ساعة حتى انصرف الرجل الضعيف والأعوان، فقال الرجل للقاضي: جزاك الله عني خيرًا، قد صرف إليَّ داري. فقال له القاضي: اذهب في عافية"[9].

ولا شك أن هذه المحاكمة تُدلل على عدة أمور، فأوَّلها: وجود تنظيمات متعارف عليها في استدعاء الخصوم، وإقامة المحاكمة. وثانيها: قوة وهيبة القضاء في الحضارة الإسلامية، وكذا استقلاله الواضح. وثالثها: أن الجميع سواسية أمام القاضي، لا فرق بين قوي أو ضعيف، أو بين غني أو فقير. ورابعها: سرعة البتِّ في القضايا واتخاذ القرار فيها؛ فقد سُلبت دار الرجل، واستطاع القضاء أن يردَّها إليه في نفس اليوم.

ولا ريب أن هذه المزايا التي كانت تتمتع بها المؤسسة القضائية في الحضارة الإسلامية، لتُدلل على أن المجتمع الإسلامي قد تنعَّم بالعدل والقسط في ظلِّ هذا القضاء الشامخ؛ ولذلك كان نسيم العدل الذي تمتع به المسلمون في ظل هذا القضاء مُقَوِّمًا أساسًا لتقدُّم هذه الحضارة ككل.

د. راغب السرجاني

[1] ابن كثير: البداية والنهاية 8/5.
[2] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص229.
[3] المصدر السابق ص229.
[4] الحكومة: الحُكْم.
[5] الماوردي: أدب القاضي 1/248.
[6] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 4/64.
[7] أبو القاسم عباس بن فرناس: من موالي بني أمية، فيلسوف شاعر، له علم بالفلك، وأول من استنبط صناعة الزجاج من الحجارة، وأول من اخترق الجو فقد حاول الطيران، فكسا نفسه الريش، ومدَّ له جناحين طار بهما في الجو مسافة بعيدة، ثم سقط فتأذى في ظهره، توفي سنة أربع وسبعين ومائتين. انظر: الصفدي: الوافي بالوفيات 16/380، 381، والمقري: نفح الطيب 3/374.
[8] ابن سعيد المغربي: المغرب في حلى المغرب ص203.
[9] الخشني: قضاة قرطبة ص150، 151.



-


-
  رد مع اقتباس
قديم 02-08-2011, 06:19 AM   رقم المشاركة : ( 10 )
مدير عام

الصورة الرمزية أ بو محمد الصعيدي

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1191
تـاريخ التسجيـل : Jul 2010
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Egypt
الاقامة : ثغر الديار المصرية
التحصيل الدراسي : غير محدد
المشاركـــــــات : 3,270 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : أ بو محمد الصعيدي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

أ بو محمد الصعيدي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: القضاء في الإسلام

مميزات وعدل القضاء الإسلامي

د. راغب السرجاني
-
تتملك الدهشة كلاًّ مِنَّا حينما يقرأ في تاريخ مؤسسة القضاء الإسلامية، وإسهاماتها الواضحة في مسيرة الحضارات الإنسانية كلها؛ لقد أتت هذه المؤسسة بكمٍّ هائل من التنظيم والدقة والإبهار، لم تعرفه أي مؤسسة قضائية

كانت قبل الإسلام، أو حتى بعد الإسلام إلا منذ عهد قريب جدًّا، ولا ريب في ذلك؛ فقد استقت هذه المؤسسة أحكامها وتشريعاتها من الشريعة الإسلامية الغرَّاء، التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فكانت تطبيقات هذه

المؤسسة عبر مئات السنين تراثًا حضاريًّا زاخرًا، استفادت منه الأمم الغربية في واقعها، فتقدَّمت وعَلَتْ، وتمسكنا نحن ببعضه، فأصبحنا تابعين بعدما كنا أصحاب المكانة والمقدمة.




إن أهم ما تميزت به الحضارة الإسلامية على غيرها من الحضارات الأخرى، أنها جاءت بمجموعة من الأنظمة القائمة على قيم تستمدُّ تعاليمها من رب العالمين، فلا تتغير ولا تتبدل ولا تخضع للأهواء؛ لذلك فإن البشرية قبل وجود الحضارة

الإسلامية لم تعش في هذه الحالة من الصفاء النفسي والروحي، التي أضفتها الحضارة الإسلامية على العالم؛ ولذلك كانت هذه القيم بمنزلة الإطار الجذاب الذي انبهرت به الإنسانية، من خلال رؤيتها للتطبيق الفعلي لحضارتنا العريقة.



مميزات القضاء في الإسلام

وأكثر ما تميزت به المؤسسة القضائية الإسلامية أنها جعلت العدل غايتها في التعامل مع كل من يقف أمام مؤسساتها، ولكن لم تكن مؤسسة القضاء وحدها التي تمتعت بهذا المبدأ، بقدر ما تمتعت به الأمة الإسلامية كلها؛ إذ كان الحرص على العدل وتطبيقه، مبدأً أساسًا في بناء الحضارة الإسلامية.



وقد استقى المسلمون هذه القيمة العظيمة من خلال الوحي الرباني الكريم، من مصدريه: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة؛ ولذلك فقد روى أبو ذرٍّ عن النبي فيما روى عن الله i في الحديث القدسي أنه قال: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْـمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلاَ تَظَالـَمُوا"[1]. ومن هنا أدرك المسلمون قيمة العدل، ووجوب تطبيقها فيما بينهم.



ولم يكن تطبيق العدل فيما بين المسلمين وبعضهم فقط، بل أمرنا الله i بضرورة التعامل بالعدل مع من نكرههم ونبغضهم، وهو ما كان جديدًا في ساحة التعامل العالمي، ومن ثَمَّ قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون} [المائدة: 8].



بل أكد الإسلام على ضرورة التعامل بالقسط مع غير المسلمين، وحذَّر من انتقاصه حقه، أو ظلمه لضعفه، أو خيانته، فقال النبي : "مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا[2]، أَوِ انْتَقَصَهُ حَقًّا، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ؛ فَأَنَا حَجِيجُهُ[3] يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[4].



ولذلك حمَّل الإسلام الجماعة المسلمة مسؤولية تحقيق العدل فيما بينهم، أو مع غيرهم، وقد آجرهم على ذلك، وهو ما يُخبر به النبي بقوله: "تَعْدِلُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ"[5].



بل الأكثر من ذلك، فقد حذَّر الإسلام المتخاصمين بعدم تزييف الحقائق، والإتيان بالحجج والأدلة التي تؤيد له وجهة نظره، وتُعينه على أخذ حق غير حقه، ولا شكَّ أن هذه التربية الإسلامية القويمة، هي مما تجعل ضمير المسلم يقظًا ضد كل شرٍّ، حذرًا من كل تدليس أو تغيير للحق؛ ولذلك قال النبي : "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْـحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ"[6].



ومن هنا، نُدرك أن الحضارة الإسلامية، إنما جاءت بالأخلاق والقيم، ورسَّخت مبدأ العدل الإلهي بين البشر في تعاملاتهم، فلا خوف من هذه الحضارة؛ إذ إنها لا تفرق بين المتخاصمين على أساس الجنس أو اللون أو الدين، ولا شك أن هذا الأمر ليقطع لدينا أي شكٍّ، ويدحض لدينا كل شُبهة قيلت أو تُقال في حق هذه الحضارة العريقة.




[1] مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (2577).
[2] المعاهد: أكثر ما يطلق على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب. انظر: المناوي: فيض القدير 6/153.
[3] أي: أنا الذي أخاصمه وأحاجه.
[4] أبو داود: كتاب الخراج، باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات (3052)، والبيهقي (18511)، وقال الألباني: صحيح. انظر: السلسلة الصحيحة (445).
[5] البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من أخذ بالركاب ونحوه (2827)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (1009) واللفظ له.
[6] البخاري: كتاب الحيل، باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت فقضي بقيمة الجارية الميتة... (6566)، ومسلم: كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (1731).




  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الإسلام, القضاء

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

 
تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

 


Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. Designed & TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
المواضيع المطروحة في المنتدي تعبر عن راي اصحابها والمنتدي غير مسئول عنها

a.d - i.s.s.w

   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32