العودة   شبكة و منتديات التاريخ العام الأقسام التاريخية ۞ قسم شخصيات يتذكرها التاريخ ۞
۞ قسم شخصيات يتذكرها التاريخ ۞ تراجم و مواقف الشخصيات المؤثره فى التاريخ البشرى.
 

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 13-03-2009, 06:09 PM
الصورة الرمزية مجد الغد
 

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  مجد الغد غير متواجد حالياً
 
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  2
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,157 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough
افتراضي رحلة مع القائد نور الدين زنكي [1/3]

رحلة مع القائد نور الدين زنكي [1/3]
د. علي الصلابي 5/11/1429
03/11/2008

1- نشأته: اسمه ونسبه وأسرته وتوليه الحكم:
هو نور الدين محمود زنكي، صاحب الشام، الملك العادل، ناصر أمير المؤمنين، تقي الملوك، ليث الإسلام، أبو القاسم محمود بن الأتابك قسيم الدولة أبو سعيد – عماد الدين – زنكي بن الأمير الكبير آقسنقر التركي السلطاني الملكشاهي، مولده في شوال سنة إحدى عشرة وخمس مئة، وهم ينتسبون إلى قبيلة ساب يو التركية، ولا تذكر المصادر التاريخية شيئاً عن نشأة نور الدين وشبابه، ولكنها جميعاً تؤكد أنه تربى في طفولته تحت رعاية وإشراف والده، وأن والده كان يقدمه على إخوانه، ويرى فيه مخايل النجابة، ولما جاوز الصبا لزم والده حتى مقتله 541ﻫ/1047م وكانت حياة عماد الدين في فترة حكمه الموصل من 521ﻫ -541 ﻫ مدرسة عليا شاملة لجميع أنواع المعارف الإنسانية في مجالات العلوم السياسية والإدارية والعسكرية، بالإضافة إلى العلوم الشرعية الدينية، وقد جمعت مدرسة الحياة الكبرى التي عاش فيها نور الدين بين الأسلوب النظري والتطبيقي وقد تزوج نور الدين عام 541ﻫ الزواج الذي لم تكن من ورائه جارية ولا سُرّية من عصمت الدين خاتون ابنة الأتابك معين الدين حاكم دمشق، بعد أن ترددت المراسلات بين الرجلين، واستقرت الحال بينهما على أجمل صفة، وتأكدت الأمور على ما اقترح كل منهما، وكتب كتاب العقد في دمشق، بمحضر من رسل نور الدين في الثالث والعشرين من شوال، وما أن تم إعداد الجهاز حتى قفل الوفد عائداً بصحبة ابنة معين الدين، وخلف نور الدين من زوجته هذه ابنة واحدة، وولدين هما الصالح إسماعيل الذي تولى الحكم من بعده، وتوفي شاباً لم يبلغ العشرين من العمر، من جراء مرض ألمّ به عام 577ﻫ وأحمد الذي ولد بحمص عام 547ﻫ ثم توفي في دمشق طفلاً، وسرعان ما امتدت تقوى الرجل إلى زوجته وابنه الأكبر، فكانت زوجته تكثر القيام في الليل، ونامت ليلة عن وردها فأصبحت وهي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها، فذكرت نومها الذي فوّت عليها وردها، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب الطبول في القلعة وقت السحر لتوقظ النائمين حينذاك للقيام، ومنح الضاربين أجراً جزيلاً. وصفها المؤرخون بأنها كانت من أحسن النساء وأعفهن وأكثرهن خدمة متمسكة من الدين بالعروة الوثقى، وكانت لها أوقاف وصدقات كثيرة وبر عظيم، وقد ذكر ابن كثير في أحداث عام 563ﻫ: وفي شوال وصلت امرأة الملك نور الدين محمود زنكي إلى بغداد تريد أن تحجَّ من هناك، وهي السَّتُّ عصمت الدين خاتون بنت معين الدين أنُر، فتلقاها الجيش ومعهم صندل الخادم، وحُملت لها الإقامات وأُكرمت غاية الإكرام، وعرف عن الصالح إسماعيل تقواه العميقة والتزامه الأخلاقي المسؤول حتى رفض الأخذ برأي الأطباء في شرب شيء من الخمر عندما ألحّت عليه علة القولنج التي أودت بحياته. وقال: لا. حتى أسأل الفقهاء، فلما أفتوه بالجواز لم يقبل وسأل كبيرهم: إن الله تعالى قرّب أجلي، أيؤخره شرب الخمر؟ قال: لا فأجابه: فو الله لا لقيت الله وقد فعلت ما حرّم علي.
2- انقسام الدولة الزنكية بعد مقتل عماد الدين زنكي:
عندما قُتل عماد الدين زنكي سنة 541 ﻫ كان ابنه الأكبر سيف الدين غازي مقيماً بشهرزور وهي إقطاعه من قبيل أبيه، بينما كان نور الدين محمود وهو الابن الثاني لعماد الدين مع أبيه عند قلعة جعبر، وبعد أن شهد مصرع أبيه أخذ خاتمه من يده وسار ببعض العساكر إلى حلب، فملكها هي وتوابعها في ربيع الآخر سنة 541ﻫ/1146م، وكان عمره ثلاثين سنة كما كان مع زنكي أيضاً على قلعة جعبر الملك ألب أرسلان ابن السلطان محمود السلجوقي، وكان زنكي يظهر أنه يحكم البلاد باسمه منُذ سنة 521ﻫ/1127م إذ اصطحبه معه إلى الموصل بأمر من السلطان محمود، وقد ذكر المؤرخون أن الملك ألب أرسلان حاول أن يحل محل زنكي في ملك البلاد وأن يبعد أولاده عنها، فجمع العساكر وأعّد العدة للتوجه إلى الموصل بقصد الاستيلاء عليها، ولكن الوزير جمال الدين الأصفهاني، قام بدور كبير في الحفاظ على الدولة الزنكية وإبقائها في أيدي أولاد صاحبه وولي نعمته عماد الدين زنكي، فما أن شعر بقصد الملك ألب أرسلان حتى بادر بالاتصال بالأمير صلاح الدين محمد الياغسياني، حاجب عماد الدين، متناسياً ما كان بينهما من خلاف، فاتفقا على حفظ الدولة لأولاد زنكي وإبعاد الملك ألب أرسلان السلجوقي عنها؛ فقد أرسل الوزير جمال الدين إلى صلاح الدين الياغسياني يقول له: إن المصلحة أن نترك ما كان بيننا وراء ظهورنا، ونسلك طريقاً يبقى فيه الملك في أولاد صاحبنا، ونهر بيته جزاء لإحسانه إلينا، فإن الملك (ألب أرسلان) قد طمع في البلاد واجتمعت عليه العساكر، ولئن لم نتلاف هذا الأمر في أوله، ونتداركه في بدايته ليتّسعنّ الخرْق ولا يمكن رقعه، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك، وحلف كل واحد منهما لصاحبه، وكان أول عمل قام به جمال الدين، وصلاح الدين أن أرسلا رسولاً على وجه السرعة إلى زين الدين علي كُجَك نائب زنكي في الموصل يخبراه بما حصل لزنكي، فسارع سيف الدين غازي للحضور من شهرزور إلى الموصل لتسلم الحكم فيها وتسلمها قبل أن يتمكن ألب أرسلان السلجوقي من الوصول إليها، أما الملك ألب أرسلان السلجوقي فقد تكفل الوزير جمال الدين الأصفهاني بإلهائه ومخادعته ريثما تستتب الأمور لسيف الدين غازي في الموصل، وظلّ يتنقل من مكان إلى آخر بالجزيرة حتى تفرق معظم أصحابه عنه، ثم اتجه إلى الموصل فُقبض عليه وأودع السجن ولم يأت له ذكر بعد هذا التاريخ. وهكذا انقسمت الدولة الزنكية بعد مقتل مؤسسها عماد الدين بين ولديه سيف الدين غازي الذي حكم الموصل والجزيرة ونور الدين محمود الذي حكم مدينة حلب وما جاورها من مدن الشام، أما أخوهما نصرة الدين أمير أميران، فقد حكم حرّان تابعاً لأخيه نور الدين محمود، في حين كان الأخ الرابع قطب الدين مودود لا يزال في رعاية أخيه سيف الدين غازي بالموصل. وكان نهر الخابور هو الحد الفاصل بين أملاك الأخوين وأدَّى الوضع الجغرافي الشرقي إلى أن:
- يرث غازي الأول المشاكل الداخلية، مع كل من الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية في العراق.
أ- يحمي حدود الإمارة من غارات سلاجقة فارس.
ب- يحمي ثغور الإمارة الشمالية من تعديات سلاجقة الروم والداشمنديين والبيزنطيين في آسيا الصغرى.
أما في القسم الغربي، فقد ورث نور الدين محمود المشكلتين الكبيرتين المتمثلتين بأتابكية دمشق والإمارات الصليبية المنتشرة في مختلف بلاد الشام.
3- ترتيب أوضاع البيت الزنكي:
كان من الطبيعي أن تنشأ بين البيتين الزنكيين في كل من الموصل وحلب علاقات وثيقة، بفعل الروابط الأسرية من جهة، واشتراك آل زنكي بعامة بهدف واحد، وهو الجهاد ضد الصليبيين في بلاد الشام، وكانت حلب تشكل بالنسبة للموصل خط الدفاع الأول وصَّمام الأمان ضد أي خطر تتعرض له، فنشأت نتيجة لذلك علاقات جيدة بين سيف الدين غازي الأول، صاحب الموصل، وأخيه نور الدين محمود، صاحب حلب، ثم بين الأمراء الذين توالوا على حكم الموصل بعد غازي الأول، إلاّ أن هذه العلاقات الودية القائمة على التعاون والدفاع المشترك، شهدت في بعض الأوقات فتوراً عاماً، كان لا يلبث أن يتلاشى لتعود المحبة والألفة، فبعد استقراره في الموصل والجزيرة وبعض مناطق بلاد الشام كحمص والرحبة والرقة، كان على سيف الدين غازي الأول أن ينسّق مع أخيه نور الدين محمود في حلب، ويتعاون معه لاستكمال سياسة والدهما القاضية بالتصدي للصليبيين، مُدركاً في الوقت نفسه أهمية هذا التعاون، خشية أن يستغل أعداء الأسرة فرصة انقسام الإمارة الزنكية لمهاجمتها، بالإضافة إلى الظهور، بمظهر القوة أمامهم، لذلك رأى ضرورة الاجتماع بأخيه بين وقت وآخر لتسوية ما قد ينشأ بينهما من أزمات داخلية بسبب توزيع الإرث الزنكي، ويبدو أن العلاقات بين الأخوين تعرضت لأزمة عابرة عقب وفاة والدهما، بدليل أن سيف الدين غازي الأول أرسل إلى أخيه، نور الدين محمود يدعوه للحضور إليه، إلاّ أن صاحب حلب تأخر في تلبية الدعوة معلّلاً تصرفه بانهماكه في محاربة الصليبيين، وقد كانت هناك مجموعة من الأسباب ساهمت في الفتور في العلاقة بين الأخوين وهي:
أ- رأى سيف الدين غازي الأول أنه كان يجب على أخيه الوقوف إلى جانبه عندما تعرض الحكم الزنكي في الموصل لخضة سياسية أثارها الملك ألب أرسلان السلجوقي بهدف الاستيلاء على السلطة، وذلك حتى تستقر الأوضاع لهما في البلاد، ثم يستأذنه في العودة إلى بلاد الشام.
ب- عدّ سيف الدين غازي الأول تصرف أخيه نور الدين محمود بعد مقتل والدهما أمام قلعة جَعْبَر خروجاً على التقاليد الأسرية عند القبائل التركية التي تقضي بأن تكون السيادة للابن الأكبر.
ج - رأى سيف الدين غازي الأول في تصرف أخيه انفصالاً واضحاً عن الدولة الزنكية؛ لأن استئثار نور الدين محمود بأملاك الأسرة في حلب يعني تكوين حكم انفصالي عن دولة الأتابكة في الموصل. دفعت هذه العوامل سيف الدين غازي الأول إلى الإلحاح على أخيه نور الدين محمود للاجتماع به وتسوية الأمور بينهما، وقد تصرف صاحب الموصل بحكمة لإزالة أسباب التوتر، كما أنه لم يعارضه عندما استولى على الرها التي كانت تدخل في منطقة نفوذه بعد محاولة جوسلين الثاني استرداها من أيدي المسلمين في أواخر عام 541ﻫ/ ربيع الثاني 1147م والواقع أنه أرسل قوة عسكرية لمساندة أخيه لإنقاذ الرها المهّددة، لكنها وصلت بعد أن نجح نور الدين محمود في استعادتها، وأخيراً حصل اللقاء بين الأخوين في الخابور. وفي هذا الاجتماع، اعتذر نور الدين محمود لأخيه عن تأخره في الحضور، وأظهر له الطاعة والاحترام من جهته، ولشدة حذر نور الدين اشترط أن يكون الاجتماع ومع كل منهما خمسمائة فارس فقبل سيف الدين، وخرج نور الدين ومعه خمسمائة فارس، فرأى أخاه سيف الدين وليس معه إلاّ خمسة فرسان، فتأكد من حسن نيته واقتربا وتعانقا وبكيا وقال له سيف الدين: من لي غيرك يا نور الدين؟ ولمن أدّخر الخير إن أسأت إلى أخي؟
أهم صفات القائد نور الدين زنكي:
إن مفتاح شخصية نور الدين محمود زنكي شعوره بالمسؤولية وحرصه على تحرير البلاد من الصليبيين، وخوفه من محاسبة الله له، وشدة إيمانه بالله وباليوم الآخر، وكان هذا الإيمان سبباً في التوازن المدهش والخلاّب في شخصيته، فقد كان على فهم صحيح لحقيقة الإسلام، وتعبد الله بتعاليمه، وتميزت شخصيته بمجموعة من الصفات الرفيعة والأخلاق الحميدة، والتي ساعدته على تحقيق إنجازاته العظيمة؛ فالشريعة الإسلامية هذبت ونمت وزكت أخلاق وصفات نور الدين والتي من أهمها:
أولاً: الجدية والذكاء المتوقد:
منذ البداية والتكوين الجاد لنور الدين يدفعه إلى الإسراع لسدّ أي فتق أو اعتداء من قِبل الأعداء: فلما قتل زنكي 541ﻫ يقول ابن الأثير – كان جوسلين الفرنجي، في ولايته غربي الفرات: تل باشر وما جاورها فراسل أهل الرها وكان عامتهم من الأرمن، وواعدهم يوماً يصل إليهم فيه فأجابوه إلى ذلك فسار في عساكره إليها وملكها، وامتنعت عليه القلعة بمن فيها من المسلمين، وقاتلهم وجّد في قتالهم، فبلغ الخبر إلى نور الدين فساراً مجداً إليها في العسكر الذي عنده، فلما سمع جوسلين بوصوله خرج عن الرها إلى بلده ودخل نور الدين المدينة ونهبها وسبى أهلها فلم يبق منهم إلاّ القليل وأجلى من كان بها من الفرنج. وكان أبوه زنكي قد استرد هذا الموقع الخطير من الصليبيين عام 539ﻫ وأمر جنده يومها بالكف فوراً عن النهب والسلب والتخريب ومنح النصارى المحليين حريات واسعة وحمى كنائسهم وممتلكاتهم، في محاولة منه لفك ارتباطهم بالغزاة الصليبيين الذين مارسوا معهم الكثير من أساليب التمييز والتفرقة الدينية، أما وقد تآمروا – ثانية – في أخريات عهد زنكي، وثالثة بعد مقتله لإعادة الرها إلى السيطرة الصليبية منها يجيء الرد بمستوى الجّد الذي يقتضيه الموقف إذا ما أُريد لهذا الموقع أن يبقى مجرداً، وألاّ يعود ثانية إلى قبضة الغزاة. وفي عام 567ﻫ هاجم صليبيو اللاذقية مركبين للمسلمين كانا مملوءين بالأمتعة مكتظين بالتجار، وغدروا بالمسلمين، وكان نور الدين قد هادنهم فنكثوا، فلما سمع الخبر استعظمه وأرسل إلى الصليبيين يطلب إعادة ما أخذوه، فغالطوه فلم يقبل مغالطتهم، وكان لا يهمل أمراً من أمور رعيته كما يقول ابن الأثير؛ إذ ما لبث أن جمع عساكره وبث سراياه في بلاد الصليبيين بين أنطاكية وطرابلس، وقام بحصار حصن عرقة وتخريب ربضه، والاستيلاء على حصني صافيتا والعزيمة شمالي، وإجراء أعمال نهب وتخريب واسعة النطاق؛ الأمر الذي اضطر الصليبيين إلى مراسلة نور الدين يعرضون عليه استعدادهم لإعادة ما أخذوه من المركبين وتجديد الهدنة بين الطرفين، فأجابهم نور الدين إلى ذلك لحاجته الماسّة – كما يبدو – إلى هدنة كهذه. ويوماً بلغه ما فعله جوسلين من إرسال السلاح – الذي كان قد استولى عليه في إحدى معاركه مع نور الدين – إلى حميه السلطان مسعود حاكم سلاجقة الروم: فقام نور الدين وقعد، وهجر الراحة للأخذ بثأره، فأذكى العيون على جوسلين، وأحضر جماعة من التركمان، وبذل لهم الرغائب إن هم ظفروا بجوسلين إما قتلاً أو أسراً؛ لأنه علم إن هو جمع العساكر الإسلامية لقصده جمع جوسلين الفرنج وحذر وامتنع فأخلد إلى إعمال الحيلة. وكان نور الدين – كما يقول ابن الأثير: إذا فتح حصناً لا يرحل عنه حتى يملأه رجالاً وذخائر يكفيه عشر سنين خوفاً من نصرة تتجدد للفرنج على المسلمين، فتكون حصونهم مستعدة غير محتاجة لشيء. وهكذا ترتبط جدّية نور الدين بذكائه الحذر ودهائه الذي حقق له الكثير من المكاسب والمنجزات، والذي لم يتح لأحد من الأعداء في الداخل والخارج أن ينفذ لتوجيه ضربة أو إصابة مقتل، كان كما يقول ابن الأثير: يكثر أعمال الحيل والمكر والخداع مع الفرنج وأكثر ما ملكه من بلادهم به. ويضرب على ذلك مثلاً سياسته مع مليح بن ليون ملك الأرمن في بلاد الأناضول: فإنه ما زال يخدعه ويستميله حتى جعله في خدمته سفراً وحضراً، وكان يقاتل به الفرنج وكان يقول: إنما حملني على استمالته أن بلاده حصينة وعرة المسالك، وقلاعه منيعة وليس لنا إليها طريق، وهو يخرج منها – إذا أراد – فينال من بلاد الإسلام، فإذا طُلب انحجر فيها فلا يقدر عليه، فلما رأيت الحال هكذا بذلت له شيئاً من الإقطاع على سبيل التآلف حتى أجاب إلى طاعتنا وخدمتنا وساعدنا على الفرنج، وحين توفي نور الدين وسلك من بعده غير هذا الطريق ملك زعيم الأرمن بعد مليح كثيراً من بلاد المسلمين وحصونهم، وصار منه ضرر عظيم وخرق واسع لا يمكن رقعه، وفي محاولته فتح دمشق أدرك أن اعتماد العنف سيستفز حكامها ويدفعهم إلى مراسلة الصليبيين والاستعانة بهم، فعمد إلى أعمال الحيلة والسياسة، فأخذ يراسل صاحبها مجير الدين ويستميله، ويبعث إليه بالهدايا الموصولة ويظهر له المودة حتى وثق إليه وأخذ نور الدين يكاتبه مشككاً إياه بنوايا عدد من أمرائه، وأنهم بصدد الاتصال به ضد ملكهم، الأمر الذي دفع مجير الدين إلى إبعاد واعتقال عدد من أبرز أصحابه، فلما خلت دمشق من زهرة أمرائها انتقل نور الدين خطوة أخرى فاتصل بأحداث دمشق (أي حرسها الشعبي) وجماهيرها واستمالهم فأجابوه إلى تسليم البلد، وعند ذاك تقدم لحصار دمشق وتمكن بمعونة أهلها أنفسهم من دخولها بسهولة بالغة ودونما إراقة للدماء، فحقق بذلك الهدف الكبير الذي طالما سعى له أبوه، وقبل ذلك، وحينما بعث إليه الفاطميون – كما سيأتي بيانه بإذن الله – يطلبون منه القيام بهجوم على المواقع الصليبية جنوبي الشام لإشغالهم عن مهاجمة مصر، أجاب نور الدين أسامة بن منقذ سفيرهم في هذه المهمة: إن أهل دمشق، أعداء والإفرنج أعداء ما آمن منهما إذا دخلت بينهما، ويحدثنا أبو شامة عن إحدى خدع نور الدين حيث أغار على طبرية وجمع بعض أعلام الصليبيين وشيئاً من ملابسهم وسلاحهم وسلمها إلى أحد جنده قائلاً: أريد أن تعمل الحيلة في الدخول إلى بلبيس، وتخبر أسد الدين شيركوه المحاصر هناك بما فتح الله على المسلمين في بلاد الشام، وتعطيه هذه الأعلام وتأمره بنشرها في أسواق بلبيس فإن ذلك مما يفت في عضد الكفار، ويدخل الوهن عليهم؛ ففعل أسد الدين ما أمره به، فلما رأى الصليبيون ذلك قلقوا وخافوا على بلادهم وسألوا حليفهم شاور- الوزير المصري – الإذن بالانفصال، كما يحدثنا ابن الأثير عن الأسلوب الذي اعتمده نور الدين في فتح حصني المنبطرة بالشام 561ﻫ، فهو لم يحشد له ولا جمع عساكره، وإنما سار إليه في سريه من الفرسان على حين غرة من الصليبيين؛ إذ أدرك أنه بجمعه العسكر سيعطي الإشارة إلى خصومه لكي يأخذوا أهبتهم، وما لبثت حامية الحصن أن فوجئت بهجوم نور الدين المباغت وبعد قتال عنيف سقط الحصن: ولم يجتمع لدفعه إلاّ وقد ملكه، ولو علموا أنه في قلعة من العساكر لأسرعوا إليه، إنما ظنوه أنه في جمع كثير، فلما ملكه تفرقوا وأيسوا من ردّه، فهذه الأحداث تظهر صفة الجدية والذكاء المتوقد في شخصية نور الدين.
ثانياً: الشعور بالمسؤولية:
تولد عن ورع نور الدين وتقواه إحساس شديد بالمسؤولية، ظهر في جميع أعماله وحالاته، فالخشية من الله تعالى تجعله دائماً في موقع المحاسب لنفسه المراقب لها، حتى لا تتجاوز إلى ما يغضب الله؛ فهو يعتبر نفسه مسؤولاً أمام الله عن كل ما يتعلق برعيته، وكل ما يتعلق ببلاد المسلمين ودمائهم وحقوقهم، حتى لو كانوا من غير رعيته، فإذا كان باستطاعته مساعدتهم فهو مسؤول إذا قصر في تقديم هذه المساعدة، يظهر هذا الفهم الشامل للمسؤولية في رسالة نور الدين محمود إلى إيلدكز أمير أذربيجان وأرمينية وهمذان والري، جواباً على رسالته التي يطلب فيها من نور الدين عدم احتلال الموصل ويتهدده بأن لا سبيل له إليها قال نور الدين للرسول: قلْ لصاحبك: أنا أرحم ببني أخي (يعني سيف الدين غازي) منك، فلم تدخل نفسك بيننا؟ وعند الفراغ من إصلاحهم يكون الحديث معك عند باب همذان فإنك قد ملكت نصف بلاد الإسلام وأهملت الثغور حتى غلب الكرج عليها، وقد بليت أنا وحدي بأشجع الناس: الفرنج، فأخذت بلادهم وأسرت ملوكهم، فلا يجوز لي أن أتركك على ما أنت عليه، فإنه يجب علينا القيام بحفظ ما أهملت من بلاد الإسلام، وإزالة الظلم عن المسلمين. كان نور الدين يشعر بالمسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه الوقت أن يضيع هباء والدم المسلم من أن يُهدر، والكرامة الإسلامية من أن تُهان والأرض الإسلامية من أن تُغزى وتُقتطع. فحينما علم في عام 544ﻫ/1149م بتحالف الصليبيين قال: لا أنحرف عن جهادهم، إلاّ أنه مع ذلك كان يكفّ أيدي أصحابه عن العبث والإفساد في الضّياع ويحسن الرأي في الفلاحين ويعمل على التخفيف عنهم، الأمر الذي أكسبه عطف وتأييد جماهير دمشق وسائر البلاد التابعة لها، فراحت تدعو له بالنصر. وكتب إلى زعماء دمشق: إنني ما قصدت بنزولي هذا المنزل طالباً لمحاربتكم، وإنما دعاني إلى هذا الأمر كثرة شكاية المسلمين.. بأن الفلاحين أُخذت أموالهم وشُتّت نساؤهم وأطفالهم بيد الفرنج وانعدام الناصر لهم: فلا يسعني مع ما أعطاني الله وله الحمد من الاقتدار على نصرة المسلمين وجهاد المشركين وكثرة المال والرجال، ولا يحلّ لي القعود عنهم والانتصار لهم؛ مع معرفتي بعجزكم عن حفظ أعمالكم والذبّ عنها والتقصير الذي دعاكم إلى الاستصراخ بالفرنج على محاربتي وبذلكم لهم أموال الضعفاء والمساكين من الرعية ظلماً لهم وتعدياً عليهم، وهذا ما لا يرضي الله تعالى، ولا أحداً من المسلمين، وفي العام التالي خرج إليه أهل دمشق وكثير من أجنادها، بعد أن قرر عدم مهاجمتها عنوة كراهية لسفك دماء المسلمين، والتقى بعدد من الطلاب والفقراء والضعفاء فلم يخيب أحداً من قاصديه. وقد أصر نور الدين طيلة الفترة التالية على عدم القيام بهجوم على البلد تحرّجاً من قتل المسلمين وقال: لا حاجة إلى قتل المسلمين بأيدي بعضهم بعضاً، وأنا أرفههم ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة المشركين. فهو يعلم جيداً أن الأمة إذا قتلت نفسها سهلت على العدو، وإذا قدرت على حماية دمها بذلته رخيصاً في مجاهدة هذا العدوّ.. معادلة واضحة يمكن أن تفسر لنا الكثير من هزائم الأمم وانتصاراتها على السواء... ومن ثم كانت عادة نور الدين كما يقول أبو شامة: إنه لا يقصد ولاية أحد من المسلمين إلاّ ضرورة، إما ليستعين على قتال الفرنج، أو للخوف عليها منها كما فعل بدمشق ومصر وغيرها. لقد كان الدم عنده عظيماً، لما كان قد جبل عليه من الرأفة والرحمة والعدل.
ثالثاً: قدرته على مواجهة المشاكل والأحداث:
اعتمد نور الدين محمود الحلول العقلية ذات الطابع العلمي في مواجهة المشاكل والأحداث، واضعاً عينيه على التعامل مع سنة الأخذ بالأسباب، ففي عام 552ﻫ شهدت الجهات الوسطى والشمالية من بلاد الشام زلازل عنيفة تتابعت ضرباتها القاسية، فخربت الكثير من القرى والمدن، وأهلكت حشداً لا يُحصى من الناس، وتهدمت الأسوار والدور والقلاع، فما كان من نور الدين إلاّ أن شمّر عن ساعد الجدّ وبذل جهوداً عظيمة في إعادة إعمار ما تهدم وتعزيز دفاعاته: فعادت البلاد كأحسن مما كانت، ولولا أن الله منّ على المسلمين بنور الدين، فجمع العساكر وحفظ البلاد، لكان دخلها الفرنج بغير قتال ولا حصار، وفي عام 565ﻫ ضربت بلدان المنطقة بغارة أخرى من الزلازل لم تقل هولاً عن سابقتها، خربت الكثير من المدن وهدّمت أسوارها وقلاعها، وسقطت الدور على أهلها، وهلك منهم ما يخرج عن الحّد والإحصاء، فلما بلغ الخبر نور الدين سار إلى بعلبك لإعادة إعمار ما تهدم من أسوارها وقلعتها، ولم يجأر إلى الله بالشكوى، ويعلن أن الظلم قد فشا، وأن هذا عقاب الله فقط، أو أنه إشارات الساعة قد لاحت في الأفق القريب، وعندما وصل بعلبك أتاه خبر دمار باقي البلاد وهلاك كثير من أهليها، فرتب في بعلبك من يحميها ويعمرها وانطلق إلى حمص ففعل مثل ذلك ومنها إلى حماه فبعرين وكان شديد الحذر على سائر البلاد من الفرنج، لاسيما قلعة بعرين فإنها مع قربها منهم لم يبق من سورها شيء البتة، فجعل فيها طائفة صالحة من العسكر مع أمير كبير، ووكل بالعمارة من يحث عليها ليلاً ونهاراً. ثم أتى مدينة حلب، فلما شاهد ما صنعته الزلزلة بها، وبأهلها أقام فيها وباشر عمارتها بنفسه، وكان هو يقف على استعمال الفعلة والبنائين، ولم يزل كذلك حتى أحكم أسوار جميع البلاد وجوامعها، وأخرج من المال ما لا يقدر قدره.
إن الكوارث – التي يبتلي الله بها عباده – تجيء بمثابة تحديات دائمة تستفز الجماعات البشرية وقياداتها إلى المزيد من الوعي والإنجاز، وإن الاستجابة لهذه التحديات هي التي تقود الأمم والتجارب السياسية والحضارات، خطوات إلى الأمام، والعجز عنها هو الذي يربك مسيرتها ويصيبها بالعجز والشلل والجمود، أما نور الدين فقد اختار الموقف الأول، وأعاد إعمار ما هدمته الكوارث بسرعة مدهشة وواصل الطريق.
ثمة واقعة أخرى ذات دلالة واضحة في هذا المجال: كانت في الموصل خربة واسعة في وسط البلد أُشيع عنها أنه ما شرع في عمارتها إلاّ: من ذهب عمره ولم يتم على مراد أمره. فأشار الشيخ عمر الملاء أحد صالحي المدينة وشيوخها الورعين بابتياعها وبناء جامع كبير فيها تُقام فيه الصلوات، وتخطب الجمع وتدرس العلوم، ففعل نور الدين وأنفق فيه أموالاً كثيرة. وعلق الدكتور عماد الدين صاحب كتاب نور الدين محمود الرجل والتجربة على هذه الحادثة فقال: لم يضرب نور الدين الخرافة والشائعة بالكلمة ولكنه ضربها بالفعل، وبالإنجاز وزالت الخرافة. ولكن المسجد الكبير الذي بناه على أنقاضها ظل حتى اليوم يستقبل مئات المتعبدين والدارسين.
رابعاً: نزعته للبناء والأعمار:
إن الحاكم الناجح في نظره هو ذلك الذي يعرف كيف يحقق أكبر قدر من العمران والتحضر بأقل قدر من الزمن، فقد بنى نور الدين المساجد والربط والزوايا للتعبد وتربية الروح، كما أنشأ المدارس ودور الحديث للتعلم وتربية العقل، وشجّع أعمال الفروسية وسائر النشاطات الرياضية لكسب المزيد من المهارات القتالية، وتنمية الجسد، وبنى أيضاً دوراً للأيتام لإيواء أطفال المسلمين، والمارستان لمعالجة المرضى، وأقام الجسور والقناطر والحدائق والقنوات والأسواق والحمامات والمخافر وشقَّ الطرقات العامة، فحفلت دولته بالكثير من المؤسسات الاجتماعية والعمرانية، ولم يغفل نور الدين – وهو بصدد البناء والإعمار – عن الجانب الجمالي الذي يرتبط ارتباطاً أساسياً بالإبداع.. ورجل كنور الدين خرّجته مدرسة الإسلام الرحيبة الشاملة لا يمكن إلاّ أن يرى في العمل والتزيين في المضمون والشكل في الوقائع والجماليات وجهين لعملة واحدة، فقد أوقف بستان الميدان والغيضة التي تليه في دمشق لتطييب جوامع دمشق ومدارسها لكي يظل هواؤها معبقاً بالروائح الطيبة والشذى العبق، وكان على اهتمام كبير بهذه المسألة بحيث أنه حدّد مصارف وقفه المذكور: نصفه على تطبيق جامع دمشق، والنصف الآخر يقسم عشرة أجزاء، جزآن على تطييب المدرسة التي أنشأها للحنفية والثمانية أجزاء الأخرى على تطييب المساجد التسعة في دمشق وأطرافها. وجلب للمدرسة الحلاوية التي بناها في حلب، من مدينة أفاحية، مذبحاً من الرخام الملكي الشفاف الذي إذا وضع تحته ضوء شفّ من وراء الرخام، ولما دخل قلعة دمشق عام 549ﻫ أنشأ بها داراً عامة: في غاية الحسن سماها دار المسرّة، وفي قلعة حلب أنشأ نور الدين أبنية كثيرة وأقام ميداناً 'خضّره بالحشيش ' وسمّى الميدان الميدان الأخضر، ويرتبط بهذه المسألة الجمالية ما كان نور الدين يأمر به في المناسبات عام 552ﻫ إذ أمر نور الدين بزينة قلعته ودار مملكته بحيث حلّى أسوارها بالآلات الحربية من الجواشن والدروع والتراس والسيوف والرماح والطوارق والإفرنجية والأعلام والطبول والبوقات وأنواع الملاهي المختلفات، وهرعت الأجناد والرعايا وغرباء البلاد لمشاهدة الحال فشاهدوا ما استحسن منه مدة سبعة أيام. لقد كان أكسوار الحفل وديكوراته – إذا صح التعبير – مناسبة تماماً لمدينة كدمشق تتزعم حركة الجهاد، وتقف في قلب التحدي. وتبدو نزعة نور الدين للإعمار والتحضر، أكثر ما تبدو، في سياسته الرامية لتوطين العناصر البدوية وجعلها تمارس حياة الاستقرار، فقد أقطع الأمراء العرب في جنوب الشام والحجاز القطائع لئلا يتعرضوا لقوافل الحجاج، ونقل أعراب بني عباد من البلقاء والأردن إلى صرخد الملاصقة لبلاد حوران من أعمال دمشق، و على الرغم من أن هذه الخطوة أنصبت على تجميد نشاط هؤلاء في مساعدة صليبيي المنطقة وإرشادهم على الطرق، وتحويل هؤلاء الأعراب إلى قوة تعمل لصالح المسلمين أنفسهم كما أشارت الرواية المذكورة، إلاّ أنها حققت من ناحية أخرى هدفاً عمرانياً واضحاً، وليس ثمة رواية تحمل دلالتها على نزعة نور الدين للبناء والإعمار تعدل رواية ابن جبير، الرحالة الذي زار دمشق ووصف معالمها بعد سنوات فحسب من وفاة نور الدين، ولا شك أن وصفه هذا ينسحب على العصر الذي نتحدث عنه؛ لأن تغييرات جغرافيا المدن لا تُقاس بالسنين المحدودة بل بعقودها على أقل تقدير. يقول الرجل- مشيراً إلى الاتساع العمودي لدمشق-: وبناء البلد ثلاث طبقات، فيحتوى من الخلق على ما تحتوي ثلاث مدن؛ لأنه أكثر بلاد الدنيا خلقاً وحسنه كله خارج المدينة لا داخلها، وبدمشق (ما يقرب من) مائة حمام فيها وفي أرباضها، وفيها نحو أربعين داراً للوضوء يجري الماء فيها كلها، وليس في هذه البلاد كلها بلدة أحسن منها للغريب؛ لأن المرافق بها كثيرة.. وأسواق هذه البلدة من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاماً وأبدعها صنعاً، وقد سرت عدوى الرغبة في البناء والإعمار إلى رجال نور الدين وكبار موظفيه – كما سنرى في المقالات القادمة – فراحوا يتسابقون في بناء المدارس والمساجد ومؤسسات الخدمات الاجتماعية، وما أكثر الروايات التي قيلت في هذا الصدد، ويكفي أن نطلع على تراجم رجال نور الدين محمود، بل النساء اللواتي اشتهرن في عصره كذلك.
خامساً: قوة الشخصية:
كان نور الدين محمود قوي الشخصية، قديراً على الوقوف في نقطة التوازن بين الصرامة والمرونة، والشدة واللين، والعنف والرحمة، وقد وصفه ابن الأثير بأنه كان: مهيباً مخوفاً مع لينه ورحمته، وأنه كانت إليه النهاية في الوقار والهيبة، شديداً في غير عنف، رقيقاً في غير ضعف، ويصف مجلسه فيقول: وكان مجلسه كما روي في صفة مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلس حلم وحياء، لا تُؤبّن فيه الحُرَم، ولا يُذكر فيه إلاّ العلم والدين وأحوال الصالحين والمشورة في أمر الجهاد، وقصْد بلاد العدو، ولا يتعّدى هذا.. وقال الحافظ ابن عساكر الدمشقي: كنا نحضر مجلس نور الدين فكنا كما قيل: كأن على رؤوسنا الطير تعلونا الهيبة والوقار، وإذا تكلم أنصتنا، وإذا تكلمنا استمع لنا وقال ابن كثير: لم يسمع منه كلمة فحش قط في غضب ولا رضا، صَموتاً وقوراً. وكان نور الدين محمود يملك هيبة عجيبة على موظفيه، ويلزمهم بوظائف الخدمة: ولم يجلس عنده أمير من غير أن يأمره بالجلوس باستثناء نجم الدين أيوب.. وكان مع هذه العظمة وهذا الناموس القائم، إذا دخل عليه الفقيه أو الصوفي أو الفقير يقوم له ويمشي بين يديه ويجلسه إلى جانبه، ويُقبل عليه بحديثه كأنه أقرب الناس إليه، وإذا أعطى أحداً منهم شيئاً كثيراً يقول: هؤلاء جند الله وبدعائهم ننتصر على الأعداء، ولهم في بيت الله حق أضعاف ما أعطيهم، فإذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا.
سادساً: محبة المسلمين له:
عندما تحدث ابن كثير في أحداث سنة 552ﻫ قال: وفيها مرض نور الدين، فمرض الشام بمرضه، ثم عوفي ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً، وقال في أحداث سنة ثمان وخمسين وخمسمائة: وفيها كبست الفرنج نور الدين وجيشه فانهزم المسلمون لا يلوي أحد على أحد، ونهض الملك نور الدين فركب فرسه والشَّبحة في رجله فنزل رجل كردي فقطعها حتى سار السلطان نور الدين فنجا، وأدركت الفرنج الكردي فقتلوه، وفيما ذكره ابن كثير يظهر الحب العميق الذي تكنه الأمة لنور الدين وهذا الحب الرباني كان نابعاً من القلب، وبإخلاص، لم يكن حب نفاق، وما أبلغ تعبير ابن كثير: مرض نور الدين فمرض الشام بمرضه، فهل هناك تلاحم بين القيادة والقاعدة مثل هذا في ذلك الزمن، ومن أسباب ذلك الحب صفات نور الدين القيادية، فهو يسهر ليناموا، ويتعب ليستريحوا، وكان يفرح لفرح المسلمين، ويحزن لحزنهم، وكان عمله لوجه الله – نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً – وصدق الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي عندما قال:

فــإذا أحــــبّ اللهَ بـــــاطــنُ عبــــدِهِظهــرتْ عليـــه مــواهــبُ الــفــتاحِوإذا صــفــتْ لله نـــيـــةُ مصـــلــحٍ مــال العــبـــادُ عــليـــه بــــالأرواحِ
إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كلّ شيء، وتستطيع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود، وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود والأمة لها.
لقد وضع الله القبول لنور الدين بين أبناء أمته وأحبته الجماهير لجهاده وإخلاصه وتفانيه في خدمة الإسلام، وامتد هذا الحب لكي يتجاوز مدن دولته وحصونها وقراها إلى ما وراء الحدود وكسب جماهير خصومه من الداخل، وهز عروشهم، وقطع جذور مواقعهم من الأعماق وأزاحهم من طريق الوحدة التي اعتزم بناءها دونما قطرة من دم، فالدم المسلم كان عنده عظيماً، وليست تجربته مع أهالي دمشق بالمثل الوحيد، فمُنذ عام 543ﻫ حينما تقدم على رأس قواته للمساعدة على فك حصار الحملة الصليبية الثانية عن دمشق: شاهد الدماشقة حرمته حتى تمنوه، وراحوا يدعون له دعاءً متواصلاً، وأخذ يخرج إليه خلال المراحل التالية من الحصار – عدد كبير من الطلاب والفقراء والضعفاء ولهذا دلالته، فهم الذين كانوا في الواقع أصدقاءه الحقيقيين كما سيتبين لنا، فما خاب قصده كما يقول ابن القلانسي، أما فلاحو المنطقة فكانت قلوبهم معه؛ لأنه منع أصحابه من العبث بمزارعهم، وأعلن أنه جاء لكي يحمي كدحهم من تخريب الصليبيين، وفي عام 547ﻫ عندما تقدم إلى دمشق لضمها إلى جبهة القتال الجادّ المخلص ضد الصليبيين، واستنجد حاكمها مجير الدين بالعسكر والأحداث، للخروج إلى قتاله. لم يخرج إلاّ القليل، لما وقر في نفوسهم من استنجاد مجير الدين بالفرنج.
وأقام نور الدين على دمشق من غير قتال ولا زحف خوفاً على المسلمين. وقد عزّز بذلك محبة الدمشقيين له فكانوا: يدعون ليلاً نهاراً أن يبدلهم الله سبحانه بالملك نور الدين، وأخذ نور الدين يكاتب أهل دمشق ويستميلهم: وكان الناس يميلون إليه لما هو عليه من العدل والديانة والإحسان فوعدوه بالتسليم. وقد دخل نور الدين دمشق عام 549ﻫ في فتح أبيض لم تُرق فيه دماء وما ذلك إلاّ – بتوفيق الله – ثم بمساعدة الجماهير التي كانت تنتظر دخوله منذُ سنوات وسنوات. ويقال إن امرأة كانت على السور فدلّت حبلاً فصعدوا إليه، وصار على السور جماعة ونصبوا السلالم، وصعدت جماعة أخرى، ونصبوا علماً، وصاحوا بشعار نور الدين وبعد أقل من ثلاث سنوات، حينما أعلن في دمشق عن التطوع في حملة لقتال العدو خرج كل قادر على حمل السلاح من أهل دمشق وتبع نور الدين في حملته تلك: فتيان البلد من الأحداث والغرباء والمتطوعة والفقهاء والصوفية والمتدينين العدد الكثير. وهناك رواية لابن الأثير، تناقلها كثير من المؤرخين، تحمل دلالتها العميقة في هذا الموضوع طلب نور الدين عام 559ﻫ نجدات من أمراء الأطراف لفتح حارم المعروفة بحصانتها الشديدة، فأما فخر الدين قرا أرسلان الأرتقي، حاكم حصن كيفا في ديار بكر، فبلغني عنه أنه قال له ندماؤه وخواصه: على أي شيء عزمت؟ فقال: على القعود، فإن نور الدين قد تحشّف من كثرة الصوم والصلاة، فهو يلقي بنفسه والناس معه في المهالك فكلهم وافقه على ذلك، فلما كان الغد أمر بالنداء في العسكر، بالتجهز للغزاة فقال له أولئك: فارقناك بالأمس على حال نرى الآن ضدها؟ فقال: إن نور الدين قد سلك معي طريقاً إن لم أنجده خرج أهل بلادي على طاعتي، وأخرجوا البلاد من يدي،، فإنه كاتب زهّادها وعبّادها والمنقطعين عن الدنيا، يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج وما نالهم من القتل والأسر والنهب، ويستمد منهم الدعاء ويطلب منهم أن يحثوا المسلمين على الغزاة، فقد قعد كل واحد من أولئك ومعه أتباعه وأصحابه وهم يقرؤون كتب نور الدين ويبكون، ويلعنوني ويدعون عليّ، فلا بد من إجابة دعوته، ثم تجهز هو 'أيضاً' وسار إلى نور الدين بنفسه. إن نور الدين يتعامل مع الجماهير وأعيانها ورموزها، وقد حقق نجاحات باهرة في كسب قلوبها وتأييدها ومحبتها، فكان يطلعها على تفاصيل ما يجري على الساحة، فإن تردد الحكام والأمراء، أو جبنوا، أو بخلوا فإن بمقدور القواعد، الأكثر ثقلاً وتأثيراً يوم ذاك أن ترغمهم على الطاعة، وإلاّ عصفت بهم وأخرجت البلاد من أيديهم، وذلك هو الضمان الكبير في تجنيد القدرات الإسلامية كافة ودفعها إلى ساحات الجهاد، وما من شك في أن انسجاماً عميقاً يتحقق بين القيادة والقواعد ومحبة واعية تسود العلاقة بين الرجل والجمهور، وتعاطفاً مخلصاً من أجل الأهداف الكبيرة.. وما من شك أن هذا وذاك من أسباب النجاح والتوفيق في إدارة دولته

رد مع اقتباس
قديم 13-03-2009, 06:11 PM   رقم المشاركة : ( 2 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,157 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي مشاركة: رحلة مع القائد نور الدين زنكي [1/3]

الدولة الزنكية.. في التاريخ
د. علي الصلابي 28/10/1429
27/10/2008

أولا:الفتوحات في عهد نور الدين زنكي
1- فتح الرها:
كانت إمارة الرها الصليبية أولى الإمارات التي تأسست في الشرق الإسلامي سنة 491ﻫ / 1097م بزعامة بلدوين الأول الذي استمر في حكم هذه الإمارة حتى سنة 494ﻫ/1100م حين انتقل إلى حكم بيت المقدس عقب وفاة جورفرى ملك بيت المقدس. وقد تميزت الرها عن بقية الإمارات الصليبية بموقعها في الحوض الأوسط لنهر الفرات حيث تحملت عبء الدفاع عن بقية الإمارات الصليبية في بلاد الشام، وذلك لقربها من الخلافة العباسية ثم لوقوفها في وجه التركمان الذين كانت تعج بهم منطقة الجزيرة عقب التفكك الذي أصاب السلاجقة في بلاد الشام والعراق عقب وفاة السلطان ملكشاه 485 ﻫ /1092م، ولم تقتصر أهمية الرها على موقعها الاستراتجي وكونها خط الدفاع الأول عن بقية الإمارات الصليبية في بلاد الشام بل إنها شكلت خطراً أساسياً على خطوط المواصلات الإسلامية بين الشام وآسيا الصغرى والعراق ومنطقة الجزيرة. ومما يوضح ذلك أن الحملة التي قام بها كربوقا صاحب الموصل سنة 491ﻫ/ 1098م نجدة للمسلمين بأنطاكية قد تعطلت بعض الوقت حول الرها في محاولة لانتزاعها من بلدوين الأول، وعلى الرغم من أن الرها لم تقع في نطاق الأراضي المقدسة في فلسطين فقد عدها الصليبيون من أشرف المدن عندهم بعد بيت المقدس وأنطاكية والقسطنطينية، وفيرة الثروات ساعدت أمراء الرها على توسيع رقعتهم فامتدت إمارة الرها الواقعة على ضفتي نهر الفرات من راوندان وعين ثاب غرباً إلى مشارق ومن بهنسي وكيسوم شمالاً إلى منبج جنوباً واكتسبت الرها أهمية بما تهيأ لها من حكام اتصفوا بالقوة والشجاع استطاعت الصمود في وجه المقاومة الإسلامية، على الرغم من أن الرها كانت تعاني من نقطتي ضعف واضحتين أحدهما الحدود الطبيعية إذ لا توجد لها موانع طبيعية تحميها وتكسبها وقاية ومناعة وثانيها عدم وجود تجانس بين سكانها إذ كانوا خليطاً من المسيحيين الشرقيين "السريان والأرمن اليعاقبة" ومن الصليبيين الغربيين، فضلاً عن المسلمين الذين تركزوا من مدن بكاملها كسروج والبيرة التي خضعت للصليبيين ولم تقتصر أهمية الرها على الجانب الصليبي، بل كانت في نظر المسلمين من أهم المواقع التي يجب السيطرة عليها، فقد ذكر ابن الأثير مكانتها في بلاد الجزيرة بسبب موقعها بين الموصل وحلب، أي بينها قاعدة عما في شمال العراق وقاعدتها في الشمال، ولهذا ووصفها بإنها من الديار الجزرية عينها ومن البلاد الإسلامية حضها مما جعل القوى الإسلامية سواء في العراق أو الشام أو الجزيرة ترغب في السيطرة عليها.
2- أوضاع إمارة الرها الداخلية:
كانت ظروف الرها الداخلية مؤاتية لعماد الدين زنكي، إذا تصف أميرها جوسلين الثاني بضعف الشخصيةوإنسياقه وراء العواطف والأهواء وعدم امتلاكه مقدرة سياسية، وبعد نظر، والواقع أن جوسلين الثاني تأثر في نشأته بالميول الأرمينية بفعل أن والدته كانت منهم، فترعرع وفي نفسه ميل إلى الأرمن وغيرهم من السكان الأصليين من الطوائف النصرانية الشرقية وفضَّلهم على النصارى الغربيين الأمر الذي أثار الفرسان الصليبيين وأوجد نوعاً من عدم الاستقرار داخل الإمارة وعُرف عن صاحب الرها أنه كان من عدم الاستقرار داخل الإمارة وعُرف عن صاحب الرها أنه كان من ذلك النوع الذي يؤثر الراحة والعافية، حتى أنه في الوقت الذي هاجم فيه عماد الدين زنكي إمارته، اختار أن يترك مدينته ليقيم في تل باشر عن الضفة الغربية للفرات، وإذا أضفنا إلى ذلك أن المسلمين أحاطوا بهذه الإمارة من كل جانب، وفصلها نهر الفرات عن بقية الممتلكات الصليبية في بلاد الشام؛ لاستطعنا أن نكَّون فكرة عامة عن العوامل التي ساعدت على سقوطها والجدير ذكره أن هذه شَّكلت خطراً كبيراً على المواصلات الإسلامية بين حلب والموصل وبغداد وسلاجقة الروم في آسيا الصغرى، كما كانت عائقاً حال دون قيام الوحدة الإسلامية في بلاد الشام والجزيرة بسبب تدخلها المستمر لصالح خصوم عماد الدين زنكي من الأمراء المسلمين في المنطقة، فكان فتحها ضرورة سياسية وعسكرية واقتصادية ودينية.
3- عمليات الفتح:
استغل عماد الدين زنكي الظروف السابق ذكرها وسعى إلى تدبير خدعة تتيح له تحقيق هدفه من أقصر طريق. وكان يعلم أنه لن يستطيع أن ينال غرضه من الرها ما دام جوسلين وقواته موجودين بها، وهكذا انصب اهتمامه على إيجاد وسيلة تدفع غريمه إلى مغادرة مقر إمارته، فاتجه إلى آمد، وأظهر أنه يعتزم حصارها، وأنها هدفه دون غيرها، وبث عيونه – في الوقت نفسه – في منطقة الرها ليطلعوه – أولاً بأول – على تحركات أميرها الذي ما أن رأى إنهماك زنكي بحروبه في ديار بكر وعدم تفرغه للهجوم على المواقع الصليبية، حتى غادر مقر إمارته على رأس قواته، بعد أن اتخذ إجراءاً احتياطياً بأن عقد هدنة مع فرار أرسلان صاحب حصن كيفا الذي كان قد التجأ إليه بعد تهديد زنكي لإمارته، ومن ثم اتجه إلى تل باشر الواقعة على الضفة الغربية للفرات، كي يتخلص هناك، من كل مسؤولية، ويتفرغ لملذاته، تاركاً حماية الرها لأهاليها من الأرمن والسريان والنساطرة واليعاقبة، وكان معظمهم من التجار الذين لا خبرة لهم بشؤون الحرب والقتال بينما تولى الجند المرتزقة مهمة الدفاع عن القلعة، وجاءت عيون عماد زنكي لتطلعة على النبأ الذي كان يتحرق إليه فأسرع بالتوجه إلى الرها مستعيناً على السرعة بركوب النجائب الإبل مستنفراً كل قادر على حمل السلاح من مسلمي المنطقة للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، وما لبث أن انهالت عليه جموع المتطوعين، فطوق بهم الرها من جهاتها الأربع. وحاول في البدء أن يتوسل بالطرق السلمية علها تحقق هدفه دون اضطرار إلى رفع السيف، مراسل أهالي الرها باذلاً لهم الأمان، طالباً منهم أن يفتحوا له الأبواب قبل أن يجد نفسه مضطراً إلى تدمير أسوار بلدهم وإخلاء دياره، إلا أنهم أبوا قبول الأمان. وحينئذا اشتد زنكي في التضييق على الحصن، مستخدماً آلات الحصار الضخمة التي جلبها معه لتدمير أسواره، أن تتاح الفرصة لتجمع الصليبيين والتقدم لإنقاذ هذا الموقع الخطير، وأرسل جوسلين لدى سماعه نبأ الهجوم – في طلب نجدة مستعجلة من كافة الإمارات الصليبية في الشام، فلم يستجب له سوى (ميلزاند) الوصية على بيت المقدس، التي وصلت نجدتها بعد فوات الأوان، كما أنه قام بمحاولة للدخول إلى المدينة، أو إرسال نجدة لتعزيز دفاعها فحيل بينه وبين ذلك وفي السادس والعشرين من جمادى الآخرة 539ﻫ وبعد مرور ثمان وعشرين يوماً على بدء الحصار إنهارت بعض أجزاء الحصن، أثر الضرب المركز الشديد الذي تعرضت له، فاجتاحت قوات المسلمين المدينة، ثم ما لبثت القلعة أن استسلمت بعد يومين، وقام القس اليعقوبي برصوما بإجراءات تسليم الرها لزنكي.
4- سياسة عماد الدين زنكي في الرها:
رأى عماد الدين زنكي، بعد أن فتح الرها، أن ذلك البلد لا يجوز في السياسة تخريب مثله وأصدر أوامره إلى جنده بإيقاف أعمال القتل والأسر والسلب، وإعادة ما استولوا عليه من سبي وغنائم، فاعيدوا ولم يفقد إلا الشاذ النادر، وأعقب ذلك بإصدار أمر آخر بالإسراع في تنظيم ما اضطرب من أمور الرها، وتعمير ما تهدم خلال أسابيع طويلة من القتال ورتّب من رآه أهلاً لتدبير أمرها وحفظها والاجتهاد في مصالحها، ووعد أهلها با جمال السيرة وبسط العدالة مستهدفاً من وراء ذلك استمالة سكانها الأصليين من المسيحيين الشرقيين ضد الصليبيين الكاثوليك، الأمر الذي يؤكده قيامه بتدمير عدد من الكنائس الكاثوليكية، واحتفاظه بكنائس الشرقيين.
5- العوامل التي ساعدت عماد الدين على استعادة الرها:
هناك العديد من العوامل التي ساعدت عماد الدين على تحرير الرها منها:
تنامي حركة الجهاد الإسلامية حتى عصره وحصاد تجربة المسلمين في ذلك المجال، فلا ريب في أن التجارب السابقة أثبتت أن إمارة الرها مرشحة أكثر من غيرها لكي تكون أولى الإمارات الصليبية المعرضة للسقوط في أيدي قادة الجهاد الإسلامي حينذاك، وقد اجهدها أمر الإغارات المستمر من جانب أتابكة الموصل على نحو خاص طوال ما يزيد على أربعة عقود من الزمان على نحو مثل موتاً بطيئاً لها إلى أن تم الإجهاز عليها في العام المذكور.
ويضاف إلى ذلك براعة عماد الدين زنكي العسكرية الذي فأجا تلك الإمارة الصليبية بالهجوم، بعد أن أطمأن الصليبيون إليه وتصوروا أنه لن يهاجم فاستغل فرصة غياب أميرها جوسلين الثاني عنها ووجه لها ضربته القاضية التي انتهت بإسقاطها، وهكذا أثبت ذلك القائد المسلم الكبير أنه اختار التوقيت الملائم لذلك العمل العسكري العظيم.
زد على ذلك: أن الخلاف الواقع بين إمارتي الرها وأنطاكية أثر بدوره على إمارة الرها، وأدى إلى إجهادها واستهلاكها سياسياً وعسكرياً، على نحو أثبت أن الخلافات التي كانت تحدث بين القيادات الصليبية أثرت بدورها على كياناتهم السياسية وها هي – لحسن
الحظ – إمارة الرها تدفع الثمن بأن سقطت في قبضة من استحقها من قادة الجهاد الإسلامي في ذلك الحين.
ولا نغفل – من ناحية أخرى شخصية أمير الرها جوسلين الثاني الذي لم يكن على نفسه القدر من الكفاءة السياسية والعسكرية التي اتصف بها والده جوسلين الأول، وكان أميل إلى حياة الخلاعة والمجون والسعي الحثيث إلى الملذات، بل إن كثيراً ما غادر مدينة الرها ذاتها واتجه إلى تل باثر من أجل أن يجد هناك ما يبحث عنه من صور الفساد ولذلك أدرك فيه المسلمون تلك الزاوية فأحسن قائدهم الإفادة منها وهاجم الرها وقت أن غاب عنها جوسلين الثاني، فأصابها في مقتل.
ويبدو أن الجيل الصليبي الذي حل بعد الجيل الأول الذي أسس الكيان الصليبي وحافظ عليه، لم يكن قادراً على الحفاظ على ما شيده السابقون بل لم يكن يدرك أهمية دوره التاريخي في ذلك الموقع الشديد الحساسية الذي أحاطه المسلمون من كل جانب، وهكذا شارك جوسلين الثاني – دون أن يدري – في إنجاح حركة الجهاد الإسلامية حينذاك بقيادة قائدها الكبير عماد الدين زنكي.
وعلى أية حال: من الممكن أن من المؤرخين الغربيين من حاول إظهار عوامل الضعف الداخلي في إمارة الرها، وجعل تلك العوامل وحدها هي التي أدت إلى اسقاطها، وهدف من وراء ذلك إضعاف فعاليات المسلمين السياسية والحربية، غير أن المنطق التاريخي يدعونا إلى تصور أن العوامل الداخلية والخارجية تعاونت معاً من أجل صنع انتصار عام 539ﻫ/1144م ومهما كان أن شأن عوامل "النحر والانتحار" الداخلية ونتائجها في الرها فإنها ما كانت لتسقط دون الفعاليات العسكرية لقائد موهوب مثل عماد الدين زنكي، وجنوده من خلفه.
6-مؤامرة فاشلة من سكان الرها:
ما لبث سكان الرها من الأرمن أن دبروا – في العام التالي – مؤامرة استهدفت الفتك بالمسلمين وإعادة المدينة إلى السيطرة الصليبية بعد القيام باستدعاء جوسلين، إلا أن زنكي سرعان ما تمكن من كشف هذه المحاولة الخطيرة، والقبض على مُدبريها وإعدامهم، ثم أعقب ذلك بنفي عدد من الأرمن كيلا يتاح لهم مرة أخرى أن يسعوا إلى طعن المسلمين من الخلف، وتسليم أهم مواقعهم لقمة سائغة للغزاة الصليبيين.
7- نتائج فتح الرها:
حقق عماد الدين زنكي يفتح الرها أهم إنجازاته التي قام بها ضد الصليبيين طوال مدة حكمه، وكانت لهذا النصر نتائج هامة في العالمين الإسلامي والنصراني ومن أهم تلك النتائج على الإجمال:
أ- تأكد للمسلمين أن حركة الجهاد الإسلامية وصلت سن الرشد وتجاوزت المراهقة السياسية والعسكرية دون أن يكون ذلك إجحاف بإنجازات القادة السابقين على زنكي لاسيما مودود – وإذا كانت أولى الإمارات الصليبية تهاوت تحت أيديهم، فإنها البداية، واليوم أسقاط الرها وغداً إسقاط باقي الكيان الغازي الدخيل، وهذا ما حدث فعلاً، ومن الآن فصاعداً لن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، بل التقدم إلى الأمام بكل ثقة، وإباء، وإنجاز.
ب- تأكد منطق التاريخ من أن مثل تلك الكيانات الصليبية الغير شرعية لن تستمر على الأرض المسلمة، لأن أبناء المنطقة أصحاب الهوية الدينية الموحدة لن يقبلوا بذلك الوضع السياسي والعسكري الدخيل وبالتالي عاد التجانس لمنطقة شمال العراق، ولم تعد الرها تمثل دور الفصل والكيان الصليبي الحاجز المانع من الاتصال بين كل من سلاجقة آسيا الصغرى، وسلاجقة العراق، وكذلك بلاد فارس.
ج- زاد الضغط على النطاق الصليبي الذي اتخذ شكلاً طولياً من أنطاكية في الشمال إلى أيلات (الرشراش) جنوباً ومن نهر الأردن شرقاً إلى الساحل الشامي – باستثناء عسقلان، إذ أن صور سقطت بالفعل عام 1124م/518ﻫ. بما اشتمله من إمارة طرابلس، ومملكة بيت المقدس الصليبية، فالمؤكد أن رأس الحربة الصليبية في الرها سقطت إلى غير رجعة، والآن أصبح ذراعها قائماً في باقي الكيان الصليبي، ولذلك ازداد الضغط العسكري عليه من قبل القوى الإسلامية التي سيطرت على الظهير الشامي الموازي للساحل والسهل الساحلي، وكأن المعركة صارت – على المستوى الجغرافي – معركة بين الساحل والظهير، واعتمد الأول على الدعم الخارجي الأوروبي في الأساس، واعتمد الثاني على إمكاناته المحلية الوافرة التي تزايد شأنها مع ظهور قادة الوحدة بين المسلمين.
د- أدى إسقاط الرها بمثل هذه الصورة إلى تحرك الحلف الدفاعي الاستراتيجي القائم بين الكيان الصليبي في الشرق، والرحم الأمم في الغرب الأوروبي، فلم يكن ذلك الغرب ليسمح لامتداده السياسي والتاريخي في الشرق أن ينهار قطعة قطعة، بل لابد من التدخل من أجل إعادة الأمور إلى نصابها وإجهاز فعاليات إمارة الموصل، ومن ثم كان قيام صليبية 1147 – 1149/542ﻫ - 544ﻫ. التي اشتهرت بالصليبية الثانية، وهي من النتائج المباشرة لإسقاط الرها وهو أمر يوضح لنا بجلاء كيف أن قادة الجهاد الإسلامية حاربوا قوى عالمية، ولم تكن مجرد قوى محلية محدودة التأثير والفعالية، وأنهم بالفعل كانوا جزءاً من صراع قاري أو عالمي على نحو يجعل لهم مكانة بارزة في تاريخ المسلمين – عامة – في عهد الحروب الصليبية.
ﻫ- ومن النتائج العديدة التي نتجت عن ذلك الإنجاز، إرتفاع شأن عماد الدين زنكي إلى حد بعيد، فبعد أن كان مجرد حاكم محلي محدود النطاق والفعالية، تردد اسمه سريعاً في الحوليات اللاتينية والسريانية ليعكس أنه أحدث تأثيراً كبيراً في مجرى أحداث الشرق اللاتيني، وبصورة غير مسبوقة، أما بالنسبة للمسلمين، فقد احتل مكانة بارزة،فقد عزّز فتح الرها مركز عماد الدين تجاه السلطان السلجوقي مسعود والخليفة العباسي المقتفي لأمر الله الذي أنعم عليه بعدد كبير من الألقاب التي حازها عن جدارة، كالأمير المظفر، ركن الإسلام، عمدة السلاطين، زعيم جيوش المسلمين، ملك الأمراء أمير العراقين والشام وجعل هذا النصر عماد الدين زنكي المدافع الأول عن الدين، والمجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله، ودارت في المحافل الإسلامية، أحاديث تمحورت حول شخصه، تصور لنا مدى التقدير، والإعجاب اللذين نالهما إثر تحقيقه هذا النصر الكبير، ومهد هذا الفتح الطريق أمام عماد الدين زنكي لاستكمال فتح الحصون المجاورة، وفرض سيطرته التامة على أملاك أعدائه في المنطقة، وأدَّى فتح الرها دوراً كبيراً في إنقاذ إمارة عماد الدين زنكي من خطر استمرار الغارات الصليبية عليها، فأصبح أهلها بعد الخوف آمنين وهذا إنشاء الله من عاجل بشرى المؤمن.
موقع مؤسس الدولة الزنكية في التاريخ الإسلامي
يمكن القول بأن عماد الدين زنكي استطاع أن يحقق قسطاً كبيراً من برنامجه وأن يكون لنفسه مكانه خاصة في التاريخ الإسلامي كسياسي بارع وعسكري متمكن ومسلم واع أدرك الخطر الذي أحاط بالعالم الإسلامي من قبل الصليبيين فقد استطاع أن يوجه الظروف التاريخية القائمة لصالح المسلمين، وذلك بتجميعه القوى الإسلامية، بعد القضاء على عوامل التجزئة والانقسام وتوحيد المدن والإمارات المنفصلة في نطاق دولة واحدة استطاع بمقدرته أن يستغل أقصى ما يمكن أن تقدمه من إمكانات في سبيل تحقيق برنامجه المزدوج أي تشكيل الجبهة الإسلامية وضرب الصليبيين وقد اتضح لنا من خلال استعرض علاقة عماد الدين زنكي بالقوى الإسلامية كامارات المدن والإمارات المحلية في الجزيرة والشام، والقبائل الكردية والتركمانية – مدى قدرته السياسية وبراعة خططه العسكرية خلال علاقاته السلمية والحربية مع هذه القوى المنبثة في المنطقة، فهو من الناحية الرسمية كان قد تسلم من السلطان السلجوقي "محمود بن محمد بن ملكشاه" عام 522ﻫ منشوراً يقر سلطته الشرعية على الموصل والجزيرة والشام، وقد تأكد هذا المنشور خلال الأعوام التالية. إلا أنه لم يكن كافياً لتثبيت سلطته الفعلية في هذه الفترة التي استطاع فيها عدد كبير من الأمراء أن يفرضوا سلطتهم على عدد لا يحصى من المدن والأقاليم، مستقلين إلى حد كبير عن السلطة السلجوقية ومستفيدين من مجموعة من العوامل الشخصية والسياسية والجغرافية والاقتصادية والبشرية، فكان لابد لزنكي إذن، من إخضاع هذه العدد الكبير من السلطات المتمركزة في المنطقة، ومن اختيار أسلوب الهجوم، منُذ البداية بالرغم مما يحيق بهذا الأسلوب من أخطار أولها احتمال تشكيل حلف دفاعي مضاد من الأمراء العادين وقد يتحول هذا الحلف فيما بعد إلى حلف هجومي، كما حدث بالنسبة للأراتقة وثاني تلك الأخطار عدم وجود خط رجعة في حالة إنكساره أو إنسحابه أمام الأمراء المحليين الذين كانوا يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم. إلا أنه لم يأبه لهذه الأخطار، وراح يهاجم الأمراء المحليين منُذ البداية، دفعه إلى ذلك طموحه وشجاعته الشخصية، وإطمئنانه إلى قاعدة شعبية تحبه وتخلص له لمواقفه السابقة تجاه الصليبيين، قبل أن يتولى الحكم في الموصل، كما ساعده على ذلك منشور السلطان، آنف الذكر بتسلم الموصل والجزيرة والشام، وما كان يتضمنه من اعتراف بحرية زنكي في الاشتباك مع التشكيلات السياسية المحلية واكتساحها، والتوسل بأية وسيلة يراها مناسبة لتحقيق هذا الهدف، لكن الأهم من ذلك كله ما تمتع به زنكي من مقدرة سياسية وعسكرية وما تميز به من نظر بعيد. ذلك أنه عرف – منُذ البدء – أنه إذا ما سلك سبيل المسالمة والتودد تجاه الأمراء المحليين فإن حصونهم ومدنهم وإماراتهم ستظل تشكل عوامل خطر ضد إمارته، لقربها منها، ولاستراتيجية مواقعها إذ تشكل نقاط تسلط مرتفعة، إنحدارها باتجاه الموصل، وخطوطها الخلفية سلاسل جبلية وأنهار متشابكة وحصون منيعة. كما أن السياسة الانعزالية التي اتبعها أولئك الأمراء تجاه الخطر الصليبي المتقدم نحو الشرق، وما تبع ذلك ذلك من تشتيت لإمكانات المسلمين البشرية والعسكرية والاقتصادية، قد أدت إلى عجز هذه الإمارات عن الوقوف بوجه هذا الخطر الصليبي الزاحف هذا في الوقت الذي كان على زنكي فيه أن يعمل على إزالة العقبات التي تقف أمام توحيد الإمارات المتفرقة، المبعثرة، في جبهة إسلامية موحدة تستطيع أن توقف الزحف الصليبي، ومن ثم تبدأ بالهجوم المنظم على قواعد الصليبين هذه العوامل التي دفعت زنكي إلى اتباع سياسة الهجوم، والتي تخللتها أحياناً علاقات سلمية ومعاهدات استدعتها طبيعة الظرف الذي كان يمر فيه وفي نفس الوقت، عمل زنكي على تأمين حدود إمارته باتجاه الشرق والشمال الشرقي، حيث يشكل الأكراد والتركمان في هذه المناطق عناصر خطر بالغة ضد إمارته، لاسيما عند تأزم علاقاته بالإمارات الغربية، أو عند توغله بعيداً عن مقره في الموصل. ومن ثم تبدو لنا واضحة أهمية الدور الذي لعبه زنكي في التاريخ الإسلامي إذ يعتبر أول قائد قام بتجميع القوى الإسلامية وفق برنامج معين ليجابه بها تزايد الخطر الصليبي الذي لم توقفه المحاولات الجدية التي سبقت زنكي وبخاصة تلك التي تمت على يد كل من مودود بن التونتكين 502 - 507ﻫ وايلغازي وبلك الأرتقيين 512 - 518ﻫ وآق سنقر البرسقي 518 - 520ﻫ ومن المرجح أنه لو تمكن زنكي من فتح دمشق وانجاز محاولته لتوحيد الشام، ولو لم يقتل – وهو في قمة انتصاراته ضد الصليبيين – لكان قد استطاع أن يستكمل الأجزاء المتبقية من برنامجه، ولتكاملت أمام الباحث الحديث الصورة الواضحة للدور الذي قام به في التاريخ الإسلامي، وهو دور فاصل تتضح خطورته، إذا عرفنا أن نور الدين محمود، ومن بعده صلاح الدين لم تكن جهودهما سوى اتمام العمل الذي بدأه عماد الدين زنكي وفي نفس الطريق.

  رد مع اقتباس
قديم 13-03-2009, 06:12 PM   رقم المشاركة : ( 3 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,157 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي مشاركة: رحلة مع القائد نور الدين زنكي [1/3]

الدولة الزنكية.. ومؤسسها
د. علي الصلابي 22/10/1429
21/10/2008

أولا: نشأة مؤسس الدولة
أ- والد مؤسس الدولة:
حظي والد عماد الدين أبو سعيد آق سنقر الملقب بقسيم الدولة، والمعروف بالحاجب، باهتمام المؤرخين بسبب الدور الذي لعبه على مسرح الأحداث السياسية والعسكرية للدولة السلجوقية، وكان آق سنقر من أصحاب السلطان ملكشاه الأول و أترابه، وقيل إنه كان لصيقه، ومن أخصَّ أصدقائه، فقد نشأ الرجلان وترعرعاً معاً، ولما تسلم ملكشاه الحكم عينه حاجباً له، وحظي عنده فكان من المقرّبين وأنس إليه، ووثق به حتى أفضى إليه بأسراره، واعتمد عليه في مهماته، فكان أبرز قادته.
ومن أقوى الدلائل على الحظوة التي حازها آق سُنقُر عند السلطان، منحه لقب (قسيم الدولة) ، وهذا يعني الشريك، وكانت الألقاب في تلك الآونة مصونة لا تعُطى إلا لمستحقيها، ويبدو أنه قاسم ملكشاه شؤون الحكم والإدارة، بالإضافة إلى ذلك، فإن آق سُنْقُر كان يقف إلى يمين سدة السلطنة ولا يتقدمه أحد، وصار ذلك أيضاً لعقبه من بعده.
والراجح أن منح آق سُنقُر هذه اللقب يعود إلى ثلاثة أسباب:
1- محبة السلطان ملكشاه له ودعمه أياه.
2- انتسابه إلى قبيلة تركية لها مكانتها وأهميتها بين القبائل السلجوقية الحاكمة، وأنه كان ذا مكانة رفيعة فيها.
1- أنه أدّى خدمات جليلة لمكشاه، استحقت منحه هذا اللقب.
واشترك أق سنقر إلى جانب السلاجقة في معارك عديدة، فقد سيره ملكشاه عام 477ﻫ مع عميد الدولة بن فخر الدولة في محاولة للاستيلاء على الموصل وطرد العقيليين منها، وقد تمكنا من إنجاز هذه المهمة، وبعد مرور سنتين اشترك مع السلطان ملكشاه في انتزاع حلب من نواب العقيليين فولاه إياها تقديراً لجهوده وقد تسلم آق سنقر منصبه في حلب وأعمالها، كمنيع واللاذقية وكفر طاب واستطاع أن يوسع نطاق ولايته بالاستيلاء على حمص عام 483ﻫ، وحصن أفاميه عام 484ﻫ. كما فرض طاعته على صاحب شيرز عام 481ﻫ، وفي عام 485ﻫ اشترك مع ملكشاه في مهاجمة العقيليين والانتصار عليهم قرب الموصل وظلت علاقة آق سنقر بالسلطان ملكشاه قائمة على الطاعة والتفاهم المشترك، ولم يسع يوماً إلى الخروج على أوامره ورفض السلطان بدوره الاستجابة لشكاوى معارضي آق سنقر أو إقرار مساعيهم للتخلص منه.
ب- جهود والد مؤسس الدولة في الإصلاح وإقامة العدل وتطبيق الشريعة:
1- السياسة الداخلية:
بدأت، مع تولي آق سنقر الحكم في حلب، مرحلة جديدة من حكم السلاجقة المباشر لهذه المدينة، وانتهى حكم القبائل العربية لهذه الإمارة وأزيحت عن مسرح الأحداث في شمالي بلاد الشام، ويُعدُّ سُنْقُر أول حاكم سلجوقي لإمارة حلب بعدما كانت سنوات طويلة من التمزق والحروب بين القبائل العربية فيما بينها، ثم بينها وبين التركمان القادمين من الشرق، ودام حكمه ثماني سنوات تقريباً كانت مرحلة هامة في تاريخ الإمارة والمنطقة بفعل أنها أحدثت تغييرات أساسية شملت كل جوانب الحياة، لقد تسلم آق سُنقر الحكم في ظل حالة من الفوضى التامة بفعل عاملين دخلي وخارجي، يتمثل الأول بصراع الحكام، وتدبيرهم المؤامرات، واستعانتهم بالقوى الكبرى في المنطقة كالخلافة العباسية في بغداد، والدولة الفاطمية في مصر بالإضافة إلى الدولة السلجوقية الجديدة الطامعة في التوسع في المنطقة هي:
1- قوة القبائل العربية البدوية وبخاصة الكلابيين العقيليين والمرداسيين لاستعادة نفوذها المسلوب.
2- قوة التركمان المدمرة التي كانت تغير على المنطقة.
3- قوة الدولة البيزنطية التي كانت تستغل الصراعات الداخلية لاستعادة نفوذها المفقود.
شهدت حلب نتيجة ذلك أوضاعاً من عدم الاستقرار السياسي انعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية فيها في خضم هذه الصراعات، تغافل الحكام عن الاهتمام بالشؤون الداخلية للسكان، كما أهملوا تطوير الحياة الاقتصادية، مما أدَّى إلى تراجع واردات البلاد وعمدوا إلى استنزاف السكان بفرض ضرائب أخرى وأتاوات باهظة، كلما أعوزهم المال، حتى أثقلوا كاهلهم، فتذمروا من سوء الأوضاع، وكثر انتشار اللصوص وقطاع الطرق، مما أدَّى إلى انعدام الأمن على الطرق، فتعطلت الحركة التجاري، وقلَّت السلع في الأسواق، وتراجعت موارد الزراعة لعدم تمكُّن الفلاحين من القيام بالحرث والزرع وجني المحصول فبرزت في هذه الظروف الصعبة، منظمة الأحداث التي أخذت على عاتقها رعاية مصالح أفرادها ومقاومة التعديات الخارجية وضع آق سنقر نصب عينيه هدفاً راح يعمل على تحقيقه، تمثل في إعادة الأمور إلى نصابها ولذلك شرع في:
1- إقامة الحدود الشرعية وطارد اللصوص وقطاع الطرق وقضى عليهم وتخلص من المتطرفين في الفساد، كما قضى على الفوضى التي كانت متفشية في البلاد، وعامل أهل حلب بالحسنى حتى 'توارثوا الرحمة عليه إلى آخر الدهر.
2- كتب إلى عمال الأطراف، لم يكتف آق سُنقُر بحصر تدابيره الإصلاحية في حلب بل كتب إلى عمال الأطراف التي خضعت لحكمه أن يحذو حذوه، وتابع أعماله بنفسه.
3- وأقرّ قسيم الدولة مبدأ المسؤولية الجماعية، فإذا تعرض أحد التجار للسرقة في قرية ما، أو إذا هوجمت قافلة أو نهبت، فإن أهل القرية التي جرت الحادثة فيها يكونون مسؤولين جماعياً عن دفع قيمة الضرر اللاحق بهؤلاء ونتيجة لهذا المبدأ، هبَّ سكان القرى لمساعدة الحكام في فرض الأمن، فإذا وصل تاجر إلى قرية أو مدينة، وضع أمتعته وبضاعته إلى جانبه ونام وهو مطمئن، بحراسة أهلها، وهكذا شارك السكان بتحمل المسؤولية في حفظ الأمن حتى أمنت الطرق، وتحدث التجار والمسافرون بحسن تدابيره وسيرته.
ونتيجة لاستتباب الأمن في كافة أرجاء إمارة حلب، نشط التجارس، وامتلأت الأسواق بالبضائع الواردة إليها من كل الجهات واستقر الوضع الاقتصادي، وتداعى الناس إليها للكسب فيها والعيش برغد. وقد اعترف المؤرخون بحسن سياسة آق سُنقُر الداخلية، والأمنية، وأجمعوا على مدحه.
قال ابن القلانسى: وأحسن فيهم السيرة، وبسط العدل في أهليها، وحمى السابلة للمترددين فيها، وأقام الهيبة، وأنصف الرعية، وتتبع المفسدين، فأبادهم، وقصد أهل الشر فأبعدهم، وحصل له بذلك من الصيت، وحسن الذكر، وتضاعف الثناء والشكر... فعمرت السابلة للمترددين من السفار وزاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار.
وقال ابن واصل: ورخصت الأسعار في أيام الأمير قسيم الدولة وأقيمت الحدود الشرعية، وعمرت الطرقات وأمنت السبل، وقتل المفسدون بكل فج، وكان كلما سمع بمفسد أو بقاطع طريق أمر بصلبه على أبواب المدينة.
وقال ابن الأثير: وكان قسيم الدولة أحسن الأمراء سياسة لرعيته، وحفظاً لهم، وكانت بلاده بين رخص عام، وعدل شامل وأمن واسع.
وقال عنه ابن كثير: بأنه كان من أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة وكان الرعية في أمن وعدل ورخص.
وأما من حيث إنجازاته العمرانية، فقد جدَّد عمارة منارة حلب بالجامع عام (482ﻫ/1089م) واسمه منقوش عليها إلى اليوم وفي ذلك قصة لطيفة ذكرها بن واصل مفادها: في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة أسس القاضي أبو الحسن بن الخشاب منارة حلب، وكان بحلب بيت معبد نار، قديم العمارة، وصار بعد ذلك أتون حمّام، فأخذ ابن الخشاب حجارته، وبنى بها المنارة، فأنهى بعض حُسَّاده إلى الأمير قسيم الدولة خبره، فغضب على القاضي ابن الخشاب، وقال: هدمت معبداً هو لي وملكي فقال: أيها الأمير، هذا، معبد للنار، وقد صار أتوناً، فأخذت حجارته لأعمَّر بها معبداً للإسلام، يُذكر فيه الله وحده لا شريك له وكتبت اسمك عليه، وجعلت الثواب لك، فإن رسمت غرمت ثمنه لك، ويكون الثواب لي، فعلّت فأعجب الأمير كلامه، واستصوب رأيه وقال: بل الثواب لي، وأفعل ما تريد فشرع في عمارة المنارة في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
2- السياسة الخارجية:
عادت سياسة أق سنقر الحازمة بنتائج هامة على المنطقة، فساد الأطمئنان، وأمنت الطرق وانتشر العمران، فانتعشت التجارة، وقد بلغ من سيطرة آق سنقر على الأمن في قرى حلب وضياعها أن أرسل من ينادي فيها أن لا يغلق أحد بابه، وأن يتركوا آلاتهم الزراعية في أماكنها ليلاً ونهاراً، ومن ثم جاءت شهرته بناء على ما أنجزه في هذا المجال وبعد أن نظم قسيم الدولة إمارته الداخلية، وحقَّق الأمن والاستقرار أراد أن يقوم بدور خارجي وكانت بلاد الشام، عبر تاريخها، عرضه للنزاعات من أجل السيطرة بين الشمال والجنوب. وقد مثَّلت دمشق، منُذ القرن السابع الميلادي، الجنوب، في حين مثَّلت حلب الشمال وكانت المفارقات بين الشمال والجنوب في بعض الأحيان اجتماعية واقتصادية ولكن غالباً ما كانت سياسية، حيث حاول حكام دمشق من جهتهم، وحكام حلب أيضاً مَّد سيطرتهم كلياً على بلاد الشام، وتبعاً لهذه القاعدة حدث صراع بين تُتُش وآق سُنْقُر، فقد وقف في وجه تُتش الطامع في بلاده، وأن يتوسع على حساب جيرانه، وبدا له قبل الإقدام على تنفيذ هذا المشروع أن ينشىء جيشاً منظماً يعتمد عليه في حروبه وشرع في ذلك وكانت نواة هذا الجيش تمثَّلت بالقوة التي تركها ملكشاه معه عندما رحل عن حلب وتعدادها أربعة آلاف مقاتل، ثم تعَّدت الستة آلاف.
ج- نشأة مؤسس الدولة الزنكية:
1-ولادته: ولد عماد الدين زنكي سنة 477ﻫ وكان أبوه من كبار قادة ملكشاه حتى لقب بقسيم الدولة وكان الابن الوحيد لهذا القائد العظيم في الدولة السلجوقية وتولى والده آق سنقر حلب سنة 479ﻫ أي بعد سنتين من مولده، فكانت حلب مهد طفولته وقضى بها أيامه الأولى.
2- تربية والده له: عاش زنكي في كنف والده مدة عشر سنوات تكونت خلالها الخطوط العريضة لشخصيته وتشرب من أبيه أخلاقه وصفاته، ولا شك أن والده دربه على الفروسية منُذ نعومة أظفاره، ليكون نعم الوارث لمركزه وقد دربه على ركوب الخيل ورمي السهام، وعوده على الصبر من المشاق في الحرب وممارستها، وقد أثبتت الأحداث اللاحقة حسن تربية والده له، فقد تميز بالشجاعة التي تبلغ حد الذروة فهو يهاجم مع مودود طبرية وينهزم الصليبيون، ويلحقهم المسلمون وعماد الدين في المقدمة، ولا يتلفت إلى الوراء، ليتأكد من لحاق أصحابه به، ويصل إلى باب طبرية ويحارب الأفرنج عليه ويبدي شجاعة فائقة وينسحب ويحسن الانسحاب عندما لا يرى حوله أحداً، فيعجب الناس من رجوعه سالماً، كما عجبوا من شجاعته، وورث عن أبيه آق سنقر القوة التي تعرف العطف والتي لا تبقى على عدو خطر، وورث عنه التخطيط الذي يؤدي إلى حتف الخصم الذي رسمه له زنكي.
ثانيا: أثر الفقهاء في حياة مؤسس الدولة الزنكيةواستقامته
1- دور الفقهاء في تعيين عماد الدين على الموصل:
عندما توفي أمير الموصل عز الدين البرسقي عام 521ﻫ/1127م تولى أمرها أخ صغير له تحت وصاية مملوك تركي يدعى جاولي، أدرك الفقهاء أن ضعف الموصل لابد وأن يؤثر على حلب وبلاد الشام في هذه المرحلة الحاسمة في تاريخ الصراع، إذ أن ذلك الفراغ السياسي، وعدم وجود قيادة عسكرية قوية في الموصل لابد وأن يلقى انعكاساً على الصراع الصليبي الإسلامي، ولذلك قامت عائلة الشهر زوري المعروفة بالعلم والصلاح بدور كبير في تنصيب عماد الدين زنكي في الموصل لكونه قائد عسكري قوي. حقيقة أن جاولي قام بإرسال القاضي بهاء الدين بن القاسم الشهرزوري، ونائب عز الدين البرسقي صلاح الدين محمد الياغيسياني إلى بغداد، التي كان بها السلطان محمود السلجوقي، وذلك الولاية في الموصل لأخ عز الدين الصغير حتى يظل يسيطر باسمه على الحكم فيها بصفة الوصاية عليه، إلا أن القاضي ورفيقه أدركا ذلك الهدف وإنهما ليس في نيتهما تحقيق هدف جاولي، لاعتقادهما بعدم كفاءته لذلك الظرف الصعب، حيث كانا على معرفة بطباعه وتصرفاته التي لا يرضيان عنها، ويبدو في الوقت نفسه كانا على علاقة متينة بعماد الدين زنكي حيث خططا معاً في أن يتمكنا من إقناع ذلك السلطان لتولية الموصل وحلب، حرصاً منهما على عدم ضياع البلاد الإسلامية وخاصة الموصل في أيدي الصليبيين، وبوصول القاضي ورفيقه إلى بغداد اتصل صلاح الدين محمد بأحد أقربائه في بغداد نصر الدين جقروا حيث كان بينهما مصاهرة واجتمعوا به وقرروا أن جاولي لا يصلح لحفظ البلاد لأنه كان سيء السيرة، وأخذ القاضي الشهرزوري على عاتقه حمل الأمانة وقول الحق، فاجتمع هو وصلاح الدين الياغيسياني بوزير السلطان السلجوقي. وقالا له: قد علمت أنت والسلطان السلجوقي أن ديار الجزيرة والشام قد تمكن الفرنج منها وقويت شوكتهم بها واستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى عريش مصر ما عدا البلاد الباقية بيد المسلمين، ويتضح من خلال حديث القاضي بهاء الدين الشهرزوري مبلغ تخوفه من سيطرة الصليبيين على أراضي الإسلام وخشيته من اتساع الرتق باستيلائهم على المزيد منها، وحاجة البلاد إلى الرجل المناسب لوقف التوسع الصليبي والتصدي له. فاستطرد قائلاً: ولا بد للبلاد من رجل شهم شجاع ذي رأي وتجربة يذب عنها ويحمي حوزتها ومن عمق إحساسه بالمسؤولية أمام الله والعباد نراه يقول: وقد أنهينا الحال إليك لئلاً يجري خلل أو وهن على الإسلام والمسلمين، فنحصل نحن بالإثم من الله واللوم من السلطان، وهذا يعطينا درساً مهماً في دور هذا الفقيه الذي وضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار ولم يتأثر بترغيب ولا ترهيب من حاكم الموصل الذي أرسله للسلطان السلجوقي، كما أن في اختيار كمال الدين الشهر زوري لعماد الدين زنكي تزكية له من بين بقية الأمراء في ذلك العهد. وقام وزير السلطان شرف الدين أنو شروان بن خالد بتوصيل مطلبهما وحال بلاد الشام إلى السلطان محمود. وبواسطه ذلك الوزير اقتنع السلطان برأيهما وحالهما. وتحقق هدفهما عندما استشارهما فيمن يفضلون لولاية الموصل، ويبدو أن القاضي الشهر زوري ورفيقه أشارا عليه بمجموعة من القادة المسلمين من بينهم عماد الدين زنكي حتى لا يشك في أمرهما وإصرارهما عليه إلا أنه أختارا عماد الدين بإيعاز من وزيره أنوشروان وعينه والياً على الموصل، وهنا يظهر دور العالم القاضي بهاء الدين بن القاسم الشهرزوري في اختيار القائد الأفضل لقيادة القوى الإسلامية نحو مواجهة الغزو الصليبي حتى كان لهذا الاختيار أثره في إرساء حجر الجهاد في المشرق الإسلامي حيث تمكن من خلاله غرس نواة الوحدة مع حلب عندما أخذها ورحب به أهلها عام 521ﻫ/1127م لأن موقع حلب الاستراتيجي بين بلاد الشام، ومناطق أعالي الفرات هو الذي جعلها في قلب الأحداث آنذاك حتى أن ذلك الأمير عماد الدين قد أدرك أهمية ذلك الموقع بالنسبة لبلاد الشام والموصل والجزيرة الفراتية وتمنى لو أخذها المسلمون قبل أن يدخلها الصليبيون.
إن هذا العدو قد طمع في البلاد وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام.. فالمسلمون أولى من الكفار بها.
2- مكانة القاضي بهاء الدين الشهرزوري عند عماد الدين: واعترافاً من عماد الدين زنكي بما بذله القاضي بهاء الدين الشهرزوري في تعيينه ورداً لجميله نحوه عينه قاضي قضاة بلاده جميعها وما يفتحه من البلاد، وكذلك زاده أملاكاً وإقطاعاً واحتراماً وكان يثق فيه وفي آرائه، لذلك كانت منزلته عظيمة عنده، وكان عماد الدين يستشيره في معظم الأمور الهامة في دولته حتى صرح ابن الأثير بذلك قائلاً: وكان لا يصدر إلا عن رأيه. إن احترام العلماء وتقدير آراءهم، واستشارتهم من عوامل وأسباب نجاح القادة السياسيين والعسكريين.
3- عدل مؤسس الدولة الزنكية: حرص عماد الدين زنكي على نشر العدل بين رعيته، فقد أوصى عماله بأهل حران، ونهي عن الكلف والسخر والتثقيل على الرعية هذا ما حكاه أهل حران، وأما فلاحو حلب، فأنهم يذكرون ضد ذلك لأنه كان يلزم الناس ويجمع الرجال للقتال والحصار، وكان من أحسن الملوك سيرة وأكثرها حزماً وضبطاً للأمور، وكانت رعيته في أمن شامل، يعجز القوي من ظلم الضعيف ومما رواه أبو شامه، أن الشهيد كان بجزيرة في الشتاء، فدخل الأمير عز الدين أبو بكر الدبيسي وهو من أكابر أمرائه ومن ذوي الرأي عنده، ونزل بدار يهودي وأخرجه منها، فأشتكى اليهودي والشهيد راكب وبجانبه عز الدين أبو بكر الدبيسي، ليس فوقه أحد، فلما سمع أتابك الخبر، نظر إلى أبي بكر الدبيسي نظرة غضب ولم يكلمه كلمة واحدة، فتأخر القهقري ودخل البلد، فأخرج خيامه وأمر بنصبها خارج البلد، ولم تكن الأرض تحتمل نصب الخيام، فوضعوا عليها التبن، وخرج إليها من ساعته، وكان ينهى أصحابه عن اقتناء الأراضي، والاكتفاء بالاقطاعات لأن الأملاك متى صارت لأصحاب السلطان، ظلموا الرعية، وتعدوا عليهم وغصبوهم أملاكهم ولحسن سيرته قصده الناس يتخذون بلاده داراً للاقامة ومن عدله أنه لما فتح المعّرة وأخذها من الفرنج جاءه الناس يطلبون أملاكهم وكان عماد الدين حنفي المذهب ومن مَذهب أبي حنيفة – أن الكفار إذا استولوا على بلد وفيه أملاك المسلمين خرجت تلك الأموال عن أصحابها لصيرورة البلد دار حرب، فإذا عاد البلد بعد ذلك إلى المسلمين كانت تلك الأملاك لبيت المال، ولما طلب الناس منه أملاكهم استفتى عماد الدين الفقهاء، فأفتوه بما يقتضيه مذهبهم، وهو أن الأملاك لبيت المال، ولاحظَّ لأصحابها فيها فقال: رحمه الله: إذا كان الفرنج يأخذون أملاكهم ونحن نأخذ أملاكهم فأي فرق بيننا وبين الفرنج؟ كل من أتى بكتاب يدل على أنه مالك لأرض فليأخذها، فرد إلى الناس جميع أملاكهم، ولم يعترض لشيء منها.
4- استقامة مؤسس الدولة الزنكية وصلاحه: كان عماد الدين زنكي يشعر بمسووليته كمسلم سواء في سياسته وعلاقاته العامة أم في سلوكه الشخصي فقد كرس حياته وطاقاته في سبيل (الجهاد) ضد الصليبيين والجهاد من أفضل أركان العبادة، واعتبر نفسه قائد المسلمين الأول في الوقوف بوجه الخطر الصليبي معتقداً أن مركزه - كأقوى أمير في المنطقة - يحتم عليه ذلك ولعل موقفه من التحالف البيزنطي الصليبي ضد المسلمين عام 532ﻫ يوضح طبيعة نظرته في هذا المجال، فعندما قرر الاستنجاد بالسلطان السلجوقي واعترض قاضيه بأن ذلك ربما أدى إلى تمهيد الطريق أمام سيطرة السلاجقة على بلاده ردّ قائلاً: إن هذا العدو قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام، وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفار، وكان كلما قرر التوجه لقتال الصليبيين استثار في المسلمين تعشقهم للجهاد ففي عام 524ﻫ - على سبيل المثال – اتجه إلى الشام وصمم العزم على الجهاد ... وإعلاء كلمة الله، وفي عام 532ﻫ سار إلى بعرين الخاضعة للصليبيين: وجمع عساكره وحثهم على الجهاد، وعندما عزم على فتح الرها عام 539ﻫ تبعته العساكر.. عازمين على أن يؤدوا فريضة الجهاد. وقد لاقى فتحه للرها استبشاراً عاماً لدى المسلمين في كل مكان: فأمتلأت به المحافل في الآفاق، واعتبروه نصراً حاسماً للإسلام ضد الصليبية، ومن ثم فإن مفهوم الجهاد خلع على عماد الدين زنكي صفة إسلامية في نظر المسلمين إلى الحد الذي دفع العماد الأصفهاني إلى القول: بأنه كان قطباً يدور عليه فلك الإسلام، كما ذكر رنسيمان أن زنكي اعتبر نفسه "حامي الإسلام" ضد الصليبيين، وتتضح نزعة زنكي الدينية في سياسته الداخلية وفي سلوكه الشخصي كذلك، وهناك العديد من الأمثلة التي تبين إلى أي مدى بلغ الحسّ الديني لدى هذا الأمير المسؤول، فعندما قام عام 534ﻫ - على سبيل المثال - بتولية هبة الله بن أبي جرادة قضاء حلب قال له: هذا الأمر قد نزعته من عنقي وقلدتك إياه، فينبغي أن تتقي الله. وكان يتصدق كل جمعة بمائة دينار جهراً، ويتصدق بما عداها من الأيام سراً. كما كان يستفتي الفقهاء والقضاة قبل إقدامه على كثير من الأعمال، وقد أقام الحدود الشرعية في أنحاء بلاده.

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

  رد مع اقتباس
قديم 13-03-2009, 08:41 PM   رقم المشاركة : ( 4 )

الصورة الرمزية ذو الفقار

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 2
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :
الاقامة :
التحصيل الدراسي :
المشاركـــــــات : 1,265 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 56
قوة التـرشيــــح : ذو الفقار will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

ذو الفقار غير متواجد حالياً

افتراضي مشاركة: رحلة مع القائد نور الدين زنكي [1/3]

السلام عليكم ورحمة الله ,,,

مشكورة مؤرختنا الفاضلة على هذا الموضوع القيم ورحم الله نورد الدين زنكي وعوضنا عنه خيرا ..
  رد مع اقتباس
قديم 19-03-2009, 03:13 PM   رقم المشاركة : ( 5 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,157 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي مشاركة: رحلة مع القائد نور الدين زنكي [1/3]

الله يوفقك ويبارك الله في عمرك واشكرلك حضورك
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الدين, القائد, رحلة, زنكي, [1/3]

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

 
تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

 


Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. Designed & TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
المواضيع المطروحة في المنتدي تعبر عن راي اصحابها والمنتدي غير مسئول عنها

a.d - i.s.s.w

   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32